
نزار جاف
جلال چرمگا... سبعة عشر عاما في البحث عن عراق آخر
ثمة أشخاص يغادرون أوطانهم فيغادر الوطن معهم، وثمة آخرون يغادرون الوطن بأجسادهم فقط، فيما يبقى الوطن بكل ما فيه من مدن ووجوه وذكريات وأسئلة معلقة يسكن في أعماقهم، وربما يتحول مع مرور السنوات من مكان جغرافي إلى قضية، ومن ذاكرة شخصية إلى مشروع، ومن حنين إلى مسؤولية، وهذا ما يجعلني، وأنا أتأمل تجربة جلال چرمگا رئيس تحرير الگاردينيا طوال ما يقارب سبعة عشر عاما، أشعر بأن الرجل لم يكن يدير موقعا إلكترونيا بالمعنى التقليدي للكلمة بقدر ما كان يحاول، بصبر يشبه صبر الذين يعرفون أن المشاريع الكبرى لا تولد دفعة واحدة، أن يرسم على امتداد السنوات ملامح عراق آخر، عراق لا يكون فيه العربي نقيضا للكردي، ولا الكردي نقيضا للعربي، ولا المسلم في مواجهة المسيحي، ولا السني في مواجهة الشيعي، ولا الإنسان أسيرا للهوية التي ولد فيها، وإنما يكون كل ذلك جزءا من تكوينه، ثم يأتي العراق بوصفه الدائرة الأوسع التي تستطيع أن تحتضن كل هذه الدوائر دون أن تلغي واحدة منها.
ولعل أجمل ما في تجربة جلال چرمگا أن هذا العراق الذي يبحث عنه لم يكن عراقا افتراضيا منقطعا عن التاريخ، ولم يكن مشروعا أيديولوجيا يريد أن يعيد تشكيل العراقي وفق قالب جديد، وإنما كان، في جوهره، محاولة للعودة إلى الإنسان العراقي قبل أن تثقل كاهله الانقسامات السياسية والطائفية والقومية التي جعلت منه، في مراحل كثيرة، أسيرا لتعريف الآخرين له، وكأن العراقي لا يستطيع أن يكون عراقيا إلا بعد أن يعلن أولا إلى أي قومية ينتمي، وأي دين يعتنق، وأي مذهب يتبع، وأي منطقة جاء منها، بينما الحقيقة الأكثر بساطة والأكثر عمقا هي أن الإنسان يستطيع أن يحمل كل هذه الانتماءات في داخله دون أن يسمح لأي واحد منها بأن يتحول إلى جدار يفصله عن الآخرين.
ومن هنا ربما يمكن فهم الگاردينيا بصورة مختلفة؛ فهي لم تكن مجرد منبر للنشر، ولا مجرد موقع يجمع المقالات والذكريات والصور والقصائد والوثائق، وإنما تحولت، على امتداد هذه السنوات، إلى مساحة حاول صاحبها أن يختبر فيها إمكانية التعايش العراقي على مستوى الكلمة، وأن يقول بطريقة غير مباشرة إن الوطن يمكن أن يكون واسعا بما يكفي لكي يجلس فيه المختلفون إلى طاولة واحدة، حتى وإن اختلفوا في تفسير التاريخ، وفي قراءة الحاضر، وفي رؤيتهم للمستقبل، لأن المشكلة ليست في أن نختلف، وإنما في أن نعتقد أن اختلافنا يمنحنا الحق في إلغاء الآخر.
وربما كان جلال چرمگا يدرك، منذ وقت مبكر، أن العراق لا يعاني من نقص في الهويات، بل يعاني من فائض الهويات التي لم تجد بعد إطارا وطنيا قادرا على تنظيم علاقتها ببعضها، فالعراق غني إلى درجة مذهلة في تنوعه، لكنه كثيرا ما تعامل مع هذا التنوع وكأنه لعنة، بينما كان يمكن له أن يجعله أعظم مصادر قوته، ولذلك فإن الفكرة التي ظلت تختبئ خلف مشروع الگاردينيا تبدو لي اليوم أكثر وضوحا من أي وقت مضى: ليس المطلوب أن نتخلص من هوياتنا لكي نصبح عراقيين، وإنما المطلوب أن نرتقي بهوياتنا إلى مستوى الإنسان والوطن.
وهذه الفكرة، في رأيي، هي التي تمنح تجربة چرمگا معناها الحقيقي، لأن من السهل جدا أن يتحدث الإنسان عن الوطنية وهو يعيش داخل بيئة متجانسة، ومن السهل أن يدعو إلى التسامح عندما لا يختلف مع أحد، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح المختلف أمامك، عندما يكتب الكردي عن العربي، والعربي عن الكردي، وعندما يتحدث المسلم عن المسيحي، والمسيحي عن المسلم، وعندما يكتشف الإنسان أن الآخر ليس الصورة التي صنعتها عنه الذاكرة السياسية أو الدعاية أو الخوف، وإنما إنسان مثله، له ذاكرة أخرى، وجرح آخر، وربما رواية أخرى، لكنه في النهاية يريد أن يعيش في وطن يشعر فيه بالأمان والكرامة والانتماء.
ولأن جلال چرمگا يعيش في سويسرا، فإن تجربته تبدو أكثر إثارة للاهتمام، ليس لأن سويسرا يمكن أن تكون وصفة جاهزة للعراق، فهذا سيكون تبسيطا مخلا لتجربتين مختلفتين في التاريخ والجغرافيا والبنية الاجتماعية، وإنما لأن الإنسان عندما يعيش في مجتمع استطاع، رغم تعدده اللغوي والثقافي والديني والتاريخي، أن يجد صيغة سياسية ووطنية تسمح للاختلاف بأن يتحول من مصدر للخوف إلى عنصر من عناصر قوة الدولة، يصبح أكثر قدرة على النظر إلى بلده من مسافة مختلفة، وقد يسأل نفسه سؤالا يبدو بسيطا لكنه في الحقيقة شديد العمق: إذا كان الاختلاف لا يمنع الآخرين من بناء وطن مشترك، فلماذا ينبغي أن يكون الاختلاف العراقي سببا دائما للانقسام والصراع؟
وأعتقد أن جلال چرمگا لم يأخذ سويسرا إلى العراق، وإنما أخذ من سويسرا سؤالا إلى العراق، وهذا فارق كبير؛ فهو لا يقول للعراقيين كونوا سويسريين، ولا يمكن أصلا أن يكون العراق نسخة عن بلد آخر، وإنما يبدو كأنه يقول إن الحضارات لا تقاس فقط بما تركته وراءها من آثار، وإنما بما تستطيع أن تتعلمه من تجارب الآخرين، وإن العراق الذي كان يوما موطنا لواحدة من أقدم التجارب الحضارية في التاريخ، والذي عرف مبكرا معنى المدينة والقانون والكتابة والتنظيم الاجتماعي، ليس محكوما بأن يبقى أسيرا لفشل سياسي معاصر، بل يستطيع، إذا امتلك الإرادة، أن يبحث عن صيغته الخاصة التي تجعل من تعدده مصدر ثراء لا مصدر اقتتال.
ولعل هذه واحدة من أكثر المفارقات إيلاما في الحكاية العراقية؛ بلد كان من أوائل الأماكن التي عرف فيها الإنسان معنى القانون، ثم عاش في العصر الحديث مراحل أصبح فيها القانون نفسه في أحيان كثيرة تابعا لقوة السلاح أو نفوذ الطائفة أو سلطة الحزب، وبلد عرف الكتابة قبل آلاف السنين، لكنه عجز في أوقات كثيرة عن كتابة عقد وطني حديث يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء متساوون في صناعة المستقبل، وبلد نشأت على أرضه حضارات متعددة ومتجاورة، لكنه وجد نفسه في مراحل لاحقة يتعامل مع التعدد وكأنه خطر ينبغي الحذر منه بدل أن يكون إرثا ينبغي الاحتفاء به.
وهنا يأتي جلال چرمگا، لا بوصفه رجلا يمتلك إجابات نهائية، وإنما بوصفه رجلا يصر على إبقاء السؤال حيا.
فهو لا يقول إن الگاردينيا استطاعت أن تحل مشكلة العراق، ولا يمكن لموقع ثقافي أن يفعل ذلك، لكنه ربما حاول أن يثبت شيئا أكثر تواضعا وأكثر أهمية، وهو أن العراقيين قادرون على الالتقاء في فضاء واحد، وأن العربي يستطيع أن يقرأ للكردي، والكردي يستطيع أن يقرأ للعربي، وأن المختلفين يمكن أن يتشاركوا الذاكرة دون أن يتشاركوا بالضرورة الموقف السياسي، وأن الإنسان يستطيع أن يحتفظ بانتمائه القومي والديني والمذهبي، وفي الوقت نفسه يضع إلى جانب هذه الانتماءات هوية وطنية وإنسانية أوسع.
وهذا تحديدا ما يجعلني أرى في مشروعه محاولة لصقل الإنسان العراقي لا لصهره، لأن الصهر يعني أن تفقد الأشياء خصائصها لكي تتحول إلى شيء واحد، بينما الصقل يعني أن تحتفظ الأشياء بجوهرها، لكنك تزيل عنها ما تراكم عليها من صدأ، وما علق بها من تشوهات، وما فرضته عليها سنوات الخوف والصراع والانغلاق، حتى تظهر صورتها الأصلية أكثر نقاءً؛ ولذلك فإن العراقي الذي يتخيله چرمگا ليس إنسانا بلا قومية أو بلا دين أو بلا مذهب، وإنما إنسان يعرف قوميته ودينه ومذهبه، لكنه يعرف قبل ذلك وبعده أنه إنسان، وأن الآخر الذي يختلف عنه في هذه التفاصيل ليس بالضرورة عدوا له.
وقد يكون هذا هو السبب الذي يجعل الگاردينيا، في تجربتها الطويلة، أقرب إلى أرشيف وجداني للعراق منه إلى مجرد موقع إعلامي؛ فالذكريات التي حملتها، والوجوه التي استعادتها، والأحياء التي أعادت رسمها، والأغاني والصور والقصص والشهادات التي حفظتها، كلها تبدو وكأنها محاولة لإنقاذ عراق كان موجودا قبل أن يصبح العراقيون أسرى للصور التي صنعتها السياسة عن بعضهم البعض، عراق كانت فيه بغداد مدينة للجميع، وكان فيها التنوع جزءا من الحياة اليومية، لا عنوانا لمؤتمر سياسي أو مادة لخطاب انتخابي.
إن جلال چرمگا، في نهاية الأمر، لا يدافع عن عراق الماضي لمجرد أن الماضي جميل، ولا يبدو أنه يريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإنما يبحث في الماضي عن شيء يمكن أن يساعد العراق على التقدم إلى الأمام؛ يبحث عن الذاكرة لا لكي يسكن فيها، وإنما لكي يستخرج منها ما يمكن أن يكون أساسا لمستقبل أفضل، وهذه في رأيي هي القيمة الحقيقية للحنين عندما يتحول من بكاء على ما فقدناه إلى سؤال عما نستطيع أن نستعيده.
سبعة عشر عاما ليست فترة قصيرة في عمر مشروع ثقافي، خصوصا عندما يكون المشروع قائما على الإيمان بفكرة أكثر منه قائما على الربح أو النفوذ أو الشهرة، ولهذا فإن السؤال الذي يمكن أن يطرح اليوم عن جلال چرمگا ليس كم مقالا نشر في الگاردينيا، ولا كم كاتبا كتب فيها، ولا كم قارئا مر عليها، وإنما ماذا بقي من الفكرة التي حاول أن يزرعها طوال هذه السنوات؟
وأعتقد أن الإجابة موجودة في مكان أبسط من كل الإحصاءات: بقيت فكرة أن العراق يستطيع أن يكون أكبر من مكوناته دون أن يلغيها، وأن العراقي يستطيع أن يكون كرديا وعراقيا في الوقت نفسه، وعربيا وعراقيا، ومسيحيا وعراقيا، ومسلما وعراقيا، وشيعيا وسنيا وإيزيديا وصابئيا وتركمانيا وآشوريا وكل ما يريد أن يكونه، لأن الوطن الحقيقي لا يطلب منك أن تتخلى عن جزء من نفسك لكي يمنحك حق الانتماء إليه.
وربما لهذا السبب فإن تجربة جلال چرمگا تستحق أن تقرأ بوصفها تجربة رجل عاش بعيدا عن العراق لكنه لم يسمح للغربة بأن تسرق منه العراق، بل ربما فعلت الغربة العكس تماما، إذ منحته تلك المسافة التي جعلته يرى ما لا نراه ونحن داخل المشهد، وجعلته يدرك أن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الذين يشرحون للناس لماذا هم مختلفون، وإنما يحتاج إلى من يقنعهم بأن اختلافهم يمكن أن يكون أحد أسباب بقائهم معا.
لقد أمضى جلال چرمگا سنواته في الگاردينيا وهو يحاول، بالكلمة والصورة والذاكرة، أن يبني جسرا فوق الانقسامات، وقد لا يكون الجسر قد وصل بعد إلى الضفة الأخرى، وربما لا يستطيع شخص واحد ولا موقع واحد أن يبنيه كاملا، لكن قيمة الجسور ليست دائما في أنها تصل إلى النهاية سريعا، وإنما في أنها تجعل العبور ممكنا، وتجعل الإنسان يصدق أن الضفة الأخرى ليست عدوا، وأن المسافة بينه وبين الآخر يمكن أن تختصر بخطوة، وبكلمة، وبقليل من الشجاعة، وبكثير من الاعتراف بأننا جميعا أبناء بلد واحد.
ولهذا، عندما أفكر في جلال چرمگا، لا أفكر في رئيس تحرير الگاردينيا بقدر ما أفكر في رجل اختار أن يقاوم النسيان بطريقته، وأن يقاوم التجزئة بالكلمة، وأن يقول للعراقيين، من خلال مشروع امتد سبعة عشر عاما، إن الوطن ليس لونا واحدا، وإن الحضارة لا تنتمي إلى طائفة أو قومية، وإن الإنسان العراقي أكبر من التصنيف الذي يوضع تحته، وإن العراق الذي نحلم به لا ينبغي أن يكون عراق العربي ضد الكردي، أو الكردي ضد العربي، أو المسلم ضد المسيحي، أو الطائفة ضد الطائفة، وإنما عراق الإنسان الذي يحمل كل ملامحه معه، ثم يدخل بها جميعا إلى فضاء أوسع اسمه الوطن.
وربما تكون أجمل هدية يمكن أن يقدمها المرء لجلال چرمگا بعد هذه السنوات الطويلة ألا نقول له إنك نجحت في بناء العراق الذي حلمت به، لأن ذلك سيكون ادعاء أكبر من الواقع، وإنما نقول له شيئا أكثر صدقا: لقد ساهمت في إبقاء الحلم حيا، وفي زمن أصبح فيه الحفاظ على حلم عراقي جامع فعل مقاومة بحد ذاته.
فالعراق الذي يحلم به جلال چرمگا ليس عراقا بلا اختلاف، وإنما عراقا لا يتحول فيه الاختلاف إلى كراهية؛ وليس عراقا بلا هويات، وإنما عراقا لا تتحول فيه الهويات إلى متاريس؛ وليس عراقا ينسى ماضيه، وإنما عراقا يتعلم منه؛ وليس عراقا يريد أن يصبح سويسرا، وإنما عراقا يتعلم من سويسرا ومن غيرها كيف يستطيع أن يكون نفسه بصورة أفضل.
وربما، في نهاية المطاف، لا يحتاج العراق إلى رجل يرسم له صورة جديدة بقدر ما يحتاج إلى من يذكره بصورته الأولى؛ ذلك العراق الذي كان، قبل أن تتكاثر فوقه طبقات السياسة والخوف والطائفية والقومية، مكانا تتجاور فيه الهويات، وتتقاطع فيه الحضارات، ويستطيع الإنسان فيه أن يكون مختلفا دون أن يكون غريبا.
وهذا، في تقديري، هو العراق الذي ظل جلال چرمگا يبحث عنه طوال سبعة عشر عاما؛ عراق لا يكون فيه الإنسان مشروع طائفة أو قومية، وإنما يكون إنسانا أولا، وعراقيا ثانيا، وكل ما يأتي بعد ذلك تفاصيل جميلة من تفاصيل وطن واحد.

755 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع