
عائشة سلطان
الحياة ونحن ومصائرنا!
في مقابلة تلفزيونية تعود لسنوات بعيدة جداً، وجه المذيع سؤالاً افتتاحياً للروائي السوري الشهير «حنا مينا» قائلاً: في مسيرتك التعليمية حصلت على الشهادة الابتدائية، ومن ثم توقفت نهائياً، لماذا؟ وبسخريته المعتادة أجاب «حنا مينا»: في الحقيقة أنا لم أتوقف، لكن الحياة هي من فعلت ذلك، فأنا من عائلة فقيرة جداً جداً جداً، لقد كرر لفظ جداً ثلاث مرات، ليؤكد ويثبت ويكون الأمر واضحاً للجميع، وهو أن الفقر في الحياة يمكنه أن يغير مصائرنا.
والحقيقة فإن الفقر المدقع بالتأكيد يغير حياتنا ويصوغ مصائرنا، لكننا في المقابل نحن من يتوجب عليه أن يدير دفة ذلك المصير الذي اختارته لنا الحياة، فـ«حنا مينا» حرم من التعليم، فاضطر تحت ضغط الحاجة والفقر أن يعمل عتالاً وصياداً ليعيش، لكنه لم ينسَ أنه لم يحرم من الموهبة، ولذلك فإن الأعمال البسيطة التي اشتغل بها ساعدته لكي يعيش، وموهبة الأدب والكتابة هي من رفعته لمصاف كبار كتاب الوطن العربي. فمن الذي تحكم في الآخر، الفقر أم الإرادة؟
أما في رواية «الاختباء في عجلة الهامستر» للمصري عصام الزيات، نجد الشاب «عجائبي» الذي يسافر من الأقصر إلى القاهرة ممتلئاً بطموح كبير بأن يلتحق بالجامعة، ويتخصص في مجال الهندسة، وفي أول محاضرة تحصل مشادة بينه وبين الأستاذ، فيوجه له الأستاذ إهانة بليغة، يردها «عجائبي» عليه في الحال، فيطرد من الجامعة، ويعود للأقصر يجر فشله وخيبته، ويستسلم لمصيره، فيذهب حسبما يوجهه المحيطون به، ويتزوج حين يطلب منه والداه ذلك، وفي النهاية يتحول لقاتل. كيف؟ لأنه استسلم لإرادة الظروف وقدم مصيره للآخرين على طبق من فضة!
مشكلة هذا النوع من البشر أنهم جاهزون سريعاً ليدافعوا ويبرروا مواقفهم واختياراتهم الفاشلة، ملقين اللوم سريعاً على الفقر والظروف والآخر والفساد ومافيات المصالح... إلخ، والأهم من كل ذلك أن غالبية هؤلاء ممن يكررون فشلهم وتصرفاتهم بالآلية نفسها، يتكئون غالباً على أشخاص يقايضون فشلهم بوجودهم إلى جانبهم، فيعتمدون عليهم في حل مشاكلهم وتوفير احتياجاتهم، فيرسمون لهم حياتهم دون أي ردة فعل منهم.

994 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع