خطاب التخوين وسقوط الأقنعة السياسية

حسين حميد العوفي / ميسان

خطاب التخوين وسقوط الأقنعة السياسية

تشرين ليست فتنة لم تكن تظاهرات تشرين فتنة ولن تصبح كذلك مهما حاول البعض إعادة كتابة تاريخها من زاوية سياسية تخدم مصالحه تشرين كانت انفجارًا اجتماعيًا وسياسيًا لشريحة واسعة من العراقيين الذين ضاقوا بدولة لا توفر لهم العدالة ولا فرص العمل ولا الخدمات في بلد يمتلك ثروة نفطية هائلة خرج الشباب مطالبين بدولة تحترم مواطنيها وبنظام سياسي تكون فيه الكفاءة معيارًا لإدارة المؤسسات بدل المحاصصة والولاءات لذلك فإن وصف تشرين بالفتنة لا يغير حقيقة أنها كانت نتيجة طبيعية لتراكم سنوات من الفشل السياسي والاقتصادي ومحاولة تحميل المحتجين مسؤولية أزمة لم يصنعوها هي قلب للحقائق وتحويل للضحية إلى متهم.

أسباب تشرين ما زالت قائمة بعد سنوات من تشرين لم تختف الأسباب التي دفعت العراقيين إلى الشوارع. المحاصصة ما زالت جزءًا من بنية النظام السياسي والبطالة ما زالت تضغط على الشباب والاقتصاد لا يزال رهين النفط والفساد وضعف المؤسسات ما زالا من أبرز تحديات الدولة. وفي الوقت الذي تتراكم فيه الثروة لدى بلد يمتلك موارد هائلة لا يزال ملايين العراقيين يبحثون عن سكن مناسب وفرصة عمل وحياة مستقرة. لذلك فإن المشكلة ليست في ذاكرة تشرين، بل في استمرار الظروف التي صنعتها. قد تتغير الحكومات والتحالفات والوجوه لكن جوهر الأزمة يبقى ما دامت قواعد إدارة الدولة لم تتغير. ومن يريد إدانة تشرين عليه أولًا أن يفسر لماذا بقيت مطالبها حاضرة بعد كل هذه السنوات.

اليوم تصريح العامري الأخطر هو إعادة فتح ملف «الطرف الثالث» في أحداث تشرين، خصوصًا عندما يربط هذا الطرف بما يسمى «المقاومة» فإذا كان المقصود أن جهات مسلحة شاركت في قمع المتظاهرين، فهذه ليست جملة سياسية عابرة، بل قضية خطيرة تستوجب تحقيقًا شفافًا وأدلة واضحة ومحاسبة قانونية. أما إذا لم يكن هذا هو المقصود، فعلى صاحب التصريح أن يوضح موقفه للرأي العام، لأن دماء العراقيين ليست مادة للتلميح أو المناورة السياسية. المقاومة، بما تمثله من رمزية لدى شريحة واسعة من العراقيين، لا ينبغي أن تتحول إلى عنوان مرتبط بقمع المواطن، وفي المقابل لا يجوز استخدام عنوان المقاومة لحماية أي جهة من المساءلة. الحقيقة وحدها قادرة على حسم هذه القضية، لا التصريحات المتناقضة ولا الروايات السياسية.

تشرين وموقف المرجعية وهنا تظهر مفارقة لا يمكن تجاهلها. ففي الوقت الذي يحاول فيه البعض اختزال تشرين بكلمة «فتنة»، كانت المرجعية الدينية العليا تقول عنهم الاحبة وأبناءنا تتعامل مع الشباب المحتجين باعتبارهم أبناء العراق، وتؤكد حقهم في المطالبة بالإصلاح، وتشدد على حرمة الدم وضرورة حماية المتظاهرين ومحاسبة المعتدين. وهذا لا يعني أن تشرين كانت خالية من الأخطاء أو أن كل من شارك فيها كان فوق النقد؛ فقد شهدت الأحداث تجاوزات، وحاولت أطراف مختلفة استغلال الحراك، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن آلاف العراقيين خرجوا للمطالبة بدولة أفضل. نقد الأخطاء شيء، وتحويل تشرين بأكملها إلى مؤامرة أو فتنة شيء آخر. ومن الخطأ السياسي والأخلاقي اختزال حركة اجتماعية واسعة بكل تعقيداتها في توصيف واحد يخدم رواية السلطة.

الإطار أمام مسؤولية الحكم ومع اتساع نفوذ القوى المنضوية في الإطار التنسيقي داخل الدولة، لم تعد المسألة مجرد جدل حول الماضي، بل أصبحت مسؤولية عن الحاضر والمستقبل. من يمتلك القرار السياسي يتحمل مسؤولية نتائجه، ولا يمكن أن تتحول تشرين إلى شماعة للفشل بينما تستمر المحاصصة والبطالة والفساد والاقتصاد الريعي. الدولة لا تُبنى بإسكات الذاكرة، ولا تُستعاد ثقة الشباب بتخوينهم، وإنما بإصلاح مؤسساتها وتوفير فرص العمل وحماية القانون ومحاسبة الفاسدين. وإذا كانت القوى السياسية تريد طي صفحة تشرين، فعليها أن تطوي أولًا الصفحات التي صنعتها الفشل، والمحاصصة، والفساد، وانسداد الأفق أمام الشباب.

الحقيقة قبل كل شيء العراق لا يحتاج إلى معركة جديدة بين تشرين والمقاومة الاطار ولا إلى تحويل دماء الضحايا إلى مادة للصراع السياسي. ما يحتاجه هو الحقيقة الكاملة: كشف من تورط في القمع، ومحاسبة من ارتكب الجرائم، ومساءلة كل جهة استغلت الأحداث أو أخفت المعلومات، دون حصانة حزبية أو سياسية. تشرين ليست ملكًا لحزب أو تيار، كما أن المقاومة ليست ملكًا لجهة سياسية، وكلاهما يجب أن يبقى بعيدًا عن توظيف الدم العراقي في الصراعات. إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يتذكر العراقيون تشرين، بل أن تدفن حقيقتها تحت روايات سياسية متضاربة. ولذلك فإن من يريد إغلاق هذا الملف بكلمة «فتنة» عليه أن يدرك أن التاريخ لا يغلق بالتوصيفات، وإنما بالحقيقة والعدالة. أما السؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام الدولة والتاريخ فهو: إذا كانت تشرين هي الخطأ، فلماذا ما زالت أسبابها قائمة حتى اليوم؟

تشرين ليست فتنة.. إنها مرآة لعراقٍ لم تحل أزماته بعد، ومن يخشى المرآة فالمشكلة ليست في انعكاسها بل في الواقع الذي تكشف.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

769 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع