
د يسر الغريسي حجازي
دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس الاجتماعي
مستشارة نفسية ومدربة نظامية
13.08.2026
الانفصال الأيديولوجي وفقدان الذاكرة
"إن فقدان الذات والإرهاق ينبعان من عدم السيطرة والاستسلام، في مواجهة مشاعر عدم القيمة التي يشعر بها الانسان. ويؤدي هذا الانقطاع العاطفي إلى العزلة الاجتماعية، والانفصال عن المجتمع."
لماذا هناك الكثير من اللامبالاة في عالمنا اليوم؟ هل هو نتيجة أزمة التماسك الاجتماعي؟ لماذا يلاحظ قلة المشاعر بين الناس؟ إذا لاحظنا كل يوم الطريقة التي يتراكم بها الناس في المحطات وكأنهم غائبون عن العالم الحالي. لدي انطباع بأنهم جميعًا يتصرفون ميكانيكيًا، ودون أي رد فعل. إنهم لا ينظرون إلى بعضهم البعض. اللامبالاة هي الملاحظة المرئية للتخدير العميق، على غرار فقدان الإحساس بالواقع والذات والحرية الفردية. ويبدو أن الجمهور وافق على التهرب من الحياة الحقيقية، حتى لا يتورط عاطفياً مع الناس ومسار التاريخ.
فهل يمكن أن تكون هذه آليات للحماية من فقدان ضبط النفس، أو نتيجة للإرهاق الأخلاقي الجماعي؟
الاغتراب ينتج اللامبالاة: يجد الفرد نفسه معزولاً عن مشاعره ومشاعر الآخرين. وأمام هذا الانهيار شبه الكامل للروابط الاجتماعية، أقنعني المشهد اليومي في محطة القطار بأن انفصال الناس ينبع من الاستسلام في مواجهة ما لا يستطيعون السيطرة عليه. خلال هذا الغياب العاطفي، ربما يحاول العقل البشري حماية نفسه من التوتر والقلق.
آليات الدفاع هذه هي عمليات نفسية تلقائية وغير واعية. فهي تحمي الروح من أي صراع داخلي يتعلق بالحقائق التي يصعب قبولها. وأخيرا، دعونا نتذكر أن الاغتراب هو مفهوم مركزي في مفهوم علم الاجتماع الذي طوره كارل ماركس، الفيلسوف والاقتصادي في القرن التاسع عشر لتحليل ديناميكيات المجتمعات الرأسمالية.
يشير مفهوم الاغتراب في اللغة اللاتينية إلى فكرة "الغريب"، وإلى العملية التي يصبح بها الفرد غريبًا عن نفسه، أو عن الآخرين، أو عن العالم من حوله. في النهج الاجتماعي والاقتصادي لكارل ماركس، يُحرم الفرد من وعيه تحت تأثير الضغوط الهيكلية الخارجية، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو تكنولوجية.
وقد ترسخت هذه الظاهرة في النظام الرأسمالي. ومن خلال تدفقها المتواصل للسلع، حولت هذه الأخيرة المجتمع إلى مجتمع استهلاكي حيث يشتري الأفراد بدون تفكير وبطريقة عشوائية، بعد أن أصبحوا معتمدين بشكل قهري سلعًا لا يحتاجون إليها بالضرورة.
ثم جاء الازدهار التكنولوجي، مدفوعًا بخوارزمياته وذكائه الاصطناعي.
ويبدو الآن أن الفرد معفي من التفكير، حيث يتم الحصول على المعلومات على الفور حتى لو تبين في بعض الأحيان أنها غير دقيقة. قد تظن أن كيانًا غير مرئي يفكر نيابة عنا ويملي علينا ما نحتاجه. فالهواتف الذكية، على سبيل المثال، جعلت الشباب مدمنين بشدة على الرقمنة التي تغير انتباههم وتعطل علاقتهم بالوقت. ومن خلال تقليل قدرة الفرد على التركيز والتفكير، أصبحت شاشات اللمس تؤثر الآن على جميع الأجيال. كما أصبح هذا الإدمان الرقمي يولد تأثيرات معرفية عميقة، مثل "فقدان الذاكرة الرقمية": لم يعد دماغنا يحتفظ بالبيانات اليومية، مثل أرقام الهواتف أو العناوين. مع العلم أن الدماغ تعود يعتمد على الإنترنت، وذلك بنقرة واحدة.
أصبحت الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية الآن، جزءًا لا يتجزأ من حياتنا. ترافقنا وسائل التواصل الاجتماعي طوال اليوم، سواء أثناء فترات الراحة في العمل، أو في وسائل النقل العام، أو في غرف الانتظار، أو حتى أثناء الاحتفالات.
يتم تغذية هذا الإدمان من خلال التمرير الذي لا نهاية له والخوارزميات التنبؤية، والإشعارات المتقطعة التي تجعل المستخدمين ينظرون إلى شاشاتهم طوال الوقت. وهكذا أصبح الأفراد أسرى لوسائل التواصل الاجتماعي: فمشاركة التعليقات والبحث عن الإعجابات تحفز إنتاج الدوبامين، الناقل العصبي للمتعة والمكافأة. علاوة على ذلك، فإن إطالة هذه الاتصالات في وقت متأخر من الليل يعطل النوم، حيث أن الضوء الأزرق الصادر من الشاشات يؤخر إفراز الميلاتونين مما يسبب التوتر.
ويضاف إلى ذلك الروتين المميت والتكييف اليومي الذي يحبس الأفراد في الديناميكية الشهيرة المتمثلة في "القطار والعمل والنوم". إن هذه الالتزامات النظامية تخنق الإنسان، وتحرمه من استقلاليته، وتجرده من نفسه. والنتيجة هي فقدان المعنى، وانهيار القيم الوجودية، والتراجع النقدي عن التأمل. ومنذ ذلك الحين، أصبح من الضروري أن يقود كل شخص تأملاته الخاصة من أجل فك الرموز ورفض هذه التكييفات الجماعية التي تجرد حياتنا اليومية من إنسانيتها.

555 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع