
قاسم محمد داود
إيران بين غضب الخبز وضغوط الخارج: احتجاجات مفتوحة على كل الاحتمالات
رغم تباين حدّة الاحتجاجات في بعض المدن خلال الأيام الأخيرة، فإن المشهد الإيراني لا يزال محكومًا بأزمة بنيوية عميقة تتجاوز الطابع الظرفي للحراك المعيشي. فالعوامل التي فجّرت احتجاجات «رغيف الخبز» لم تُعالج، بل ما زالت تتفاعل تحت السطح، فيما يزداد تعقيد المشهد مع تشابك الضغوط الداخلية مع حسابات إقليمية ودولية دقيقة. في هذا السياق، تبدو إيران واقفة على صفيح ساخن، حيث لا يملك النظام ترف الحسم السريع، ولا يملك الشارع ما يخسره سوى مزيد من التدهور.
تشهد إيران منذ أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025 واحدة من أوسع موجات الاحتجاج الشعبي خلال العقدين الأخيرين، بدأت كحراك معيشي احتجاجًا على تدهور غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتحول سريعًا إلى أزمة سياسية مفتوحة تمس جوهر النظام وشرعيته. ومع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث، تتقاطع الأزمة الاقتصادية العميقة مع احتقان اجتماعي متراكم، لتضع البلاد أمام اختبار داخلي بالغ التعقيد.
اندلعت الشرارة الأولى في 28 ديسمبر، على خلفية الانهيار الحاد في قيمة الريال الإيراني، وبلوغ معدلات التضخم مستويات قياسية تراوح بين 40 و50 في المئة، إضافة إلى أزمات متزامنة في الوقود والكهرباء وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها الخبز. وسرعان ما امتد الحراك إلى أكثر من 35 مدينة، شملت طهران وقم وأصفهان ومشهد، بمشاركة فئات اجتماعية متعددة، من العمال والطلاب إلى موظفي القطاع العام، وصولًا إلى تجار «البازار» الذين يُنظر تاريخيًا إلى تحركاتهم باعتبارها مؤشرًا حساسًا على عمق الأزمات الاقتصادية والسياسية.
ومع اتساع رقعة الاحتجاج، لم تعد المطالب محصورة في تحسين الأوضاع المعيشية، بل ارتفع سقف الشعارات ليشمل هتافات سياسية مباشرة مثل «الموت للديكتاتور»، ودعوات لتغيير النظام. وظهرت في بعض المدن رموز وشعارات تعود إلى ما قبل عام 1979، في دلالة رمزية على أزمة شرعية تتجاوز الأداء الحكومي لتطال البنية السياسية ذاتها.
الرد الرسمي اتجه نحو التصعيد الأمني. ففي الفترة بين 7 و12 يناير 2026، شهدت البلاد موجة إضرابات جزئية وإغلاقات في الأسواق وقطاعات النقل، تزامنت مع تدخل مكثف لقوات الأمن، بما فيها الحرس الثوري وميليشيا «الباسيج». وتشير تقارير حقوقية إلى سقوط عشرات القتلى واعتقال مئات المحتجين، وسط استخدام واسع للغاز المسيل للدموع والرصاص الحي. الأخطر من ذلك هو تسرّب أنباء عن تباينات داخل بعض الوحدات الأمنية بشأن مستوى العنف المستخدم، وهي مؤشرات، وإن ظلت محدودة، تعكس حجم الضغط الذي تتعرض له مؤسسات القمع نفسها في ظل أزمة تطال القاعدة الاجتماعية التي تنتمي إليها.
غير أن ما يميز هذه الجولة من الاحتجاجات عن سابقاتها لا يقتصر على اتساعها الاجتماعي، بل يتصل أيضًا بالسياق الدولي المحيط بها. فقد أدخلت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مطلع عام 2026، عنصرًا جديدًا في المعادلة، حين لوّح بإمكانية توجيه ضربات عسكرية إذا لجأ النظام الإيراني إلى قمع دموي واسع. بهذا المعنى، خرجت الأزمة من إطار «الشأن الداخلي» لتلامس حدود المواجهة الإقليمية والدولية.
هذا التطور فرض على طهران معادلة أكثر تعقيدًا. فالقمع الشامل، الذي شكّل تقليديًا أداة النظام الأنجع، بات محفوفًا بمخاطر غير مسبوقة، في ظل ما يمكن تسميته بـ«الردع الأميركي المشروط». وقد يدفع ذلك السلطة إلى اعتماد أساليب قمع أقل ظهورًا، مثل قطع الإنترنت أو تنفيذ اعتقالات ليلية صامتة، غير أن هذا النمط المتردد قد يمنح الشارع فرصة لإعادة تنظيم نفسه وتوسيع رقعة الاحتجاج.
في المقابل، يبرز خيار الانفتاح الاضطراري أو التفاوض الخارجي كمسار محتمل، خصوصًا مع إشارات متكررة من واشنطن إلى أن طهران «تسعى للتفاوض». وقد يجد الجناح البراغماتي داخل النظام نفسه مضطرًا للدفع نحو صفقة كبرى، تشمل الملف النووي والسياسات الإقليمية، مقابل تخفيف فوري للعقوبات يهدف إلى تهدئة الشارع اقتصاديًا. غير أن هذا الخيار يحمل في طياته خطر انقسام داخلي حاد داخل النخبة الحاكمة بين من يراه مخرجًا مؤقتًا، ومن يعدّه استسلامًا يهدد تماسك النظام.
أما السيناريو الأكثر خطورة، فيتمثل في احتمال الانهيار المتسارع إذا تضافر الضغط الشعبي الداخلي مع ضغوط أو ضربات خارجية محدودة تستهدف أدوات القمع. في مثل هذا السياق، قد تميل بعض القيادات الأمنية الوسطى إلى الحياد أو الانشقاق، إذا ما شعرت بأن كلفة الدفاع عن النظام باتت أعلى من قدرتها على الاحتمال، خصوصًا في ظل احتمال مواجهة مزدوجة مع الشارع ومع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، لا يمكن استبعاد سيناريو معاكس، يتمثل في محاولة النظام الالتفاف على الأزمة عبر خطاب «التهديد الخارجي»، وتصوير الاحتجاجات باعتبارها امتدادًا لمؤامرة أميركية – إسرائيلية. وقد يلقى هذا الخطاب صدى لدى فئات تخشى تكرار سيناريوهات الانهيار والفوضى في دول إقليمية أخرى، ما يمنح السلطة هامشًا زمنيًا إضافيًا للمناورة.
في الخلاصة، تختلف احتجاجات «رغيف الخبز» الراهنة عن موجات سابقة، لا سيما احتجاجات عام 2022، من حيث عمقها الاجتماعي واتساع قاعدتها، ودخول فئات محافظة تقليديًا، وعلى رأسها تجار البازار، إلى قلب المواجهة. ورغم أن سقوط النظام لا يبدو وشيكًا، إلا أن ما يجري يكشف بوضوح عن تآكل عميق في شرعيته السياسية والاجتماعية. لقد تحولت الأزمة من سباق استنزاف داخلي بين السلطة والشارع، إلى «لعبة حافة الهاوية» بين طهران وواشنطن، حيث لم يعد السؤال المركزي هو ما إذا كان المحتجون سيتعبون، بل ما إذا كان النظام قادرًا على تجنب كسر الخطوط الحمراء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

953 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع