مطاردة الوهم في القاعة المظلمة

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
21 إب 2026

مطاردة الوهم في القاعة المظلمة

مثل صيني يقول ( يصعب إلقاء القبض على قطة سوداء في قاعة مظلمة خاصة عندما لن تكون القطه هناك )

١. المثل يحمل مفارقة فلسفية عميقة: قد ينشغل الإنسان بحل مشكلة، أو محاربة خصم، أو مطاردة خطر، بينما تكون المشكلة الحقيقية أنه افترض وجود الشيء من الأساس دون دليل. في جوهرها ليست عن «قطة» فقط، بل عن الوهم، وصناعة الأهداف، وسوء تقدير الواقع، وإهدار القوة في معركة غير موجودة. ويمكن أن تصبح فكرة فلسفية تصلح للسياسة والعسكر والإدارة وحتى الحياة.

القاعة المظلمة ترمز إلى غياب الرؤية والمعرفة، والقطة السوداء إلى هدف يصعب التحقق منه، أما البحث عنها دون التأكد من وجودها فهو صورة للإنسان الذي يبني قراراته على الظن والإشاعة والتخمين.

٢. الفكرة الأعمق هي أن أخطر الأخطاء ليست دائماً في طريقة مواجهة المشكلة، بل في الاعتقاد بوجود المشكلة من الأساس.
فالقاعة المظلمة تمثل نقص المعلومات، والقطة السوداء تمثل الهدف غير الواضح، والبحث عنها يمثل القرار والعمل، أما المفارقة الكبرى فهي أن القطة قد لا تكون موجودة أصلاً.

٣. الدلالات :
ا. سياسياً: قد تُشن معارك ضد خصم تتخيله افتراضيا ، أو تُتخذ قرارات بناءً على تهديدات لم تثبت حقيقتها.
ب. عسكرياً: لا يكفي تحديد الهدف؛ يجب أولاً التأكد من وجوده وموقعه وطبيعته، وإلا تحولت القوة إلى جهد مهدور.
ج. إدارياً: أخطر الأخطاء أن نعالج أعراضاً لمشكلة غير موجودة، بدلاً من البحث عن أصل الخلل.
د. فكرياً: ليس كل ما نسمعه حقيقة، وليس كل ما نخشاه موجوداً.
ه. إنسانياً: أحياناً يستهلك الإنسان عمره في مطاردة شيء لم يكن موجوداً إلا في خياله.

٤. مستويات الدلالة:
أ. وهم وجود الهدف : قد تصنع المؤسسات هدفاً ثم تبدأ في البحث عنه، بدلاً من أن تبحث أولاً هل هذا الهدف موجود فعلاً وهل يمثل تهديداً حقيقياً.

ب.خطورة المعلومات الناقصة : في الظلام يمكن لأي صوت أن يبدو كأنه حركة القطة. وهكذا تتحول الشائعة إلى معلومة، والمعلومة الناقصة إلى تقدير، والتقدير الخاطئ إلى قرار، ثم يصبح القرار واقعاً يدفع الناس ثمنه.

ج. القوة لا تعوض غياب المعرفة : يمكن أن تمتلك دولة أو مؤسسة أو جيش ذو قوة كبيرة، لكن استخدام القوة في المكان الخطأ لا يحقق النتيجة.القوة بلا معلومات قد تزيد حجم الخطأ بدلاً من أن تعالجه.

د.صناعة العدو الوهمي : من أخطر الظواهر أن يتحول الظن إلى عدو، ثم يتحول العدو الوهمي إلى مبرر دائم للتعبئة والصراع واستنزاف الموارد.

ه. الإدارة التي تبحث عن المخطئ قبل أن تعرف الخطأ : أحياناً تبدأ بالبحث عن شخص لتحميله المسؤولية، قبل أن تتأكد من طبيعة المشكلة. وهنا تصبح المؤسسة مشغولة بسؤال ( من الذي فعل ) بدلاً من السؤال الأهم ( ماذا ولماذا حدث ).

و. السياسة حين تتحول الفرضية إلى حقيقة: تكون أخطر القرارات هي التي تبنى على افتراضات لم تُختبر. فالدولة قد تدخل صراعاً لأنها اعتقدت أن خصمها سيقوم بفعل معين، ثم تتصرف على أساس هذا الاحتمال، فيتحول الاحتمال نفسه إلى سبب للصراع.

ز. في الفكر العسكري : القائد الناجح لا يسأل فقط كيف أتعامل مع الهدف..بل يجب أن يسأل قبل ذلك ( نوع الهدف أين هو ما قيمته ) وهل يستحق استخدام القوة ضده..أسئله تجيب عليها الاستخبارات وتقدير الموقف .باعتبارها نقطة جوهرية في الاستخبارات والاستطلاع ونظام القيادة والسيطرة ( القرار الجيد يبدأ من صورة صحيحة للواقع، وليس من الرغبة في تنفيذ قرار سبق اتخاذه ).

٥. المفارقة الفلسفية : هناك فرق كبير بين ( لم نجد القطة و
لا توجد قطة ) الأولى تعني أن البحث قد يكون ناقصاً، أما الثانية فتحتاج إلى دليل.وهنا تكمن مشكلة الإنسان: أحياناً لأنه لم يجد الدليل على وجود الشيء، لا يستنتج أنه غير موجود، بل يستمر في البحث عنه، وقد يقضي وقتاً طويلاً في البحث. والأخطر من ذلك أن يأتي آخرون بعده ويقولون ( لقد بحثنا طويلاً، إذن لا بد أن القطة موجودة ) فتتحول مدة البحث إلى دليل زائف على وجود الشئ.

٦. فلسفة الوهم السياسي والإداري وانعكاسها على العراق: قد تبدو العبارة للوهلة الأولى ساخرة، لكنها تحمل معنى فلسفياً عميقاً يتجاوز القطة والقاعة والظلام؛ فهي تتحدث عن أخطر أنواع الخطأ ( أن تبحث طويلاً عن شيء لم تتحقق أولاً من وجوده ).
ا. القاعة المظلمة : هي غياب الرؤية .
ب. القطة السوداء : هي الهدف غير الواضح .
ج. البحث : هو القرار والعمل .
د. المفارقة الكبرى : احتمال أن تكون القاعة خالية.

٧. المشكلة الحقيقية تبدء من ماجاء اعلاه : الانسان قد يخطئ في تقدير الهدف، ثم يخطئ في اختيار الوسيلة، ثم يضاعف القوة والجهد لمعالجة خطأ لم يكن موجوداً من الأساس. ومع مرور الوقت، يتحول طول البحث إلى قناعة بأن القطة لا بد أن تكون موجودة؛ لأننا بذلنا جهداً كبيراً في البحث عنها.

٨. العراق… عندما يصبح الغموض جزءاً من المشكلة: يمكن إسقاط هذه الفكرة على الحالة العراقية من دون القول إن كل مشكلات العراق وهم؛ فالعراق يواجه مشكلات حقيقية وموثقة، من ضعف الحوكمة والفساد إلى ضعف بعض الخدمات والاقتصاد الريعي وتحديات المؤسسات. وتشير تقارير دولية حديثة إلى استمرار هذه التحديات وتأثيرها في أداء الدولة.
لكن السؤال الأهم هو:
هل نبحث دائماً عن المشكلة الحقيقية، أم نطارد أحياناً نتائجها وأعراضها ونترك أصلها في الظلام..قد يكون الخلل :
ا.في المؤسسة، فنبحث عن موظف.
ب. في النظام، فنبحث عن شخص نحمّله المسؤولية.
ج. في ضعف الرقابة، فننشئ لجنة جديدة.
د. في غياب القرار، فنصدر قراراً آخر.
ه. في التشريع يتوقف البعض باعتبار الدستور مقدس .
و.في بنية الإدارة نفسها، فنغير الأشخاص من دون تغيير طريقة العمل.

٩. تستمر الحركة، ولكن لا يحدث التغيير : وهذه هي فلسفة ( القطة السوداء ) الانشغال بالحركة لا يعني أننا نسير نحو الهدف الصحيح.أخطر القضايا ليس دائماً ما يظهر أمامنا :
ا. في السياسة يمكن أن تتحول الفرضية إلى حقيقة بمجرد تكرارها.
ب. في الإدارة قد تتحول الشائعة إلى تقرير.
ج. في الأمن قد يتحول الاحتمال إلى تهديد.
د. في الاقتصاد قد يتحول الخوف إلى قرار.
ه. في المجتمع قد يتحول الاتهام إلى حقيقة في أذهان الناس قبل أن تثبته الأدلة.

١٠. عندما تصبح الفرضية أساساً للقرار، فإننا لا نعود نبحث عن الحقيقة؛ بل نبحث عما يؤكد الفرضية التي آمنا بها مسبقاً.وهنا يصبح الظلام أخطر من القطة:
أ. القوة لا تعوّض غياب الرؤية.
ب. الدلالة مهمة خاصة في الفكر العسكري.
ج. القائد لا يبدأ بسؤال: كيف أتعامل بل ( معلومات واهمية الهدف وهل استخدام القوة يحقق الغاية) لأن :
أولاً.القوة بلا معلومات قد تجعل الخطأ أكبر.
ثانياً. القوة الكبيرة لا تجعل الهدف الوهمي حقيقياً.
ثالثا. القرار القوي لا يصبح صحيحاً لمجرد أنه صدر بقوة.
رابعاً. الاستطلاع والاستخبارات والتحليل والتقدير ليست مراحل تكميلية للقرار، بل هي التي تمنع القيادة من مطاردة قطة غير موجودة.

١١. في العراق: هل نحتاج إلى تغيير الأشخاص أم طريقة التفكير:
المشكلة لم تكون دائماً في الأشخاص وحدهم، وإن كان الاختيار مشكلة بحد ذاته؛ وإنما في النظام الذي يسمح بتكرار الخطأ حتى بعد تغيير الأشخاص مثلاً :
ا. تغير الوزير ولم تتغير طريقة الإدارة، فقد تبقى المشكلة.
ب. تغير المدير ولم تتغير آليات الرقابة، فقد تبقى المشكلة.
ج. تغير الحكومة ولم تتغير قواعد توزيع الموارد والمساءلة، فقد تستمر المشكلة.
د. أن ضعف الحوكمة والفساد يؤثران في قطاعات أساسية في العراق، وأن ضعف المؤسسات وسيادة القانون والشفافية والمساءلة يحد من قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات بكفاءة.
ه.السؤال ليس دائماً: من المسؤول بل ينبغي أن يسبقه:
( ما هو الخلل .. ولماذا يتكرر .. وما النظام الذي يسمح له بالتكرار ) يجب تخطي مطاردة الأعراض إلى معالجة الجذور..

١٢. العراق لا يحتاج إلى :
أ. قرارات كثيرة، وإنما إلى قرارات صحيحة مبنية على تشخيص صحيح.
ب. مكافحة الفساد، وإنما إلى تجفيف البيئة التي تسمح للفساد بالنمو.
ج. تغيير المسؤولين، وإنما إلى بناء مؤسسات تجعل النجاح نتيجة للنظام، لا لشخص المسؤول.
د. زيادة الإنفاق، وإنما إلى معرفة أين يذهب المال وما الذي ينتجه.
ه. الحديث عن الإصلاح، وإنما إلى تحويل الإصلاح إلى أهداف قابلة للقياس والمساءلة.
و . الاصلاح الحقيقي يبدأ من إضاءة القاعة.بعدها نعرف ( هل هناك قطة ، أين هي ) ثم القرار ( هل تستحق المطاردة، وبأي وسيلة ) ومن يتحمل مسؤولية الفشل إن لم نصل إليها.

ز. الدرس الأكبر : ليس المشكلة في أن نخطئ في العثور على القطة؛ فهذا يمكن تصحيحه.المشكلة أن نرفض احتمال عدم وجودها.عندها يتحول الوهم إلى مشروع، والمشروع إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى إنفاق، والإنفاق إلى مصالح، ثم تصبح هناك قوى مستفيدة من استمرار البحث.وهنا يصبح اكتشاف الحقيقة أصعب؛ لأن بعض الناس لم يعد يبحث عن القطة، بل أصبح يعيش من عملية البحث عنها.

١٣.الخلاصة النصيحة :
ا.قبل أن تبدأ مطاردة القطة، أشعل الضوء أولاً، وتأكد أنها موجودة أصلاً.فالعقل الحكيم لا يقيس نجاحه بعدد الأشياء التي طاردها، بل بقدرته على التمييز بين الخطر الحقيقي والوهم، وبين الحقيقة والظن، وبين الهدف الموجود والهدف الذي صنعته المخيلة.فالقرار الصحيح يبدأ بسؤال بسيط: هل القطة موجودة فعلاً.

ب. لا تدخل معركة قبل أن تعرف من هو خصمك، وأين هو، وهل هو موجود أصلاً، وما قيمة المعركة معه.أشعل الضوء قبل أن تستخدم القوة،وتحقق من الحقيقة قبل أن تبني عليها قراراً،
واختبر الفرضية قبل أن تحولها إلى سياسة،واسأل دائماً ( هل أنا أواجه مشكلة حقيقية، أم أطارد قطة سوداء في قاعة مظلمة ) فربما يكون أعظم انتصار ليس في العثور على القطة، وإنما في اكتشاف أن القاعة كانت خالية منذ البداية.

١٤. العبرة من ( القطة السوداء في القاعة المظلمة ) أن أخطر الأخطاء ليس الفشل في الوصول إلى الهدف، بل في مطاردة هدف لم نتأكد من وجوده أصلاً. وهذا ينطبق على العراق حين ننشغل أحياناً بتغيير الأشخاص أو معالجة الأعراض، بينما تبقى جذور الخلل في الإدارة والمؤسسات والرقابة وصناعة القرار.
النصيحة تقول ( قبل أن نطارد المشكلة، علينا أن نُضيء القاعة؛ أي نكشف الحقيقة، ونحدد الخلل، ونتأكد من وجوده وحجمه، ثم نختار الوسيلة المناسبة لمعالجته ) فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الهرولة في الظلام، بل إلى شجاعة إشعال الضوء؛ لأن وضوح الحقيقة هو أول خطوة في طريق الإصلاح ).

١٥. السؤال الاهم : هل ان اجراءات رئيس الوزراء القائد العام السيد الزيدي هي التفتيش في قاعة مظلمة ام يشعل النور من اول خطوة : المعطيات المتاحة حتى الآن تشير إلى أن النور بدأ يشتعل من بعض الجهات، لكنه لم يضيء القاعة كلها بعد.
فقد انتقل الزيدي من مستوى التوجيه العام إلى إجراءات أكثر تحديداً ( حصر السلاح بيد الدولة، فك ارتباط بعض الفصائل بالأطر السياسية والحزبية، تشكيل لجان لوضع آليات التنفيذ، والتأكيد على محاسبة من يخل بالأمن والاستقرار )..كما صدرت توجيهات بمنع استخدام الأراضي والأجواء العراقية للاعتداء على دول الجوار، ورفع الجاهزية والتنسيق بين الأجهزة الأمنية.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ هنا:إضاءة القاعة لا تعني إصدار الأوامر، وإنما معرفة أين توجد القطة، ثم القدرة على الإمساك بها.بمعنى آخر، هناك فرق بين:
ا. التوجيه السياسي: حصر السلاح بيد الدولة.
ب.القرار الإداري: تشكيل اللجان ووضع الآليات.
ج. القرار الأمني: تحديد من يملك السلاح وأين يوجد وكيف يتحرك.
د. القرار العملياتي: من يأمر ومن ينفذ ومن يحاسب عند المخالفة.
ه. النتيجة: أن يصبح السلاح والقرار الأمني فعلاً تحت سلطة الدولة.
والاجتماع الأمني الموسع في 6 آب الذي شاركت فيه رئاسة أركان الجيش ومكافحة الإرهاب والحشد وقادة العمليات والشرطة، يمثل محاولة لتحويل توجيهات القائد العام إلى منظومة تنفيذ ومتابعة. لذلك يكون السؤال بصيغة أدق: هل أضاء الزيدي القاعة من أول خطوة.. القول لقد أشعل المصباح، لكنه لم يثبت بعد أن القاعة أُضيئت بالكامل.
والمرحلة المقبلة هي التي ستكشف ذلك؛ فإذا تحولت القرارات إلى سلسلة قيادة واضحة، ومعلومات دقيقة، وأوامر نافذة، ومحاسبة بلا استثناء، عندها يمكن القول إن القائد العام لا يطارد وهماً في الظلام، بل يعمل داخل قاعة مضاءة يعرف فيها الهدف ومكانه وطريق الوصول إليه.
أما إذا بقيت الإجراءات في دائرة اللجان والتوجيهات والتفاهمات، فستبقى مشكلة العراق أقرب إلى المثل ( يصعب إلقاء القبض على قطة سوداء في قاعة مظلمة، خصوصاً عندما لا تكون القطة هناك ).
وهنا يصبح السؤال الأخطر ( هل المشكلة في الظلام، أم في أن الدولة لم تحدد بعد أين توجد “القطة” ومن يمثلها فعلاً ) ..

١٦. وأخيراً اختم القول : القطة السوداء ليس بالضرورة هي الخطر الحقيقي؛ فقد يكون الخطر في القاعة نفسها، حين يسودها الظلام والانقسام. أما إذا أُضيئت القاعة بالتآخي والوئام، فلن تعود قوة المحتل هي القضية، بل قدرة الشعب على توحيد إرادته. فالمحتل، مهما بلغت قوته، يبقى أضعف من شعبٍ أدرك أن وحدته سلاحه الأول، وأن سيادة الوطن لا تُستعاد بالانقسام، وإنما بإرادة وطنية واحدة. لا ننتصر على الخارج بتعدد خنادقنا في الداخل، بل بإطفاء أسباب الفرقة وإشعال نور الوحدة. فعندما يتآخى الشعب، تضيق مساحة التدخل الخارجي، وعندما تتوحد إرادته يصبح أقوى من أي قوة تحاول فرض إرادتها عليه…عاش العراق واحداً موحداً.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

814 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع