
بقلم إبراهيم المحجوب
حين يصبح الحب وطنا… وحين يصبح الفقد منفى
قراءة في رواية ((ذاكرة الجسد)) للسيدة احلام مستغانمي...
حين قرأت هذا المقطع من رواية «ذاكرة الجسد» للكاتبة أحلام مستغانمي، توقفت طويلا عند ذلك التشبيه البليغ بين الحب والوطن، وبين الجسور التي تعبر فوق الوديان وبين المشاعر التي تعبر فوق جراح الإنسان. فالمقطع، رغم قصره، يحمل مساحة واسعة من الحنين والخذلان
والذاكرة، ويضعنا أمام سؤال كبير: هل يمكن للإنسان أن يحب امرأة كما يحب وطنا؟ وهل يمكن أن يكون الفراق عن إنسان بحجم الرحيل عن وطن؟
تقول الكاتبة على لسان الراوي: «حبك كان كقسنطينة، يشهق بي نحو السماء، ويهوي بي إلى الهاوية». وهنا لا تعود قسنطينة مجرد مدينة، ولا يعود الحب مجرد علاقة بين رجل وامرأة؛ إنهما يتحولان إلى عالم واحد، فيه المرتفعات والمنحدرات، الفرح والانكسار، الأمل والخوف.
وقسنطينة، المدينة المعلقة فوق صخورها وجسورها، تبدو في هذا النص صورة مثالية للحب نفسه. الجسر في ظاهره وسيلة للعبور، لكنه في المعنى الأعمق قد يكون أيضا مكانا للوداع والسقوط. ومن هنا تأتي المفارقة الجميلة في النص؛ فما يمنحنا القدرة على الوصول قد يمنحنا أيضا القدرة على الرحيل، وما يفتح أمامنا أبواب الأمل قد يفتح أمامنا، في لحظة أخرى، أبواب الخيبة.
والأجمل في هذا المقطع أن الحب لم يُقدَّم بوصفه حالة عاطفية عابرة، وإنما بوصفه وطنا.
وحين يقول الراوي: «حين أحببتك، أحببت وطنا كاملا بكل خياناته»، فإن المعنى يتجاوز المرأة إلى الوطن نفسه. فالإنسان لا يحب وطنه لأنه كامل، ولا لأنه يخلو من الأخطاء والخيبات، وإنما يحبه لأنه جزء من ذاكرته وطفولته وأيامه الأولى. قد يغضب الإنسان من وطنه، وقد يلومه، وقد يبتعد عنه، لكنه لا يستطيع أن يقتلع الوطن من داخله.
وهكذا يصبح الحبيب وطنا صغيرا يسكن القلب، كما يصبح الوطن حبيبا كبيرا يسكن الذاكرة.
لكنني، وأنا أقرأ هذه الكلمات، وجدت نفسي أنتقل من قسنطينة إلى مدينة أخرى، ومن جسور الرواية إلى بيوت عشت فيها سنوات من العمر؛ إلى الموصل، مدينتي التي لا أستطيع أن أصف علاقتي بها بأنها مجرد علاقة بمكان.
فالوطن ليس حجارة وجدرانا وأبوابا فقط؛ الوطن هو الذاكرة التي تسكن تلك الحجارة، والضحكات التي بقي صداها في زوايا البيوت، وخطوات الذين أحببناهم وهم يعبرون ممراتها، ورائحة الصباح التي اعتدنا عليها، ووجوه الجيران والأصدقاء، وأيام الطفولة والشباب التي لا يمكن استعادتها مهما طال بنا العمر.
وعندما رحلنا، وهُجّرنا من منازلنا في مدينة الموصل عام 2014، لم نشعر يومها أننا تركنا بيتا فحسب؛ شعرنا أننا تركنا خلفنا شيئا يسكن قلوبنا.
تركنا الجدران التي احتضنت أعمارنا، والأبواب التي كانت تعرف طرقاتنا، والنوافذ التي كنا نطل منها على العالم. تركنا صورا وذكريات وأشياء صغيرة ربما لا تساوي شيئا في نظر الآخرين، لكنها بالنسبة لنا كانت تختصر أعمارا كاملة.
لم نكن نريد الرحيل، ولم يكن البيت قد ضاق بنا، ولم تكن قلوبنا قد تعبت منه، لكن الظروف كانت أقوى منا، فقادتنا قسرا إلى طريق لم نختره، وأجبرتنا الأيام على أن نترك خلفنا جزءا من أرواحنا.
وقد ذكرت في روايتي «طريق الهلاك والقبور المفقودة» هذه الأحداث بكل تفاصيلها ومفرداتها، وما حملته تلك الأيام من خوف وتهجير وفقد، محاولة أن أحفظ في صفحات الرواية شيئا من ذاكرة مدينة عاشت محنة قاسية، وأن أترك للتاريخ شهادة عن أناس اضطروا إلى الرحيل، لكنهم حملوا أوطانهم في قلوبهم أينما ذهبوا.
فبعض الحكايات لا تكتبها الأقلام من الخيال، وإنما تكتبها الذاكرة بعد أن تنزف كثيرا.
خرجنا بأجسادنا، لكن شيئا منا بقي هناك.
بقيت أرواحنا معلقة على جدران البيوت، في الأزقة، عند الأبواب، وفي الأماكن التي كنا نظن أننا سنعود إليها بعد أيام أو أسابيع. كنا نحمل مفتاح البيت في أيدينا، وكأننا نحمل وعدا بالعودة، لكن الأيام كانت أثقل من الأمنيات، والسنوات مضت، وبقي المفتاح يحمل في داخله حكاية بيت لم يعد كما كان.
وما أصعب أن يعود الإنسان إلى المكان الذي كان يسميه وطنا، فيكتشف أن المكان ما زال موجودا، لكن الزمن الذي عاشه فيه لم يعد موجودا.
هناك بيوت يمكن أن تُرمم، وجدران يمكن أن تُبنى من جديد، وأبواب يمكن استبدالها، لكن السنوات التي سكنت تلك البيوت لا يمكن إعادة بنائها.
لهذا فهمت أكثر معنى أن يكون الحب وطنا.
فالوطن يشبه الإنسان الذي نحبه؛ حين نبتعد عنه نكتشف أن المسافة لا تقتل الحنين، بل تزيده. وكلما حاولنا أن ننسى، جاءت صورة قديمة أو رائحة مكان أو كلمة عابرة لتعيد إلينا كل شيء.
لقد عرفنا في تلك السنوات أن للتهجير معنى آخر للفقد؛ أن تفقد بيتك وأنت حي، وأن تترك خلفك مدينة تعرف كل تفاصيلك، ثم تمضي بعيدا عنها وأنت لا تعرف متى ستعود.
وما بين قسنطينة في ذاكرة أحلام مستغانمي والموصل في ذاكرتي، وجدت أن المدن مهما اختلفت أسماؤها، تتشابه حين تصبح جزءا من القلب.
هناك مدن نعيش فيها، وهناك مدن تعيش فينا.
والموصل بالنسبة لي ليست مدينة أسكنها فقط، بل ذاكرة عمر كامل. لذلك عندما اضطررنا إلى مغادرتها، لم تكن المسافة بيننا وبينها مجرد طرق وقرى ومدن، بل كانت مسافة بين حياة كاملة وحياة أخرى فُرضت علينا.
ولعل أقسى ما في الغربة ليس أن تبتعد عن المكان، وإنما أن تخاف أن تعود إليه فلا تجده كما تركته.
تتغير الشوارع، تكبر البيوت، يرحل الناس، تسقط أبواب، وتختفي وجوه، ويبقى الإنسان واقفا أمام ذاكرته يبحث عن شيء يعرفه.
وحينها يدرك أن الوطن الحقيقي ليس المكان وحده، بل الزمن الذي عاشه الإنسان في ذلك المكان.
لهذا كان قول أحلام مستغانمي: «حين خسرتك، لم أخسر امرأة... بل خسرت وطنا» قريبا جدا من تجربة كل من أجبرته الظروف على ترك بيته ومدينته.
فقد نخسر امرأة، أو رجلا، أو بيتا، أو مدينة، لكن الخسارة الحقيقية هي أن نخسر الجزء من أرواحنا الذي تركناه معهم.
وقد يعود الإنسان إلى بيته بعد سنوات، لكنه لا يعود إلى نفسه القديمة.
فهو يقف أمام الباب نفسه، لكنه ليس الشخص نفسه الذي خرج منه ذات يوم.
وهذه هي المفارقة الحزينة في الحياة: نحن نعود أحيانا إلى الأماكن التي اشتقنا إليها، لكننا لا نستطيع أن نعيد الأيام التي اشتقنا إليها.
رحلنا من بيوتنا في الموصل، لكن الموصل لم ترحل منا.
بقيت في الذاكرة، في الكلام، في الحنين، في كل قصة نرويها، وفي كل لحظة صمت نستعيد فيها وجوها وأياما وأماكن لم تعد موجودة بالطريقة التي عرفناها.
وربما لهذا السبب يظل الإنسان يبحث طوال حياته عن جسر يعيده إلى ما فقده، مع أنه يعرف في أعماقه أن بعض الجسور لا تعيدنا إلى الأمس، وإنما تجعلنا نطل عليه من بعيد.
فالبيت قد يُترك، والمدينة قد تُهجر، والحبيب قد يرحل، لكن الأشياء التي سكنت القلب لا تعرف طريقا إلى الرحيل.
إنها تبقى هناك، تحت ركام الأيام، مثل شمعة صغيرة لا تنطفئ مهما طال الليل...

606 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع