
بقلم الدكتور هاني الحديثي
استشرافات مستقبلية من واقع الأزمة في الحرب الأمريكية -الإيرانية
الحرب الأمريكية -الإيرانية ليست معزولة عما يحدث في جغرافية العالم السياسية بل هي متفاعلة معها منتجة لها ومتصلة بتداعياتها .لذلك فان معطيات الحرب وتداعياتها تفرز لنا قواعد عامة قابلة للاجتهاد والتفصيل .
بدءا لابد من الإشارة ان الإدارات الامريكية ليست بعيدة عما جرى في ايران من ازاحة شاه ايران و المجىء بالخميني ونظامه (الإسلاموي)، بل ان مقدمات التغيير كانت واضحة منذ حرب اكتوبر بين العرب و اسرائيل 1973 م في ظل متغيرات دولية انذاك واستخدام العراق و السعودية للنفط سلاحا في المعركة في معاقبة الدول الغربية التي دعمت إسرائيل دعت برزنسكي مستشار الامن القومي الامريكي و كيسنجر وزير الخارجية ومستشار الامن القومي في ادارة نكسن يدعوان لاحتلال منابع النفط في المنطقة العربية ، وإقامة نظام ديني في ايران يستطيع ان يتصدى للدعوات القومية في العالم العربي حينذاك و يواجه المد السوفياتي نحو المياه الدافئة وذلك انطلاقا من الموقع الجيوبولتيكي المركزي لايران والمتفاعل مع رغبة الشعوب الإيرانية بالتخلص من سلطة الشاه (القمعية ) في ايران ،وهو ماحدث فعلا حين تخلت الإدارة الأمريكية عن حليفها الاستراتيجي وعمودها الأقوى المتمرد عليها محمد رضا بهلوي شاه ايران اثر مساعي تقربه من الاتحاد السوفيتي وتوقيعه اتفاقية الجزائر مع العراق عام 1975 خلافا لرغبة واشنطن و تل ابيب ، لتشارك عمليا في اسقاط نظامه والذي قال قولته المأثورة في مذكراته قبل وفاته (لقد رموني كما يرمى الفأر الاجرب ).
تاسيسا على ماتقدم فان معطيات الحرب الحالية في الخليج العربي بين الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من جهة ، و ايران (المدعومة ) من الصين وروسيا من جانب ثاني تشير إلى ركائز اساسية منها :
اولا : إن متابعة لتناقضات ترامب تظهر أنه تورط في أزمة مع ايران لايدري كيف تنتهي خارج نطاق الكذب و الاضطراب الإعلامي حتى وصل الأمر به للزعم بانه سيعلن قريبا اعتبار مضيق هرمز جزءا من الأراضي الأمريكية في تصريح لافت يتناقض كليا مع واقع حال المضيق المسيطر عليه فعليا من قبل ايران .
لقد شهدت ادارته للازمة فشلا متتاليا في التحول من اسقاط النظام الايراني وتدمير قدراته العسكرية إلى مساعي فتح مضيق هرمز الامر الذي يعبر عن غياب استراتيجية واضحة له في دخوله الحرب منذ ستة اشهر إلى جانب إسرائيل مع ايران دون قدرة على الحسم ، الأمر الذي يثير الاستفهامات عن حقيقة اندفاعه لتحقيق رغبة إسرائيل في تدمير القدرات النووية لايران دون استراتيجية حقيقية لما بعد الضربة الاولى .
ثانيا : الرئيس الروسي بوتين من جانبه اتجاه الحرب مع أوكرانيا يبدو ايضا متورطا في ازمة معقدة دون تلمس طريق للحسم بعد ان نجحت كييف في استهداف منشات الطاقة الروسية في العمق الروسي بشكل متتالي تركت تأثيراتها على توفر الوقود للعديد من مناطق روسيا الاتحادية ، لذا فانه بالإعلان بداية الأمر عن عملية عسكرية محدودة التي حاول فيها احتلال كييف او تطويقها معتقدا ان الشعب الاوكراني سيشاركه في اسقاط نظام زيلنسكي لم يكن موفقا حين تحول لاحقا رغم قدرات الجيش الروسي ورغم تباين القدرات العسكرية للتركيز على مقدمات استراتيجية شرق وجنوب أوكرانيا وليدخل بعدها حرب استنزاف متبادلة اثبت فيها الشعب الاوكراني بسالة قومية في الدفاع عن الوطن رغم الاختلاف مع منهج النظام الذي يقوده زيلنسكي ليعطي درسا آخر من دروس الحرب في كون تباين القدرات العسكرية ليس وحده من يحسم الحروب .
قضية الحرب الروسية -الاوكرانية صارت جزء من لعبة العلاقات الأمريكية -الإيرانية حيث يسعى ترامب لاعتماد مبدأ تبادل المنافع مع بوتين في تبني المواقف اتجاه حدثي الحرب في مضيق هرمز والخليج العربي من جهة و الحرب الروسية في أوكرانيا من جهة ثانية ، في الوقت الذي يسعى بوتين لتركيع بلدان أوروبا التي وجدت نفسها متورطة في ازمة اقتصادية كبرى بسبب حربي أوكرانيا من جهة و حروب الطاقة في الخليج العربي ومضيق هرمز من الجانب الاخر، الامر الذي يترك تداعيات سلبية على مجمل المنظومة الأوروبية وفاعليتها دوليا .
نتنياهو من جانبه يقفز من خندق إلى خندق تفاديا للفشل .فبين بيروت و الضفة الغربية وغزة جبهات تفتح لفرض امر واقع تسعى اسرائيل تأكيده والثبات عليه في مواجهة المتغيرات العاصفة في الشرق الأوسط وعموم المشرق العربي لتبقى هي القوة الاقليمية الكبرى المهيمنة على اعادة رسم خارطة الشرق الاوسط كما تراه وتؤدلج له ، في الوقت الذي تسعى ايران لتوظيف اذرعها في بلدان المشرق العربي لفرض نفسها كقوة اقليمية كبرى لها نفوذها على عموم بلدان المشرق العربي لتحقق بذلك مشروعها الاقليمي متخادمة مع المشروع الاقليمي لاسرائيل في مساعي تقاسم النفوذ على مجمل المحيط العربي ،
ومن هنا تاتي ازمة الخليج العربي ومساعي ايران لخلط الأوراق عبر استهداف مجمل المحيط العربي بشكل مباشر او من خلال اذرعها الملشياوية في مساعي ارغام الإدارة الأمريكية على القبول بشروطها في تحقيق تسوية سياسية شاملة ..
تاسيسا على ماتقدم تبرز مساعي اعادة تشكيل الشرق الأوسط في اكثر من واجهة كما يحصل الان في تحالف مكة المعلن بين المملكة العربية السعودية وكل من باكستان وتركيا مع احتمالات توسع التحالف ليضم مصر والأردن وسوريا ليبرز السؤال :هل تتجه منطقة الشرق الأوسط نحو تحالفات وتكتلات اقليمية غير المشاريع المطروحة من قبل كل من اسرائيل و ايران ؟؟؟.
ارى ان مدى النجاح الذي يمكن ان يحققه التحالف الثلاثي لبلدان العالم الاسلامي في الشرق الاوسط (حلف مكة )المنفتح على دول اخرى يمكن ان يشكل انعطافة جيوبولتيكية مهمة جدا في انتاج منظومة اقليمية متوازنة العلاقات بين الشرق والغرب لطبيعة العلاقات الاستراتيجية التي تربط البلدان الثلاث مع كل من الولايات المتحدة والغرب من جهة والصين وروسيا من جهة اخرى الامر الذي سيترك تأثيراته ايجابا في مواجهة التهديدات الاقليمية التي تشكلها كل من ايران واسرائيل دون إغفال دور الهند ذات العلاقات المتوترة تقليدا مع الباكستان .
عليه فان منطقة الشرق الأوسط تمر في حالة متغيرة في خرائط التحالفات الاقليمية تستعيد عبرها فاعليتها في التأثير على مناطق الأزمات العالمية لطبيعة الاعتبارات الاقتصادية والتجارية حيث تتمركز ممرات التجارة والطاقة العالمية المتحكمة بسلاسل التوريد العالمية والعودة الى سردية التحالفات الاقليمية لاعتبارات الطاقة والامن .
ان الإعلانات المتكررة لأوكرانيا في استهداف السفن التي تحمل الأسلحة لايران في البحر الأسود وممراته القادمة من روسيا الاتحادية ، وتصاعد الموقف المهدد لامن الطاقة في الخليج العربي الناتج عن الارتباك في القرارات والسياسات المتناقضة للإدارة الأمريكية ، والتنسيق الأوروبي مع المملكة السعودية في تحقيق تنسيق امني لحماية سلاسل التوريد في مضيق باب المندب والبحر الأحمر ، والتأثر الحاد لاقتصاديات الصين وروسيا مما يجري فضلا عن الهند ، يجعل منطقة الشرق الأوسط وما تشهده من مخاطر وتهديدات أمام خارطة جيوسياسية جديدة لاتخضع لارادة طرف واحد كما ترغب ايران او اسرائيل ،انما هي خارطة جيو-سياسية جديدة تشارك فيها قوى اقليمية ودولية متعددة خارج نطاق رغبات الهيمنة لأطراف فاعلة اقليمية او دولية تساعد في مواجهة احتمالات التغيير في طبيعة الفواعل الاقليمية المؤثرة في مشاهد المستقبل .

2839 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع