
بقلم احمد فخري
قصة (من قتل مخلص؟) - الجزء الاول
في صباح يوم بارد من شهر شباط استيقظت خلود بوقت مبكر على نحول عام وتعب شديد في جسدها بينما كانت مدثرة بفراشها. وقفت على ساقيها وتركت السرير بصعوبة لتبدأ يومها المعتاد بتحضير الافطار ثم انجاز مهام المنزل. لكن شعورها بالوهن كان يقلقها بالرغم من انها نامت 10 ساعات متواصلة. ذهبت الى المطبخ وامسكت بالغلاية الكهربائية لتملأها ماءاً فلاحظت دماً غزيراً يغطي كفها الايمن. اقلقها ذلك كثيراً وأول ما ورد في ذهنها هو ان امراً خطيراً قد طرأ على الجنين الذي ببطنها. فقد كابدت الكثير من العناء كي تحبل لكنها لم ترزق بجنين يكلل زواجها المتأخر من حبيبها مخلص. نظرت الى كف يدها الايسر فوجدته هو الآخر ملطخاً بالدماء. رجعت مسرعة للسرير كي تتفحصه فرأت بقعة دم كبرى تغرق الشرشف. ازالت الشرشف واخذته مباشرة الى غرفة الغسيل ثم رمته مع باقي الملابس لتغسله بوقت لاحق. بدأت تشك بان شيئاً جلل قد وقع لجنينها لذلك دخلت الحمام كي تتفحص نفسها خوفاً مما هو اعظم. وبداخل الحمام راحت تتلمس اعضائها السفلية فلم تجد اي اثر للدم، {يا الهي، ما هو مصدر الدم يا ترى؟ ساتصل الآن بصديقتي وسن كي تكشف عليّ فانا لن احظى بفرصة حمل اخرى إذا ما وقع شيء للجنين. احميني يا مريم العذرا}. ارتدت ملابسها من جديد وعادت الى غرفة النوم. التقطت هاتفها الآيفون من على الطاولة الصغيرة الى جانب السرير وهي ترتعد خوفاً. ضغطت على الاسم (وسن حنا) فسمعت الهاتف يرن ثم سمعتها تقول،
د.وسن : اهذا انت يا خلود؟ ماذا ورائك حبيبتي؟ انت لم تعتادي على الاتصال بمثل هذا الوقت المبكر؟
خلود : انجديني يا وسن، انا خائفة جداً بل انا مرعوبة جداً جداً. قد اكون فقدت الجنين. انا لم افعل شيئاً صدقيني، انا فقط...
قاطعتها الدكتورة وقالت،
د.وسن : على رسلك يا خلود، اهدأي وخذي نفساً عميقاً ثم اشرحي لي كل شيء بالتفصيل.
خلود : استيقظت هذا الصباح وذهبت الى المطبخ لاعد الشاي. لكنني لاحظت دماً يغطي كلتا يدي. دخلت بعدها الحمام لافحص نفسي فلم اجد شيئاً مريباً هناك. كنت افكر بانني ربما...
قاطعتها الدكتورة مرة ثانية وقالت،
د.وسن : اسمعي مني يا خلود، اذا لم يكن هناك اثر على مدخل الرحم فهذا يدل على انك تلقيت جرحاً خارجياً من شيء آخر. والآن دعيني اسألك، هل تفحصت كلتا يديك واصابعك بشكل جيد؟ ربما تكونين قد أصبت بجرح دون ان تشعري!
خلود : يدي؟ اصابعي؟ لا اعلم. لم افكر بذلك قط. لحظة واحدة ساتفحص يدي وباقي اعضاء جسدي ثم اتصل بك ثانية.
د.وسن : حسناً عزيزتي.
اغلقت الخط مع صديقتها وصارت تتفحص يدها جيداً فلم تجد اي اثر للجروح. بعدها راحت تتأكد من جميع اعضاء جسدها فلم تجد مسبباً للدم. التقطت الهاتف ثانية واتصلت بـ د.وسن قالت،
خلود : يا وسن، لقد فحصت كفيّ واصابعي ثم فحصت كامل جسدي فلم اجد مصدر الدم. الا قمتِّ بفحصي رجاءاً؟
د.وسن : هل لا زالت يداك ملطختان بالدم؟
خلود : كلا، لقد غسلتهما جيداً.
د.وسن : وماذا عن شرشف السرير؟
خلود : ازلته من على السرير ورميته بسلة الغسيل.
د.وسن : إذاً انت لم تقومي بغسل الشرشف بعد، اليس كذلك؟
خلود : كلا، لم اغسله بعد.
د.وسن : حسناً، تعالي اليوم الى العيادة وسوف اجري الفحوص اللازمة هناك. لا تنسي ان تحضري معك ذلك الشرشف الملطخ بالدم كي أبعثه للمختبر.
خلود : ساتي اليك الآن فوراً.
د.وسن : لا ليس الآن، فانا لا زلت بشقتي. سافتح العيادة مع الساعة العاشرة كالعادة.
خلود : إذاً ساكون عندك في العيادة تمام العاشرة.
د.وسن : حسناً عزيزتي. تذكري جلب الشرشف.
خلود : وهو كذلك.
اغلقت الخط معها ورجعت الى الحمام لتتفحص كامل اعضاء جسدها مرة ثانية من اصابات قد تكون تلقتها اثناء النوم لكنها لم تجد اي شيئ يسبب ذلك النزيف الهائل. ذهبت الى غرفة الغسيل واخذت الشرشف الملطخ بالدماء ووضعته في كيس بلاستيكي كبير لتأخذه معها. رجعت وارتدت ملابسها وصارت تعد لنفسها قدحاً من الشاي. وعندما قارب الوقت من التاسعة والنصف خرجت من منزلها وركبت سيارتها (الكيا) لتتوجه بها الى منطقة الكرادة-داخل حيث عيادة الدكتورة وسن. اوقفت السيارة امام العمارة الصغيرة ونزلت مسرعة وتسلقت السلم الى الطابق الاول. دخلت العيادة فوجدت نساءاً كثر ينتظرن قدوم الطبيبة. سألت الممرضة قائلة،
خلود : الم تحضر الدكتورة بعد؟
الممرضة : كلا لم تصل بعد ولكن ليس لديك موعد اليوم يا مدام خلود.
خلود : اعلم ذلك. لقد تكلمت هاتفياً مع الدكتورة هذا الصباح فقد حدث معي امر طارئ، لذلك هي التي طلبتْ مني الحضور بشكل استثنائي.
الممرضة : إذاً تفضلي بالجلوس وساستدعيك عندما يحين دورك.
نظرت حولها كي تتأكد من ان باقي النساء لا ينظرن اليها وقالت،
خلود : ارجوك دعيني اكون اول مراجعة.
قالتها ووضعت 10000 دينار بيد الممرضة.
وما ان جلست على الكرسي حتى سمع الجميع دخول د.وسن وهي تحيي الجميع فوقفت خلود ونظرت بوجهها وقالت،
خلود : ها قد حضرت كما طلبتِ مني.
د.وسن : ارجوك اجلسي الآن وسوف استدعيك فيما بعد.
نظرت الدكتورة الى الممرضة وقالت،
د.وسن : لو سمحت يا جانيت، فلتدخل المراجعة الاولى.
نظرت الممرضة جانيت لسيدة بدينة جالسة بالغرفة وقالت لها،
الممرضة : تفضلي يا مدام فريدة.
وقفت مدام فريدة ودخلت غرفة الطبيبة ثم اغلقت الباب خلفها. بقيت خلود جالسة لاكثر من ساعة ونصف والمراجعات يدخلن ويخرجن من غرفة الطبيبة حتى نادتها الممرضة وقالت،
الممرضة : تفضلي يا مدام خلود الآن جاء دورك.
دخلت خلود فأنبتها الدكتورة حين قالت،
د.وسن : انا اعلم انك اعز صديقة عندي لكنك لا تستطيعين ان تتجاوزي ادوار المراجعات الاخريات وتدخلين قبلهم.
خلود : انت تعلمين ان لدي امر طارئ عزيزتي. فانا انزف منذ...
قاطعتها الدكتورة وقالت،
د.وسن : اجل اخبرتيني بالنزيف وطلبت منك ان لا تقلقي كذلك اخبرتك بانني ساقوم بفحصك فحصاً دقيقاً عندما تأتين للعيادة وطلبت منك جلب الشرشف معك لابعثه للمختبر. ارجوك احترمي مواعيد باقي المرضى.
خلود : انا آسفة يا وسن. تفضلي، وضعت الشرشف بداخل هذا الكيس.
د.وسن : اخلعي جميع ملابسك الآن واستلقي على ظهرك فوق السرير.
خلعت خلود ملابسها واستلقت على ظهرها. ارتدت الدكتورة قفازات طبية وبدأت تفحص صديقتها خلود فحصاً دقيقاً من اعلى رأسها حتى اخمص قدميها فلم تجد اي مصدر للدم الذي تحدثت عنه خلود. وبعد ان فرغت من الفحص قالت،
د.وسن : لقد فحصت كامل جسدك بشكل دقيق ومكثف فلم اجد اي اصابات ولا سبب للنزيف. كذلك الجنين، فهو بحالة جيدة وقد ازداد حجمه ليصبح 7 سم. هل سألت زوجك ربما كان الدم صادراً منه؟
خلود : زوجي ليس في بغداد. ذهب الى اربيل قبل اربعة ايام لزيارة اخته هيلين ولم يعد بعد.
د.وسن : إذاً فانا ليس لدي تفسير منطقي لمصدر ذلك الدم. هل انت متأكدة من انه دم بشري ام ربما يكون نوعاً من الطلاء.
خلود : وهل تعتقدين انني لا اميز بين الدم والطلاء يا وسن؟ انا متأكدة من انه دم من دون شك.
د.وسن : إذاً اخبريني ماذا فعلت بالامس؟
خلود : هل تقصدين في النهار؟
د.وسن : بل بكامل اليوم. هيا حاولي ان تتذكري جيداً.
خلود : البارحة كان يوماً اعتيادياً. استيقظت في الصباح وذهبت الى السوق. ومن هناك اشتريت اللحم والخضار ثم عدت الى البيت.
بقيت خلود تقص على صديقتها د.وسن كل تفاصيل ما حدث خلال اليوم الذي سبق ولم تجد شيئاً يمنحها اي مؤشر لمصدر ذلك الدم. هنا وقفت وقالت،
د.وسن : ساخذ عينة من دمك الآن لابعثها الى المختبر وارفقها مع الشرشف لغرض المقارنة.
خلود : هل تعتقدين ان الدم قد يكون لشخص آخر غيري؟
د.وسن : دعينا ننتظر تقرير المختبر وبعدها لكل حادث حديث.
اخذت الدكتور وسن العينة من خلود ثم ودعتها الى باب العيادة. ركبت خلود سيارتها وعادت بها الى البيت لتجد كماً كبيراً من سيارت وعناصر الشرطة يقفون خارج منزلها. نزلت من سيارتها وسألت ضابطاً كان يقف وينظر اليها قالت،
خلود : ما الذي يجري هنا ولماذا انتم واقفون امام بيتي؟
الضابط : هل انت صاحبة هذا المنزل؟
خلود : اجل.
الضابط : ما هو اسمك واسم زوجك لو سمحتِ؟
خلود : انا خلود متّي وزوجي اسمه مخلص عبد المسيح. هل هناك مشكلة يا حضرة الضابط؟
الضابط : يا خلود متّي، انا القي القبض عليك بتهمة قتل زوجك مخلص عبد المسيح واي شيء تدلين به الآن بالامكان ان يسجل ضدك وقد يستعمل كدليل ضدك بالمحكمة.
خلود : ما هذا الهراء يا حضرة الضابط؟ ماذا تقول؟ يا ويلي، هل مات مخلص ؟ هل انت تمازحني؟
الضابط : ثبت الاصفاد يا عريف.
ظلت خلود تبكي وتولول على فقدان زوجها. هنا صرخ بها الضابط وقال،
الضابط : كفاك هذا الازعاج يا امرأة. هيا ضعوها بداخل السيارة ودع الفريق البحث الجنائي يبدأ عمله.
خلود : حضرة الضابط هل تأذن لي باستعمال هاتفي؟ اريد الاتصال بمحامي.
الضابط : لا مكالمات الآن. سوف نعطيك فرصة الاتصال عندما تكونين بمركز الشرطة.
بعد اكثر من ساعة خرج الضابط من منزل خلود وامر سائقه كي يقتادهم الى مركز الشرطة. وعند الوصول هناك اتصل برئيس المركز العقيد مصطفى سلمان الجبوري وقال،
الضابط : صباح الخير سيدي، لقد جئنا بالمشتبه بها.
رئيس المركز : إذاً اتصل بالداخلية كي يبعثوا لنا بمحقق يقوم بالتحقيق.
الضابط : وهو كذلك سيدي.
أدخلت خلود بزنزانة فيها الكثير من النساء. البعض منهن كان من الواضح متهمات بقضايا آداب. والباقي كن متهمات بسرقة محلات او نشل او اعتداء جسدي على الاطفال. دخلت خلود وهي مثقلة بآلامها وحزنها تمشي ببطئ كبير حتى وجدت لنفسها زاوية خالية في الزنزانة مظلمة. جلست فيها ووضعت رأسها بين كفيها وصارت تندب حظها وتبكي بكاءاً مراً. بعدها تذكرت ما قالته لها صديقتها الدكتورة وسن فامسكت ببطنها ورسمت على وجهها ابتسامة فاترة ثم غرقت بنوم عميق.
باليوم التالي دخل المحقق صهيب حديد مركز الشرطة فادخلوه غرفة الضابط. طرق الباب ودخل قال،
صهيب : السلام عليكم سيدي، انا الملازم اول صهيب حديد من وزارة الداخلية. ارسلت لاحقق بقضية السيدة التي قتلت زوجها.
الضابط : تفضل سيادة المحقق. انا الملازم عدنان الجنابي، البارحة صباحاً القيت القبض على المتهمة خلود متّي والآن هي في التوقيف.
صهيب : هل اكمل فريق البحث الجنائي عمله؟
الضابط : اعتقد ذلك، فقد تركتهم في منزلها بالامس وهم يرفعون البصمات من كل ارجاء الدار. وبما ان البيت كبير بثلاث طوابق فمن المرجح ان يستغرق البحث وقتاً اطول من المعتاد.
صهيب : من الذي بلغ عن الحادث؟
الضابط : جارتهم التي تسكن بالبيت الذي امامهم. تقول انها سمعت اصوات شجار وصرخات عالية فخافت كثيراً وقامت بالاتصال بالشرطة باليوم التالي.
صهيب : هل قمتم بالتحقيق الاولي مع المشتبه بها؟
الضابط : كلا، لهذا الغرض استُدْعيتَ من الوزارة لغرض التحقيق لذا انتظرناك حتى تبدأ عملك على الرغم من أن هذا ليس ضرورياً.
صهيب : لماذا تعتقد أنه ليس ضرورياً؟
الضابط : لاننا عثرنا على الكثير من الادلة تشير الى الجريمة وبالامكان ان تلف حبل المشنقة حول عنق الزوجة خمسين لفة.
صهيب : حسناً اخبرني عن تلك الادلة لو سمحت.
الضابط : اولاً، قمنا بفحص مرتبة السرير فوجدناها ملوثة بالدم.
صهيب : وماذا عن الشرشف؟
الضابط : السرير كان خالياً من الشراشف.
صهيب : هل عرفتم إن كان الدم للمجني عليه ام للمشتبه بها؟
الضابط : لا نعلم بعد. لقد قام فريق البحث الجنائي باخذ عينة من الدم ومسحة من المشتبه بها وسوف يدرجوه بتقريرهم الطبي فيما بعد.
صهيب : وماذا عن الجثة؟
الضابط : لم نعثر على جثة المجني عليه بعد. ربما قامت المشتبه بها بالتخلص من الجثة بمكان ما.
صهيب : هل لديكم علم بذلك المكان؟
الضابط : كلا.
صهيب : حسناً اريد استجواب المشتبه بها.
الضابط : لحظة واحدة. ساطلب من احد العناصر كي يحضروها اليك في غرفة التحقيق رقم 3.
صهيب : شكراً لك سيادة الملازم.
دخل صهيب غرفة التحقيق وانتظر قليلاً حتى انفتح الباب ودخل احد العناصر مصطحباً معه المشتبه بها. نظر المحقق الى خلود فوجدها سيدة في غاية الجمال، ترتدي ملابس انيقة. اجلسها العنصر على الكرسي وربط اصفادها على الطاولة الحديدية ثم قال،
العنصر : سيدي، سيحضر عنصر آخر ليبدأ بكتابة محضر التحقيق.
صهيب : فك الاصفاد عنها يا عريف.
العنصر : ولكن يا سيدي ذلك غير...
صهيب : قلت لك فك الاصفاد.
فك العنصر الاصفاد من على معصمي خلود فسمع المحقق يقول،
صهيب : طيب عريفي. بامكانك الخروج الآن.
وما ان خرج العريف من الغرفة حتى دخل عنصر آخر يحمل بيده اوراقاً. جلس وتأهب كي يكتب تفاصيل التحقيق فسمع المحقق يقول،
صهيب : اذكري اسمك الكامل، تاريخ ميلادك، محل عملك، اسم زوجك وتاريخ ميلاده ومحل عمله.
خلود : اسمي خلود متّي يوحنا 17/11/1980 انا ربة بيت. زوجي اسمه مخلص عبد المسيح 17/02/1975 يعمل موظف بوزارة الخارجية.
صهيب : هل قمتِ بقتل زوجكِ؟
خلود : لا ابداً سيدي. كيف لي ان اقتل زوجي؟ نحن نحب بعضنا البعض وقد تزوجنا قبل خمس سنوات فقط. والآن نحن في انتظار مولودنا الاول لانني حامل.
صهيب : متى علمتِ بموت زوجكِ؟
خلود : بالامس في الصباح عندما عدت من عيادة صديقتي في الكرادة داخل.
صهيب : ما اسم صديقتك في الكرادة داخل؟
خلود : اسمها الدكتورة وسن مرقص طبيبة نسائية وتوليد.
صهيب : هل لديك عنوانها ورقم هاتفها؟
خلود : اجل طبعاً.
صهيب : هل تجيدين القراءة والكتابة؟
خلود : حضرة الضابط انا خريجة كلية ادارة واقتصاد. اعطني ورقة لو سمحت وسأدون لك جميع تفاصيلها.
اعطاها العنصر ورقة فقامت بكتابة تفاصيل الدكتورة وسن ثم اعادتها ثانية فسمعته يقول،
صهيب : والآن اخبريني بالتفصيل كيف سمعت بخبر موت زوجكِ؟
صارت تبكي بحرقة فتركها المحقق حتى انتهت من بكائها. بعدها مسحت انفها بمنديل ورقي عرضها عليها واستجمعت رباطة جأشها ثم اجابت،
خلود : انا لم اكتشف موت المرحوم زوجي. لقد ذهبت مبكرة الى عيادة الدكتورة وسن وفور عودتي الى بيتي، وجدت الشرطة تحيط ببيتي. قالوا بانني قتلت زوجي ثم قاموا بالقاء القبض عليّ واحضاري الى هنا ليضعوني بغرفة التوقيف مع باقي النساء.
صهيب : لماذا ذهبت الى الدكتورة وسن؟ هل كان لديك موعد مسبق معها؟
خلود : كلا، لقد استيقضت في الصباح الباكر بذلك اليوم لافاجأ بيدي ملوثة بالدم. وبما انني حامل فقد اصبت بالهلع. اتصلت بصديقتي الدكتورة وسن التي تتابع حملي منذ بدايته وحتى الآن لانها طبيبة نسائية. اخبرتها بالدم فطلبت مني احضار شرشف السرير معي الى عيادتها كي تبعثه للمختبر. ثم طلبت مني الحضور للعيادة للكشف عن اي اصابة قد اكون تعرضتُ اليها.
صهيب : وماذا عن زوجك؟ ماذا قال زوجك عندما رأى الدم؟
خلود : زوجي ليس في بغداد. لقد ذهب الى اربيل لزيارة اخته هيلين قبل اربعة ايام ولم يعد بعد.
صهيب : انت اخذت شرشف السرير الى الدكتورة إذاً؟
خلود : اجل، وضعته بكيس بلاستيكي واخذته معي بسيارتي. اعطيته للدكتورة وسن فور وصولي كي تبعثه للمختبر حتى يفحصون الدم الذي عليه.
صهيب : لماذا فعلت ذلك؟
خلود : الدكتورة هي التي طلبت مني ذلك. قالت انها ستقوم بارساله للمختبر لكي يحللوا الدم من عليه.
صهيب : سنقوم باستضافتك عندنا حتى يخرج التقرير الجنائي كي نكمل التحقيق معكِ.
خلود : هل يمكنني العودة الى بيتي بهذه الاثناء حضرة الضابط؟ ارجوك.
صهيب : كلا، انه اشتباه بجريمة قتل لذلك سنتحفظ عليك هنا للاسف.
خلود : طيب، امري الى الله.
نظر المحقق صهيب الى العنصر وقال،
صهيب : تعاد المشتبه بها الى التوقيف.
أخرِجَتْ خلود من غرفة التحقيق فوقف المحقق وقرأ محضر التحقيق ثم وقف وقال لمساعده بانه يريد ان يصطحبه الى بيت المجني عليه. ركب المحقق صهيب سيارة رسمية وتوجه بها الى منطقة الكرادة الشرقية اين يقع منزل خلود. دخل البيت الكبير واعجب بحجمه ثم سأل،
صهيب : انه منزل كبير وجميل حقاً. هل هو لزوج خلود؟
العريف : كلا سيدي، البيت مكتوب باسم المشتبه بها خلود. ورثته عن والدها بعد ان توفى قبل ست سنوات فقد كانت هي الوريثة الوحيدة.
صهيب : وماذا كان يعمل والدها؟
العريف : كان تاجراً للحديد. يستورده من الخارج ويبيعه بالداخل.
صهيب : وماذا عن زوجها؟
العريف : زوجها موظف بوزارة الخارجية.
صهيب : ما يثير فضولي الآن هو، لماذا تقوم خلود بقتل زوجها إذا كانوا ينتظرون مولودهم الاول؟
العريف : لا اعرف سيدي.
صهيب : من هي السيدة التي ابلغت عن الضجيج؟
العريف : انها جارتهم التي تسكن بالبيت الذي يجاورهم.
صهيب : دعني أقوم بزيارتها الآن. ابقى انت هنا.
خرج المحقق من منزل خلود ودق الجرس على البيت المجاور. فخرجت له سيدة بدينة بعقدها السادس قالت،
الجارة : تفضل اخي، من انت؟
صهيب : انا الملازم اول صهيب حديد محقق بقضية قتل السيد مخلص عبد المسيح. هل بامكاني التحدث اليكِ؟
ارتبكت الجارة قليلاً ثم تمالكت اعصابها وقالت،
الجارة : اجل.
صهيب : سابدأ باسمك وحالتك الاجتماعية.
الجارة : انا سهيلة حسن عبد الجبار. انا ارملة، توفى زوجي قبل سنتين واسكن مع ابني وابنتي بهذا الدار.
صهيب : يقول التقرير انك في ليلة امس سمعت صوت شجار وقمت بتبليغ الشرطة عنهم باليوم التالي.
سهيلة : اجل سيادة المحقق.
صهيب : ماذا سمعت بالتحديد؟
سهيلة : سمعت صوت مخلص وهو يصرخ ويشتم زوجته ثم سمعت صوت زوجته خلود ترد عليه بصفاقة كبيرة وتشتمه وتشتم عشيرته.
صهيب : هل كان كلامهم مسموع لديكِ؟ اقصد هل تمكنت من فهم كل ما كانوا يقولون؟
سهيلة : اجل، اجل، كانوا يتكلمون بصوت مرتفع جداً.
صهيب : ماذا كانوا يقولون بالضبط؟
سهيلة : كلام قذر للغاية، لا يمكنني تكراره.
صهيب : بل عليك تكراره لانك ابلغت الشرطة عنهم واصبحت ملزمة كي تخبرينا عن كل كلمة سمعتيها.
سهيلة : سمعت مخلص يقول، انت لست خلود بل عاهر ساقطة، ساطلقك وسارجعك الى الملهى الليلي الذي التقطتك منه.
صهيب : هل سمعتيه يقول (ساطلقك)؟
سهيلة : اجل والله العظيم سمعته يقول ساطلقك.
صهيب : وماذا اجابته زوجته؟
سهيلة : قالت ساحرمك من ابنك وسوف لن تراه في حياتك. غصباً عنك وعن الذين خلفوك.
صهيب : ها، وماذا اجابها؟
سهيلة : قال، ساخذه منك رغماً عن انفك يا فاجرة.
صهيب : لو سمحتِ اريدك المجيئ الى المركز بهذا العنوان اليوم كي توقعي على اقوالك.
سهيلة : انا اخبرتك بكل ما سمعت. فلماذا اوقع على اقوالي؟
صهيب : هذه هي الاجراءات المتبعة يا سيدة سهيلة.
سهيلة : حسناً ساتي. لكنني ساتي بعد ساعة لانني مشغولة الآن.
صهيب : حسناً تعالي بعد ساعة من الآن. استودعك الله.
خرج المحقق من بيت سهيلة وعاد الى منزل خلود فرأى العريف يقلب بالبوم صور سأله،
صهيب : اين وجدت هذا الالبوم؟
العريف : كان موضوعاً على احدى الرفوف بغرفة الاستقبال. انظر سيدي كم كانت المشتبه بها والمجني عليه سعداء.
صهيب : اجل حقاً كانوا سعداء. يبدو انهم كانوا بسفرة في احدى المحافضات بهذه الصورة.
العريف : هذا في مصيف گلي علي بيك سيدي.
صهيب : اجل انت على حق.
العريف : والآن سيدي، ماذا تريد ان تفعل؟
صهيب : سنكمل البحث بالمنزل ثم نعود للمركز. وغداً سنقوم بزيارتين. الاولى الى الطب الشرعي والثانية الى كنيسة مسيحية.
العريف : اي كنيسة منهم سيدي؟
صهيب : لا على التعيين. سنقوم بزيارة واحدة منهم.
العريف : لكن غداً هو يوم الاحد سيدي، والاحد يعتبر يوم صلاتهم في الكنيسة سيدي كما هو الحال لدينا يوم الجمعة.
صهيب : إذاً سأزور الكنيسة يوم الاثنين. ولكن الآن يجب ان نعود الى المركز.
رجع المحقق صهيب الى مركز الشرطة ودخل من الباب الرئيسي ليرى العقيد مصطفى سلمان الجبوري آمر المركز مقبلاً قال،
العقيد مصطفى : اين انت يا ملازم اول، كنت ابحث عنك؟
صهيب : لقد رجعنا للتو من منزل المجني عليه وقد حققت مع جارتهم التي بلغت عن الشجار وسوف تأتي فيما بعد للتوقيع على اقوالها.
العقيد مصطفى : هذا جيد، اردت ان اخبرك بانني خصصت لك مكتباً مؤقتاً عندنا بهذا المركز. سوف تتمكن من استخدامه طالما انت بظيافتها.
صهيب : شكراً لك سيدي.
العقيد مصطفى : على العموم اريد منك تقرير مرحلي كلما جد جديد مفهوم؟ والآن اخبرني، بماذ اناديك؟ يعني ابا من انتَ؟
صهيب : انا لست ابا احداً لانني مازلت اعزباً سيدي.
العقيد مصطفى : عزيزي نتشرف بوجودك معنا.
صهيب : شكراً سيدي. اين مكتبي؟
العقيد مصطفى : انه تحت السلم هناك.
اشار بيده الى سلم يؤدي الى الطابق العلوي. فمشى المحقق صهيب وفتح باب الغرفة فتبين انها غرفة صغيرة بالكاد تستوعب منضدة واحدة فقط. نظر الى الكرسي الدوار ليجده معفراً بالغبار فنادى على العريف وطلب منه ان ينظفه تنظيفاً جيداً ويفتح الشبابيك كي يدخل الهواء النقي اليه. بعدها جلس على الكرس واخرج قلمه من جيبه وصار يدون بعض الملاحظات التي تحصل عليها بذلك اليوم. ثم نادى العريف من جديد وطلب منه ان يحضر له سبورة ويثبتها على الحائط امامه ويأتي بطباشير.
بعد يومين خرج المحقق صهيب وتوجه الى كنيسة مار جرجس بمنطقة كمب سارة. وعندما دخل الكنيسة وجدها خالية من المصلين لكنه رأى رجلاً يقوم باشعال الشموع فاقترب منه وسأله،
صهيب : السلام عليكم حضرة القسيس.
الرجل : وعليك السلام. انا لست قساً انا شماس. من حضرتك؟ وماذا تريد؟
صهيب : انا الملازم اول صهيب حديد من شرطة بغداد، اريد التحدث الى القس المسؤول هنا.
الشماس : إذاً انت تريد التحدث الى ابونا يوسف. ساناديه فوراً.
وقف صهيب بداخل الكنيسة يتفحص الجدران والايقونات وتمثال السيدة مريم العذراء حاملةً طفلها بيدها وصليب خشبي كبير مثبت على الجدار بوسط المنصة. وما هي الا دقائق وجائه رجل يرتدي الزي القدسي للقسان. اقترب منه وقال،
القس يوسف : انا القس يوسف تفضل يا ولدي. كيف استطيع خدمتك؟
صهيب : انا الملازم اول صهيب حديد أحقق بجريمة قتل واريد ان اسألك بعض الاسئلة لو سمحت.
القس يوسف : تفضل يا ولدي. اسأل كما يحلو لك؟
صهيب : اثناء التحقيق بجريمة قتل لرجل مسيحي مع سيدة مسيحية، هدد الزوج زوجته بالطلاق. ولكن بحسب علمي فالطلاق محرم لديكم. لذلك اردت ان اعرف منك سيدي إن كانت المعلومة صحيحة ام لا.
القس يوسف : يا ولدي هناك ثلاث مذاهب رئيسية بالمسيحية كما هو الحال لديكم بالاسلام. فانتم لديكم الشيعة والسنة. والسنة ينقسمون الى الحنفية والشافعية والحنبلية والمالكية. اما نحن فلدينا الكاثوليك والبروتستانت والاورثودوكس. البروتستانت يعتبرون الطلاق ممكناً إذا كان الزوجان متفقين عليه. اما الاورثودوكس فهم لا يحبذون الطلاق لكن الكنيسة لديها شروط وهي ان يتم الطلاق في حالتين الأولى هي الزنا والثانية هي تغيير الدين أو المذهب. وفي حالات أخرى مثل الهجر لمدة ٣ سنوات اذا كان الزوجان بلا أولاد، أو ٥ سنوات اذا كان لديهم أولاد. اما عندنا نحن الكاثوليك فهو شبه مستحيل. وإذا كان هناك سبب جداً مقنع للطلاق فإن قرار الطلاق يجب ان يوافق عليه البابا في روما شخصياً اي ان الابرشية تصف حالة الزواج ونفسية الزوجين وسبب الطلاق وتترك القرار للحبر الاعظم كي يقرر إن يتم الطلاق ام لا. واغلب الاحوال فانه لا يتم الموافقة على الطلاق. لاننا نقول كلام يحرم الافتراق اثناء مراسيم الزواج.
صهيب : ما هو الكلام الذي تقولونه في مراسيم الزواج؟
القس يوسف : نحن نقول (ليُقوِّ الربُّ بِلطفِهِ الموافقةَ التي أعلنتموها أمام الكنيسة، وليُتمِّمَ بِرحمتهِ بركتهَ فيكم. ما جمعه الله، لا يُفرِّقه أحد).
صهيب : طيب حضرة القس شكراً جزيلاً لك سيدي على هذه المعلومات القيمة.
القس يوسف : على الرحب والسعة يا ولدي.
خرج المحقق صهيب من الكنيسة وشعر انه تسلح بمعلومات قيمة عن الديانة المسيحية. وتذكر كلام الشاهدة عندما قالت، "سمعت مخلص يقول، انت لست خلود بل عاهر ساقطة، ساطلقك وارجعك الى الملهى الليلي الذي التقطتك منه" {إذاً عندما يهدد بالطلاق فهذا يعني انهما اما يكونان ارثودوكس او بروتستانت. لذلك يجب ان اعود الى المركز لاسأل المشتبه بها خلود عن مذهبها. انا متأكد انها ستقول انها تنتمي لاحدى المذهبين}.
دخل مكتبه ونادى على الساعي وسأله،
صهيب : اين العريف محسن؟
الساعي : خرج ليتناول وجبة الغداء سيدي.
صهيب : ابعثه الى عندي فور عودته.
الساعي : سابعثه سيدي.
امسك صهيب ملف القضية وصار يتصفحه وفجأة دخل عليه آمر المركز فادى له التحية الرسمية وقال،
صهيب : تفضل سيدي.
العقيد مصطفى : كيف تسير الامور بقضية جريمة القتل؟
صهيب : كل شيء على ما يرام. انا اجمع المعلومات ولازلت احقق بها.
العقيد مصطفى : بالحقيقة نحن لا نملك ارضية صلبة نقف عليها لاننا لم نعثر على جثة للمجني عليه. والقضية لا يمكن ان تستمر.
صهيب : ولكن لو كان الزوج مخلص على قيد الحياة فاين هو سيدي؟
العقيد مصطفى : لا اعلم. ربما لا زال في زيارة اخته باربيل كما قالت خلود بافادتها.
صهيب : لكننا لا نملك ما يؤيد ذلك. فقد تكون معلومة خاطئة سيدي.
العقيد مصطفى : اجل لكنني تلقيت اوامر من وزارة الداخلية باستعادتك باسرع وقت ممكن لان الادلة ضعيفة وهم لا يعتقدون ان هناك جريمة قد وقعت اساساً. انه مجرد خلاف عائلي وبلاغ غير مؤكد.
صهيب : كيف تقول ذلك سيدي؟ انت تعلم اننا لم نعثر لا على جثة المجني عليه ولا على اداة الجريمة. ولا زلنا ننتظر تقرير الطب الشرعي فهو لم يقول كلمته الاخيرة بعد. وهناك ايضاً مسألة الاديان.
العقيد مصطفى : ما هي مسألة الاديان؟
صهيب : علمت من الشاهدة جارتهم انها سمعت المجني عليه مخلص يقول لزوجته اثناء الشجار، انت لست خلود بل عاهر ساقطة، ساطلقك وارجعك الى الملهى الليلي الذي التقطتك منه.
العقيد مصطفى : وماذا في ذلك؟ كل الخلافات العائلية بين الزوجين تستطيع ان تسمع كلام على هذه المنوال. انه تهديد وحسب.
صهيب : سيدي، لكي يقول مخلص هذا الكلام، عليه ان ينتمي لاحد المذاهب المسيحية. وكل مذهب لديه شروط في الطلاق. وبما انني لا اعرف المذهب الذي عليه الزوجان خلود ومخلص فانا لا اعرف مدى صدق الشاهدة. لذا يجب علي ان اسأل المتهمة خلود بذلك.
العقيد مصطفى : حسناً سامنحك اسبوعاً واحداً فقط. تقوم بملئ جميع الثغرات. بعدها سنغلق القضية لان الداخلية تحتاجك.
صهيب : ارجوك سيدي امنحني شهراً واحداً.
العقيد مصطفى : سامنحك اسبوعين وهذا آخر ما عندي.
صهيب : حسناً اسبوعين. ففي غضون اسبوعين ساحاول ان اعمل على مدار الساعة.
خرج العقيد من مكتب صهيب واغلق الباب ورائه. بعدها نادى صهيب على الساعي وسأله بغضب شديد،
صهيب : الــــــــــم ينتهي العريف محسن من تناول السم والزقنبوت؟
الساعة : اجل سيدي، انه يشرب الشاي لدى الچايچي بالخارج.
صهيب : اذهب اليه واسحبه من اذنيه الآن.
خرج الساعي وهو يرتعد خوفاً وعاد ومعه العريف محسن ادخله مكتب صهيب وخرج فسمع المحقق يقول، "اغلق الباب خلفك".
فاغلق الباب. وقف محسن يرتعد امام صهيب قال،
العرف محسن : هل ناديتني سيدي؟
صهيب : هل تتطلب منك وجبة الغداء ساعتين يا حيوان؟
العرف محسن : انا آسف سيدي لكنني خرجت قبل ساعة ونصف فقط.
صهيب : من الآن فصاعداً، إذا خرجت لاي سبب تأخذ الاذن مني اولاً. ووجبة الغداء لا اسمح بها لاكثر من نصف ساعة فقط، مفهوم؟
العرف محسن : مفهوم سيدي.
استدار العريف ليخرج من الغرفة لكن صهيب ناداه وقال،
صهيب : انا لم انتهي من الحديث معك بعد. اجلب لي المشتبه بها خلود فوراً.
خرج العريف واغلق الباب خلفه. وبعد بضع دقائق دق العريف الباب على المحقق ودخل ممسكاً بذراع خلود قال،
العرف محسن : هل تريد شيئاً آخر سيدي؟
صهيب : اخرج خارج مكتبي واغلق الباب ورائك ثم اريدك ان ترابط خارج المكتب. لا تذهب هنا وهناك.
خرج العريف واغلق الباب ورائه. نظر صهيب الى خلود الواقفة امامه وقال،
صهيب : في الليلة التي سبقت اكتشافك بقعة الدم اي بيوم الخميس. هل كان زوجك مخلص معك في البيت؟
خلود : كلا، اخبرتك سابقاً استاذ ان زوجي ذهب الى اربيل لزيارة اخته هيلين قبل اربعة ايام ولم يكن قد عاد.
صهيب : وهل عاد الآن برأيك؟
خلود : لا اعلم، فانا لازلت بداخل الزنزانة سيدي. كيف لي ان اعرف إن كان رجع من رحلته ام لا؟ حتى المحامي، حاولت الاتصال به بالهاتف لكنهم اخبروني انه سافر الى الاردن.
صهيب : حسناً لدي سؤال آخر، ما هو دينك؟
خلود : انا مسيحية سيدي.
صهيب : اعلم انك مسيحية ولكن ما هو مذهبك؟
خلود : انا كاثوليكية.
صهيب : إذاً انت وزوجك كاثوليك. هل هذا صحيح؟
خلود : اجل سيدي زوجي كذلك كاثوليكي.
صهيب : وهل لديكم طلاق بالكاثوليك؟
خلود : انه يكاد يكون مستحيلاً لانه يتطلب مخاطبة البابا ثم...
قاطعها وقال،
صهيب : اجل، اجل، اعرف كل ذلك. يجب ان يوافق البابا على طلب الطلاق واغلب الاحيان لا يوافق.
خلود : ولماذا تسألني إذاً سيادة المحقق؟
صهيب : لان هناك شهود سمعوكِ وانت تتشاجرين مع زوجك وسمعوه يهددك بالطلاق.
خلود : هذا كلام فارغ. زوجي عمره لم يهددني بالطلاق. متى حصل ذلك؟
صهيب : يوم الخميس اي الليلة التي سبقت اكتشافك لبقعة الدم.
خلود : سيدي من اخبرك بذلك كان يكذب لان زوجي ذهب الى اربيل لزيارة اخته هيلين قبل اربعة ايام اي يوم الثلاثاء ويصادف ذلك يوماً واحداً قبل اكتشافي لبقعة الدم فكيف سمعه الشاهد يهددني بالطلاق؟ ومن هو الذي قال انه هددني؟
صهيب : انها جارتك سهيلة.
خلود : ربما تقصد سهيلة حسن عبد الجبار؟ انها بالكاد تعرفني ولا تأتي عندنا ابداً فكيف سمعت زوجي يهددني بالطلاق؟
صهيب : على العموم ساتأكد من شهادتها ولكنك تنكرين اي شيء من هذا القبيل اليس كذلك؟
خلود : اجل طبعاً انكره. كيف سمعتنا نتشاجر عندما كان زوجي غائباً؟ هل اتحدث مع نفسي واهدد نفسي بالطلاق؟ ايعقل ذلك؟
صهيب : حسناً ساقوم باستجوابها مرة ثانية.
خلود : اريد ان احذرك سيدي، فهذه المرأة شريرة وسوف تلفق لك قصص ثانية لان نساء الحي جميعهن يعرفونها ويتعاملون معها بحذر. انهم يسمونها الافعى المرقطة.
صرخ المحقق وقال، "يا محسن، تعال وارجع الموقوفة". دخل العريف محسن وامسك بذراع خلود واقتادها الى خارج مكتب صهيب واغلق الباب ورائه.
بدأ المحقق صهيب يراجع كل ما دار بينه وبين خلود وما دار بينه وبين القس يوسف وحديثه مع جارة خلود سهيلة. وبدأ يحاول ان يحل الاحجية التي وضعت بطريقه وصار يقول، {قالت سهيلة انها سمعت مخلص يهدد زوجته بالطلاق. قالت خلود انها هي وزوجها على مذهب الكاثوليك. قال القس ان الكاثوليك لا يطلقون ابداً. فهناك حلقة مفقودة وهناك شخص ما يكذب. احد هؤلاء الثلاثة يكذب، اما القس او خلود او جارتها سهيلة. يا ترى اين اجد الحل؟}. امسك بحاسوبه المتنقل من نوع لينوڤو وفتحه ليدخل على الشبكة العنكبوتي. بدأ يستفسر عن اساليب الطلاق لدى المذاهب المسيحية الثلاثة حتى تأكد ان كلام القس كان لا يقبل الشك وان الكاثوليك لا يطلقون. بعدها علم ان خلود سوف لن تنكر مذهبها. {ولماذا تفعل ذلك؟ إذاً فإنها كاثوليك ولن يفكر زوجها ابداً بالطلاق. بقيت الجارة التي اسمها سهيلة حسن وهذا يشير الى انها مسلمة ولا تفهم بقوانين الاديان والمذاهب المسيحية الثلاثة لذلك ذكرت الطلاق. ربما كان ذلك من تأليفها وبذلك ظللتني واقتادتني بعيداً عن الحقيقة. يجب ان استدعيها لاحقق معها من جديد}. نظر الى ساعته فوجدها تشير الى السادسة مساءاً. اغلق الحاسوب وحمله ليعود به الى بيته. وباليوم التالي دخل صهيب مكتبه ونادى باعلى صوته، "يا محسن تعال"
دخل العريف وادى التحية الرسمية وقال،
العريف محسن : نعم سيدي.
صهيب : عفاك يا محسن لقد كنت على اتم استعداد اليوم.
العريف محسن : انا احاول ان اكون عند حسن ضدك سيدي.
صهيب : حسن ظنك وليس حسن ضدك يا متخلف.
العريف محسن : انا آسف سيدي.
صهيب : اجلب لي السيدة سهيلة جارة خلود. اتعرف اين تسكن؟
العريف محسن : اجل سيدي. ولكن هل القي القبض عليها؟
صهيب : كلا، فقط اخبرها اننا نريد استكمال التحقيق معها.
خرج العريف فرجع صهيب يقلب الملف ويحاول ان يسترجع جميع الاقوال لكل الذين قابلهم في السابق وبعد ما يقرب من ساعة ونصف دخل العريف ومعه السيدة سهيلة حسن. اشار لها صهيب بالجلوس على الكرسي الذي امام منضدته فجلست. سألها،
صهيب : سيدة سهيلة قلت في اقوالك انك سمعت شجاراً يدور بين جارتك خلود وزوجها مخلص، هل هذا صحيح؟
سهيلة : اجل سيدي.
صهيب : وكذلك سمعت اثناء الشجار ان زوجها مخلص قال، "انت لست خلود بل عاهر ساقطة، ساطلقك وارجعك الى الملهى الليلي الذي التقطتك منه" هل هذا صحيح؟
سهيلة : اجل سيدي.
صهيب : لماذا تكذبين؟
سهيلة : انا... انا... انا لا اكذب سيدي. انا سمعته يقول ذلك باذني.
صهيب : هل سمعتيه يقول ساطلقك وارجعك الى الملهى.
سهيلة : اجل سيدي.
صهيب : ما هو دينهم؟
سهيلة : دين من سيدي؟
صهيب : دين مخلص وخلود.
سهيلة : هم... هم... اعتقد انهم مسيح سيدي.
صهيب : وما هو مذهبهم؟
سهيلة : وهل لديهم مذاهب مثلنا سيدي؟
صهيب : اجل لديهم مذاهب مثلنا.
سهيلة : ربما مذهبهم شيعي إذاً سيدي.
هنا اصيب صهيب بغضب شديد وصرخ باعلى صوته،
صهيب : شيعي يا كذّابة؟ زوج وزوجته على الدين المسيحي ومذهبهم شيـــــــعي؟ لماذا تكذبين يا امرأة؟ ماذا كنت ستجنين من تأليف كذبة مثل تلك؟
سهيلة : انا لم اكذب سيدي. ربـ، ربما لم اسمع كلمة (ساطلقك) لكنني سمعت شجاراً بينهما.
صهيب : هل تعلمين ان مخلص كان غائباً منذ بضعة ايام باليوم الذي قلت انك سمعتيهما يتشاجران؟
علمت سهيلة ان كذبتها قد انفضحت بافادتها وانها ستنال عقاباً كبيرة لذلك التزمت الصمت وخفضت رأسها للارض.
صهيب : إذا تأكدت من ان لديك هدف من تظليلي باقوالك تلك فانا ساضعك بالحبس.
ارادت ان تفتح فمها لكن الخوف كان يتملكها واختارت ان لا تزيد الطين بلة فقررت السكوت لتسمع صهيب يقول،
صهيب : سوف لن يطول امد التحقيق طويلاً حتى اعرف هدفكِ من هذه الكذبة.
نادى على مساعده العريف وقال،
صهيب : اخرج مسيلمة الكذاب هذا يا محسن.
العريف محسن : هل اودعها التوقيف سيدي؟
صهيب : كلا، اتركها وشأنها.
بدأت القضية تزداد تعقيداً. صار صهيب يحاول ان يجد زوايا وثغرات اخرى ينفذ منها لحل القضية فالوقت يداهمه والعقيد مصطفى يقف له بالمرصاد بسبب منحه وقتاً قصيراً جداً كي يحل اللغز والا فانه سوف يلغي التحقيق ويغلق ملف القضية برمته.
<< بعد مرور اسبوعين <<
وبعد اسبوعين من استجواب سهيلة جارة خلود طرق بابه رئيس المخفر العقيد مصطفى ودخل عليه وهو يقول،
العقيد مصطفى : اليوم وصلنا بلاغ من احدى دوريات شرطة النجدة تؤكد انهم عثروا على سيارة مخلص مقلوبة على ظهرها بمكان نائي بين قرية الحجاج والبوجواري.
صهيب : هل هي بشمال تكريت سيدي؟
العقيد مصطفى : اجل.
صهيب : هل قام الفريق الفني برفع البصمات؟
العقيد مصطفى : انهم هناك الآن، يقال ان السيارة التهمتها النيران بعد ان انقلبت ولم يبقى بداخلها سوى جثة مخلص متفحمة.
صهيب : هل عثروا على هويته؟
العقيد مصطفى : كلا، لم يتمكنوا من العثور على هويته ولا على علاماته الفارقة لان جميع معالمه اصبحت رماد. لكننا نعتقد انها للمجني عليه مخلص بدون شك والا لماذا اختفى عن شاشة الرادار فجأة. خصوصاً وان اخته هيلين اكدت لنا حين اتصلنا بها هاتفياً بانه لم يأتي اليها باربيل.
صهيب : ساذهب الآن فوراً لاعاين السيارة سيدي.
هل حقاً قتلت خلود زوجها؟ هل سيجد المحقق صهيب اي دليل يتعرف به على جثة مخلص؟هذا ما سنعرفه في الجزء الثاني من القصة.

596 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع