
الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

محمود يونس العُبيدي .. مدرب الرؤساء
محمود يونس خلف زيدان العنّاز العُبيدي (1901-1983) شخصية عراقية لم تُسلّط عليها الأضواء على الرغم من تكريمه من قبل جميع رؤساء جمهورية العراق الذين عاصروه، كما يعرفه عدد من الرؤساء العرب الذين درسوا في العراق.
نتحدث اليوم عن جندي مجهول كان له باع كبير في عالم الرياضة العراقية ويعرفه جيدا كل من درَس في الكلية العسكرية منذ تأسيها ولغاية نهاية سبعينيات القرن الماضي.
محمود يونس العُبيدي شخصية فذّة كادت أن تتناساه عجلة الزمن لولا أن تداركه بعض الإخوة الأصلاء وتعاونوا معنا من أجل إخراج هذه المقالة إلى النور والتي تتضمن معلومات نادرة غير موجودة في المصادر والإنترنت. ولا يسعني بهذه المناسبة إلا وأن أتقدم بوافر الشكر والتقدير للأستاذ الفاضل المؤرخ أزهر العبيدي والأستاذ جاسم العبيدي والأستاذ نبيل الشاهين وحفيد محمود يونس الأستاذ إحسان محمد محمود يونس العبيدي.

محمود يونس العُبيدي شخصية رياضية متميزة بامتياز، ورائدة في مجال الألعاب السويدية ومن مؤسسيها في العراق. تدرَّب على يديه شخصيات قيادية في العراق والعالم العربي والعديد من رؤساء الدول، وتم تكريمه في حياته من قبل رؤساء العراق.
من تلاميذ محمود يونس العُبيدي رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم (1914-1963)، والرئيس العراقي عبد السلام محمد عارف (1921-1966)، والرئيس العراقي عبد الرحمن محمد عارف (1916- 2007)، والرئيس العراقي أحمد حسن البكر (1914- 1982).
ومن تلاميذ محمود يونس العُبيدي أيضا من الرؤساء العرب، منهم الرئيس الليبي معمَّر القذافي (1942-2011) والرئيس اليمني علي عبد الله صالح (1942- 2017) والرئيس السوداني عمر البشير، من مواليد 1944.
مولده وسيرته:
ولد محمود يونس العُبيدي سنه 1901 في منطقة النبي يونس في الساحل الأيسر من الموصل وتعلَّم في مدارسها، ثم تطوّع في الجيش العراقي الباسل بصفة نائب ضابط عام 1924 على ملاك الكلية العسكرية الأولى، حيث كانت تسمى آنذاك (المدرسة المَلَكية)، وكان من المؤسسين لها، وتخصص في مجال التدريب البدني.
بقى في (المدرسة المَلَكية) حتى العام 1948 وبعدها أحيل إلى التقاعد. ونظرا للحاجة إلى خدماته فقد رجع إلى (المدرسة المَلَكية) بعقد دائم، واستمر في عمله في تدريب طلبة الكلية العسكرية، وكان محط إعجاب الجميع وتقديرهم وثنائهم لما يتمتع به من كفاءة عالية وحرص شديد على مصلحتهم.
بقى محمود يونس العُبيدي في الكلية العسكرية بعد تغيير نظام الحكم في العراق من الملكي إلى الجمهوري عام 1958، وكان حينها الزعيم عبد الكريم قاسم رئيسا للوزراء؛ وهو أحد تلاميذه، وتم تكريمه أكثر من مرة من قبل الزعيم.
بعد الإطاحة بالزعيم عبد الكريم قاسم جاء إلى سدة الحكم عبد السلام عارف الذي كان أيضا أحد تلاميذه، وقام الرئيس عبد السلام عارف بتكريمه.
ثم جاء الرئيس عبد الرحمن عارف فقام بتكريم محمود يونس العُبيدي أكثر من مرة كونه من الضباط الذين تخرجوا من الكلية العسكرية وتتلمذوا على يديه.
وجاء بعد عبد الرحمن عارف الرئيس أحمد حسن البكر، وكان أيضا أحد تلامذة محمود يونس العُبيدي ويكن له تقديرا كبيرا.
وفي تلك الفترة أصيب محمود يونس العُبيدي بحالة مَرَضية في العمود الفقري، فأراد أن يستقيل، فرفض الرئيس البكر وقام بإرساله إلى بلغاريا وجيكوسلوفاكيا وتركيا لغرض العلاج من أجل استمراريته في العمل في الكلية العسكرية. وتم تكريمه أكثر من مرة من قبل الرئيس أحمد حسن البكر.
وهكذا استمر محمود يونس العُبيدي في العمل الدؤوب بنشاط قلَّ نظيره لما يزيد عن النصف قرن، وبقي شامخا بنظر الجميع مهما تغير الجالسون على كراسي الحكم.
وبعد سنة 1982 داهمه مرض شديد حيث أصيب باحتشاء عضلة القلب مما تسبب بوفاته في مستشفى الرشيد العسكري في بغداد سنه 1983، ودفن في النجف الأشرف بجوار ولده الشهيد (محمد شاكر) حسب وصيته.
قالوا عنه:
لقد ذكره الأستاذ الفاضل المؤرخ أزهر العبيدي؛ وهو من خريجي الكلية العسكرية؛ قائلا: "جميع دورات الكلية العسكرية لحد الدورة 65 يعرفون من هو محمود يونس العُبيدي، حيث كان ذو قابلية بدنية عالية في اللعب على الحصان الخشبي والعُقلة، وهو من مؤسسي اللوح السويدي في العراق حيث تم تكريمه بوضع تمثال خالص له من النحاس تم عمله بإيطاليا ونصبه بالكلية العسكرية الاولى مصنع الأبطال بالرستمية".
يضيف المؤرخ أزهر العبيدي قائلا: "يُعد محمود يونس العُبيدي من رياضيي الموصل الأصلاء، لكن خدمته في الكلية العسكرية غيّبته عن المدينة، حيث لم نكن نعرف من أي مدينة هو لتحريم الحديث في هذه المواضيع في ذلك الوقت، وكان مثال الرياضي النشيط الرشيق وهو في الستينيات من عمره؛ لا يكل ولا يتعب كأنه عود منتصب يؤدي الحركات الرياضية بكل رشاقة وقوة وكأنه رياضي أجنبي شاب. وكان في الجو البارد مثل الثلج وأيدينا تتفطر وتخرج منها الدماء وهو يصيح بنا موبخاً ومشجعاً (أقوى شباب من شمع عسل). وقد نال لسمو خلقه وجديته على رضا ومحبة كل من تدرب على أيديه من الرؤساء والزعماء والضباط".
وذكره الأستاذ الفاضل نبيل الشاهين، وهو من خريجي الكلية العسكرية، قائلا: "معلمنا محمود يونس العُبيدي كان عمله مُعلم في جناح الألعاب في الكلية العسكرية ولا أعتقد وجود ضابط من الذين دخلوا الكلية العسكرية قبل عام 1970 لا يعرف من هو محمود يونس: ابتداء من رئيس أركان الجيش نزولا إلى أصغر طالب. لقد كان هذا الرجل يسلب عقولنا وهو بعمر أكثر من 65 سنة يقف على المتوازي الخاص بألعاب الجمناستك ويلعب التمارين الخاصة بالجهاز، ومن يستخدم هذا الجهاز يعرف مقدار القابلية البدنية العالية التي يحتاجها لإنجاز هكذا تمارين وهو في ذلك العمر.. للعلم الكلية العسكرية نصبت له تمثال أمام جناح الألعاب وفي حياته وهو يعمل في الجناح".
ويصفه الأستاذ نبيل الجليلي بقوله: "كنا نعجب برشاقة جسمه وبأدائه التمارين السويدية عندما كان يُدربنا عام 1971 في الكلية العسكرية في تمارين اللوح السويدي وكان عمره آنذاك 70 عاما ويؤدي التمارين بشكل دقيق ورشيق".
ويقول الأستاذ رسمي صبيح سعد الطائي: "الحمد لله إني وجدتُ من يكتب بصدق وحماس عن (الجندي المجهول) لأن جميع الألواح السويدية عندما تُعرض في مهرجانات الكلية العسكرية كانت روعة في التنظيم، وهي لوحات فنية راقية يقف وراءها محمود يونس العُبيدي (أبو شاكر)، وهي من إعداده وتدريبه. وكان هذا الرجل صاحب أخلاق عالية وهو يتعامل مع طلاب الكلية وبمرور تعاقب الدورات، وقد تعامل برقي لأنه يُدرك أنه يعدُّ رجالا وقادة" .
عائلته:
لمحمود يونس العبيدي ستة أولاد وأربع بنات فاضلات:
- الشهيد النقيب (محمد شاكر) محمود يونس.
- العميد إبراهيم محمود يونس.
- الأستاذ أحمد محمود يونس.
- الأستاذ محمد محمود يونس.
- المدرب الرياضي عبد الجليل محمود يونس.
- الموظف في الخطوط الجوية العراقية خليل محمود يونس.
ولمحمود يونس العبيدي العديد من الأحفاد، منهم:
- العميد الركن إحسان محمد محمود يونس.
- المقدم محمود إبراهيم محمود يونس.
- الشهيد الملازم أول غسان محمد محمود يونس.
مواقف مشهودة:
من المواقف المشهودة التي مرَّت بحياة محمود يونس العُبيدي أن وزير الدفاع الكويتي زاره وطلب أن يأخذه معه بعقد دائمي ومعه عائلته إلى الكلية العسكرية في الكويت عام 1976، لكن محمود يونس رفض العرض المغري وآثر أن يبقى في العراق حتى آخر لحظة في حياته. وقد بلغ هذا الخبر أسماع الرئيس العراقي في ذلك الوقت أحمد حسن البكر، فتم تكريم محمود يونس وتم عمل تمثال له مصنوع من النحاس تم عمله بإيطاليا ووُضع في الكلية العسكرية الأولى أمام جناح الألعاب.
أما في الموصل، وكالعادة دائما، فلم يذكر أحد هذا النموذج الرائع ولم يستدعى أي مسؤول أحد من أولاده أو أحفاده. ونعيد ونكرر، كما نذكر دائما، إلى ضرورة الوفاء مع الشخصيات الوطنية والمخلصة بامتياز والتي كانت شموعا أنارت الطريق للأجيال اللاحقة.
رحم الله الرائد الكبير محمود يونس وجزاه خير جزاء على ما قدَّم لبلدة من سيرة طيبة يشهد له بها كل من عرفه وبارك له في ذرياته.
(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 23).
المصدر:
كتاب " الرياضة الموصلية وبعض من روادها في القرن العشرين"، تأليف الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط، الشاملة، 2021.

1217 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع