مَلَكْ محمد .. كروان الصباح العراقي في الزمن الجميل

الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

 مَلَكْ محمد.. كروان الصباح العراقي في الزمن الجميل

مَلَكْ محمد(1902-1983) مغنية ومُلحّنة مصرية، اسمها الحقيقي (زينب محمد الجندي) وقد اختار لها اسمها الفني (محمد حسني) والد الفنانتين سعاد حسني ونجاة الصغيرة. لُقبت مَلَكْ محمد (مطربة العواطف)، وشاءت الأقدار أن يكون لها بصماتها على أجيال العراقيين الذين عاصروها في الزمن الجميل وأجيال تالية.

ولدت مَلَكْ محمد في حي (الجماليّة) الشعبي في القاهرة، وهذا الحي يتمتع بشهرة تاريخية وعالمية واسعة، ففيه الأزهر الشريف وأسوار القاهرة، وبواباتها، والمدارس الأيوبية والمملوكية، وخان الخليلي.

اشتهرت المطربة (مَلَكْ محمد) بلقب (مطربة العواطف) لكونها تمتلك صوتاً يمتاز بغلالة من الأسى والشجن. بدأت الغناء طفلة وهي في عمر العاشرة، وتدرّبت على يد الموسيقار (محمد القصبجي) وأجادت العود والتلحين. عملت في تقديم فقرات في الأفراح، وكانت تُقلّد منيرة المهدية، وكان أمير الشعراء أحمد شوقي من أشد المعجبين بفنها، وقد غنّت بعض قصائده.


بدأت مَلَكْ محمد الغناء باحتراف في سنة 1925 ونجحت ولُقبت (مطربة العواطف)،
ثم انضمت كمطربة وممثلة إلى فرقة أمين صدقي، ثم عادت إلى تختها لتغني الطقاطيق بكازينو البوسفور. ثم استأجرت قطعة أرض كانت مملوكة للأميرة شويكار زوجة الأمير أحمد فؤاد ابن الخديوي إسماعيل، وأقامت عليها مسرحاً، أطلـقت عليه (مسرح أوبرا مَلَكْ)؛ افتتحته سنة 1941 وظلت تعمل فيه.


شاركت في العديد من الفرق المسرحية، ثم أسست فرقة مسرحية خاصة بها للغناء والتمثيل المسرحي عام 1930، وكانت تقدم أعمالها على مسرح البوسفور بالقاهرة وشاركت في فيلم واحد فقط عام 1939 وهو فيلم (العودة الى الريف).

في العام 1941، افتتحت مسرحا خاصا بها‘ أسمته (مسرح أوبرا مَلَكْ) وأنتجت فيه أوبريت (عروس النيل)، وظلت تعمل في هذا المسرح حتى العام 1952.


تعرضت (مَلَكْ محمد) لانتكاسة كبيرة عام 1952 على أثر حريق القاهرة الشهير يوم 26/1/1952 عشيّة قيام الثورة المصريّة عام 1952، وقد دمَّر ذلك الحريق مئات الفنادق ودور السينما والمحال التجارية، وشمل الحريق (مسرح أوبرا مَلَكْ) الذي اسسته (مَلَكْ محمد) بعد رحلة كفاح مريرة، ففقدت كل شيء وأصابها إحباط شديد، واحترق الأثاث والديكور والنوت الموسيقية للعروض الغنائية والصور التذكارية. كما احترق فلمها الوحيد ومجموعة من الآلات الموسيقية التي قُدمت لها كهدايا من كبار الرؤساء والشخصيات عندما كانت في قمة المجد والشهرة.


كروان الصباح العراقي:

الصباح فاتحة النهار بعد انجلاء ظلام الليل، يستقبله الناس بالتفاؤل مرددين رسالة الصباح (صباح الخير). وكان للصباح حضورا خاصا في الزمن الجميل، كما كان لليل خصوصيته.

كما كان لأغاني الصباح حضورها الخاص في الإذاعات العربية في الزمن الجميل، ومن أشهر تلك الأغاني: يا صباح الخير لأم كلثوم، طلعت يا محلا نورها شمس الشموسة لفيروز، نور الصباح محلاه لنازك، الصباح النادي لأحمد صدقي.

لقد كانت إذاعة بغداد تتوقف عن البث بعد منتصف الليل، ومع تباشير الصباح الأولى تبدأ ببث صفير البلبل قبيل بدء البث الرسمي. فمنذ أن تأسست إذاعة بغداد في شهر تموز عام 1936 دأب راديو بغداد على أن يسبق بثه الإذاعي في الساعة السادسة صباحا بسماع صوت تغريد بلبل الاذاعة لمدة خمس دقائق ثم بتلاوة مباركة من آيات الذكر الحكيم ثم تبدأ البرامج الاذاعية الاخرى. وكان صوت البلبل يستهوي الناس ويبعث في نفوسهم الامل والتفاؤل في بداية يوم جديد مشرق، وكان الكثير يظن أنه صوت بلبل حقيقي.

https://www.tiktok.com/@waleedhaboosh/video/7264649111096331526

أغنية (صباح الخير يا لولة):
لقد كانت أغنية (صباح الخير يا لولة) تتربع على عرش أغاني الصباح في الزمن الجميل، وعاشت في وجدان أغلب العراقيين لعقود طويلة، وبعثت في نفوسهم المُعذَّبة دائما وأبدا آفاق الأمل وبهجة الحياة في صباحات حزينة. فاحبوها وتفاعلوا معها بحميمية إنسانية، وامتلكت بكلماتها المحدودة المؤثرة كل عناصر النجاح، لأنها كانت في منتهى الصدق والبساطة والشجن، وكانت تخاطب بعفوية مشاعر الساعين للوقوف على أبواب كرم الله تعالى في الصباحات الباكرة.

هذه الاغنية تخاطب كل سيدة باسم (لولة) كاسم دلع، وهو اسم علم مؤنث إسباني (LOLA)، ولأن الأغنية مميزة في كل شيء؛ فأنها كانت مُحببة من الجميع، مميّزة ومُعبِّرة وتفتح أبواب الأمل لسامعها بتميّز الصوت وكبريائه؛ وبمعنى الكلمات التي تتبارك باسم الله تعالى وتستذكر الخير.

لقد كانت أغنية (صباح الخير يا لولة) هي أغنية الصباح الأولى للعراقيين يترنمون معها ويحفظونها ويتفاءلون بها، وهي أغنية أصبحت لازمة في أيامهم ولابد أن يتفتح صباحهم على سماعها.

لقد غنت هذه الأغنية الفنانة المصرية السيدة (مَلَكْ محمد)، فظلَّ صوتها ولحن الأغنية وكلماتها هائمة في عوالم الخلود، على الرغم من غيابها التام على الأثير، إذ إن الإذاعات ما عادت تتعامل مع أغنيات الصباح الجميلة وصارت تفاجئ الناس بأصوات الصخب وأغاني الاسفاف وايقاعاتها المبتذلة التي أضحت أشبه بالفقاعات.

غنتها (مَلَكْ محمد) لعشاق بغداد ودجلتها الخالد وهي ترتدي فساتين عيدها لعاصمتنا الجميلة العابقة بنسمات الصباح الساحرة. غنتها بإبداع وبأداء مميز وبصوت ينقل المستمع إلى أجواء صباحية مفعمة بالتفاؤل، وبكلمات متدفقة نابضة صيغت بطريقة فريدة معبأة بسحر المفردة وجاذبية اللحن وحلاوة الصوت.

الباشا نوري سعيد ومَلَكْ محمد:
تعرّف رئيس الوزراء (نوري سعيد) على السيّدة مَلَكْ عندما كان يتردّد على (مصر) قبل ثورة 23 يوليو، وكان من المعجبين بها كثيرا.

وبعد احتراق مسرحها (أوبرا مَلَكْ) تعاطف الباشا معها كثيرا، وقام بزيارة لمصر خصيصاً لها وعمل على استقدامها من مصر على نفقة الدولة وخصص لها مكاننا لائقا وراتبا شهريا وبقيت بضعة سنوات في بغداد، فاستعادت معنوياتها وخرجت من عزلتها وقدّمت للإذاعة العراقيّة أربعة أغاني جميلة جديدة، كان أهل بغداد يردّدونها، وهي (أنا في انتظارك يا ورد) و (يا حلوة الوعدِ ما نسّاكِ ميعادي) و (زين زين) و (صباح الخير يا لولة)، وهي من ألحانها وأدائها.

لقد كانت أغنية (صباح الخير يا لولة) الهدية الأجمل التي قدمتها (مَلَكْ محمد) لبغداد تعبيرا عن حبها وبرّها ووفائها لهذه المدينة التي احتضنتها في محنتها، وظلت هذه الأغنية تتربع على موقع الصدارة في أغاني الصباح في إذاعة بغداد وباقي الإذاعات العربية. وكان الناس يستمتعون بهذه الأغنية في كل صباح، وبمعانيها وأدائها المتدفق النابض بأسمى المعاني.

لقد كانت الفنانة (مَلَكْ محمد) تعشق العراق بجنون حتى ظن المستمع العراقي لأغانيها أنها عراقية لتقارب لهجتها مع الناس. وقد عادت إلى مصر وأعادت تكوين فرقتها عام 1957 واستمرت في نشاطها الفني.

توفيت (مَلَكْ محمد) سنة 1983 عن عمر يتجاوز الثمانين، وبقيت أغنيتها (صباح الخير يا لولة) في ضمائر من سمعها أيقونة أغاني الصباح وتعيش في ضمائر مستمعيها.

أيا قاصدين باب الله .. على الله كل متعسِّرْ
ومن يقصد جناب الله .. يعيش العمر مُتيسِّرْ
ولا ينضـام يـا (لولا) .. ولا يتـلام يـا (لـولا)
******
بحمدك ساحت الـدجلـة .. تـروىِّ أرضنـا السـودة
وتسقى الخوخ والباجلة .. في روحتها وفي العودة
وتسـقى الـورد يـا (لولا) .. وأنتِ الـورد يـا (لولا)
******
يا عزُّه من يبات قـانعْ .. من الرحمن يتطلَّبْ
يا ذُلّه من يبات طامعْ .. على الجنبين يتقلبْ
على الجنبين يا (لولا) .. ولا يرتـاح يا (لولا)
******
على بغداد يا قاسمة .. على بغداد يا رقية
على بغداد يا بسمة .. على بغداد يا مايّة
على بغداد يا (لولا) .. على بغداد يا (لولا)

https://www.facebook.com/watch/?v=1004867983019906

 

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

585 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع