قصائد استعمال واحد

الدكتور محمد تقي جون

قصائد استعمال واحد

أصبح هاجس الخلود لا يراود الشعراء، ولم يعد لشياطين الشعر أو الالهام أو الموهبة أي تأثير في سلائقهم التي سُلقت كالبيض. انهم صاحون جدا، لا يمرون بغيبوبة ابداع واحدة طوال حياتهم، ولكن يسرحون طويلا في غيبوبات فوائد وعوائد يأتي بها الشعر أو النثر.
هراء وعواء ما تلقيه المنصات على الجمهور المتثائب حدّ التغميض. وكلام مكرور، وافكار نفسها تدور، وصراخ يغطي المستور كما يغطي جيف الموتى الكافور. ووصلنا الصفر في أول العد، ولم نغادره بعد، هذا ما كان ينقص الشعراء والشعر. كلام يلاك كما يلاك الأكل الماصخ. كأنهم قوابل يقبلون نساء عواقر.. قال وهو يفكر ولا يتكلم حتى خرجت من فمه جملة دون أن يدري (الجيدون قلائل.. ثلة من الأولين وثلة من المتأخرين وكفى).
كان الشاعر الجاهلي مطرباً يطشّ على الجمهور الشعر دفعة واحدة وليس ابياتاً يظل يلملمها الجمهور ويلصقها ليفهمها كما تُجمّع الورقة المقطّعة، وكانت القصيدة تتوالد وتتطور الى الخاتمة، وتلعب بالجمهور لعبا فلا ينقطع عن لذتها لحظة واحدة، ويظل الشاعر يُجيع ويُعطش له الجمهور، والجمهور يمور ويفور حتى تنتهي القصيدة، فيتوقف وقفة فجائية تفقده السيطرة كركاب سيارة تقف فجأة، وقلوبهم كراقصة تهزّ منغمسة مع الموسيقى، ويطفئون الموسيقى فجأة فتفز. هكذا كتب الشاعر الجاهلي الشعر؛ كان يُنجب القصيدة وليس يكتب، فتعيش وتخلد. وكان المتنبي يقول: أعطيهم الخلود ويعطوني دنانير فانية.
واذا تراجع الفحول وفن القول بعد الجاهليين فالأغلب الاعم كان يُخرج القصيدة من داخله، يقطعها من كبده، ويعجنها بتامور القلب، وبعد أن تستوي قصيدة ينفخ فيها من روحه، فتخرج خلقا آخر له روح وجسد. فما لجيلنا وارثا كليلا بل قتيلا شعريا. وهل خروجه من لعبة الحضارة وتخليه للمحتلين أفلسه الادب الى هذا الحد.
لقد صارت القصيدة لديه باردة وبليدة، لا تأكلها الاسماع والاذواق الا وهي حارة خرجت توا كصمون الجيش، أو هي مقبولة مرة واحدة فقط، فاذا قرأتها مرة ثانية مجّتها الاسماع والاذواق مجَّا كالمَرق يُسخّن مرة واحدة ثم يُرمى بعدها. فهي تموت حال ولادتها أو بعد ذلك بقليل، كما قال نزار (ان الحروفَ تموتُ حين تُقال).
لقد رصد ابن سيّا حالة (القصيدة لمرة واحدة) أو (القصيدة استعمال واحد) حالها حال الصواني والمواعين والأقداح البلاستيكية (استعمال واحد).
وبعد هذا الاكتشاف الجاف، كتب شعرا يصف هذا الاسفاف:
ما عُدتَ للإبداع واجِدْ
لكن على الإبداع واجدْ

ذهبَ الفحولُ وخلّفوا
شعراً به تُنعى القصائدْ

لا تنتظر من شاعرٍ
شعراً على الأيام خالدْ

اسم القصيدة أبدلت
بـ(صِگِيطة) بعد الفرائدْ

ألقى القصيدة.. كان بعضٌُ نائماً، والبعضُ شاردْ

قالوا له: أحسنتَ، لكن من جديدٍ لا تعاودْ

ما عاد يكتب (خالداتٍ) إنما (استعمال واحد)

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1117 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع