ثمن الثقة

د.سعد العبيدي

ثمن الثقة

في الطريق إلى مطار بغداد الدولي، بدأت الحكاية على لسان الطبيب الجرّاح. بدا الوقت ثقيلًا، وتحوّلت الوقائع في ذهنه إلى أثرٍ صامت. وحين سلّم جوازه لختم المغادرة، أدرك أن بعض ما مرّ به كان أكبر من التصديق.
جلس على أحد مقاعد الدرجة الأولى في الطائرة الأردنية المتّجهة إلى عمّان، وإلى جواره جلس عضوُ برلمانٍ محسوب على المتديّنين، لفت انتباهه انشغالُ الطبيب بقراءة كتابٍ باللغة الإنجليزية، فالتفت نحوه وسأل، بلا تمهيد، عن مهنته. وحين أخبره كان طبيبا استشاريا في جراحة الأطفال، تأمّله لحظة، ثم قال بنبرة فضولٍ لا تخلو من دهشة: وهل تركتَ الجراحة، وأنت في سنّ الشباب؟
تردّد في البداية، شعر بثقلٍ في صدره، كأن السؤال لم يكن عابرًا. فأجاب بعد صمتٍ قصير:
طلّقتُها في بلادكم بالثلاثة. سأعود إلى لندن لأمارسها هناك؛ حيث درستُ وتدرّبت، وحيث تُمنَح المهنة ما يكفي من إنصاف.
ضحك البرلماني، وسأل بخفّة: ألم يكن العراق بلادك أيضًا؟
أجابه بعد لحظةٍ من التردّد: لهذا أهرب منه، كي يبقى في المخيّلة… بلادي.
بدت الحيرة على وجه البرلماني. وحين التقت عيناه بعينيه، لمح رغبةً صريحة، شبه متلهّفة، في فكّ هذا اللغز. في تلك اللحظة، لم يعد السؤال موجّهًا إليه وحده؛ أعاد النظر إلى نفسه، فوجد الإحباط في داخله يفتّش عن منفذ. عندها أغلق الكتاب، استند إلى المقعد، وقال من دون مقدمات:
إن بعض الأصوات، حين تأتي من أرقامٍ معروفة، تغيّر مصير مهنةٍ كاملة.
ثم مضى يستعيد المكالمة التي وصلته وهو في مستشفى مدينة الطب، من عضو برلمان معروف بشدّة تقواه. لم يكن في حديثه تهديد، ولا أمرٌ مباشر؛ كان رجاءً محسوبًا، مغلّفًا بنفوذٍ لا يحتاج إلى شرح. صوتٌ يعرف كيف يختصر المسافة بين السياسة والجسد، بين العشيرة وغرفة العمليات. قال إن هناك طفلًا من أقاربه، يعاني فتقًا، ويريد له معاينة عاجلة.
أجابه يومها، بصوتٍ مهنيّ لا أكثر: ليحضروه إلى المستشفى، وسيُجرى اللازم حسب الأصول.
لم يمرّ وقتٌ طويل حتى وصلوا. دخل الطفل المستشفى محمولًا على قلقٍ يفوق جسده الصغير. كان برفقته عددٌ من أقاربه، ووسطهم ظهر تلميذ البورد الذي أمضى خمس سنوات يتدرّب تحت يديه. تقدّم نحوه بثقةٍ يعرفها، تلك التي تولد من طول الوقوف في غرف العمليات، لا من طول التأمّل.
قال إن الطفل من أقاربه، مرّر العبارة كما لو أنها تفصيل عابر لا يستدعي التوقّف. وبعد فحصه تحت الإشراف المباشر، أكّد أن الحالة بسيطة: فتقٌ اعتيادي، ومشكلة في نزول الخصيتين يمكن معالجتها بجراحة يسيرة. أضاف أنه أجرى مثل هذه العمليات مرارًا، ويرغب في أن يتولاها بنفسه.
لم يكن في الطلب ما يخالف البروتوكول، ولا في الطفل ما يشي بعجزٍ ظاهر. كان التلميذ طبيبًا مخوّلًا، ومدرّبًا، فسُلِمتُ الحالة له كما يُسلّم الأستاذ أمرًا اعتاد الاطمئنان إليه، من دون أن يخطر بباله أن الثقة، حين تُمنَح في غير وقتها، قد تكون أول الأخطاء.
دخل الطفل غرفة العمليات بهدوء. كانت الإجراءات روتينية: الضوء الأبيض، الأدوات المصطفّة، الأسماء التي تُنادى بلا انفعال. وقف المشرف بعيدًا يراقب من دون تدخّل، كما يفعل الأستاذ حين يترك لتلميذه مساحة الثقة الأخيرة.
مضت العملية كما تمضي العمليات الروتينية. خرج الطفل إلى الإفاقة، وأُغلقت صفحة الجراحة بهدوء. لم تمضِ أيام حتى انكسر الإيقاع: وقف رجالٌ مسلّحون أمام بيت الجرّاح. قالوا إن خصيتي الطفل قد اختفت بعد العملية التي أُجريت تحت إشرافه. تحدّثوا عن الزواج والعار بلغة لا تعرف الطب. لم يتركوا مجالًا للشرح؛ طرحوا «الفصل» بوصفه الحلّ الوحيد. سبعون مليون دينار، ثمن خطأ لم يرتكبه.
بعدها فقط عاد إلى المستشفى. طلب الفحوصات، والأشعّة، والأوليات. هناك انكشفت الحقيقة كاملة: الخلل كان ولاديًا، معروفًا للأهل، ومعلومًا للطبيب التلميذ الذي أجرى العملية، وتواطأ معهم بالاتكاء على اسم الجرّاح لتحصيل المنفعة.
استدعاه إلى مكتبه. دخل كما كان يدخل دائمًا، بخطوات واثقة، غير أن شيئًا في عينيه كان يتفادى النظر المباشر. وضع التقارير أمامه واحدةً تلو الأخرى، ثم سأله بهدوء: كنتَ تعلم؟
لم يُجب فورًا. تردّد، ثم قال ما يشبه الاعتراف: كنتُ مضطرًا.
قال له، محاولًا أن يُبقي صوته ثابتًا: أخطأتَ بحقّ الطب، قبل أن تُخطئ بحقّي.
رفع رأسه أخيرًا، وحاول التبرير. لكن ما جرى كان خيانةً صريحة تفوق أي تبرير؛ خيانة الأستاذ، وخيانة المهنة، وخيانة الثقة التي لا تُدرَّس.
نظر إليه طويلًا، ثم قال الجملة التي لم يكن يظن أنه سيقولها يومًا لتلميذٍ من تلامذته: في بلدٍ يخون فيه التلميذ أستاذه، لا مكان لي على ترابه. تركه واقفًا أمام ما فعله، وخرج وهو يفكّر بترتيب الرحيل.
توقّف هنا عن الكلام. نظر في عيني عضو البرلمان، ثم قال بهدوءٍ لا يخلو من مرارة: هذه ليست حكاية طبيبٍ واحد… إنها حكاية بلدٍ يدفع أبناءه إلى الخارج كي ينجوا بمهنهم.
لم يُعلّق الرجل. اكتفى بنظرةٍ سريعة إلى القريبين، ثم إلى الأرض، كأن الإجابة أثقل من أن تُقال، عندها دوّى صوت المضيفة معلنًا بدء الهبوط في مطار الملكة علياء. أعاد الكتاب إلى حقيبته، شدّ حزام المقعد، وأدرك أن الحكاية انتهت عند هذا الحدّ. أما الأسئلة ذات الصلة بالخيانة والثقة والتيّه، فبقيت معلّقة في الجو.
***

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1434 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع