العراق بين اقتصاد الإنقاذ وبيئة الانهيار

الدكتور خالد الحديثي / أستاذ التكنولوجيا المتقدمة/ خبير بيئي ومستشار تقييم المخاطر

العراق بين اقتصاد الإنقاذ وبيئة الانهيار

قراءة سياسية استراتيجية في غياب الحوكمة البيئية وإدارة المخاطر
لم يعد الانهيار البيئي في العراق حدثا طارئا يمكن احتواؤه بإجراءات موسمية أو بيانات رسمية متفرقة، بل أصبح ظاهرة بنيوية تعكس خللا عميقا في منظومة الحوكمة، وتراجعا خطيرا في فهم العلاقة بين البيئة والسيادة الاقتصادية. فالعراق اليوم يصنّف ضمن أكثر خمس دول هشاشة مناخية في العالم وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بينما تشير تقارير البنك الدولي إلى أن الخسائر الاقتصادية المرتبطة بتدهور البيئة وتلوث الهواء والمياه تجاوزت 6 % من الناتج المحلي الإجمالي سنويا، وهو رقم يعادل ميزانيات وزارات سيادية مجتمعة.
هذا الواقع لا يمكن فصله عن غياب التشريع التنفيذي، لا النص القانوني. فالعراق يمتلك قوانين بيئية منذ أكثر من عقود مضت، لكنه يفتقد آليات الإلزام والرقابة والتكامل المؤسسي. آلاف المشاريع الصناعية والسكنية والتجارية حصلت على إجازات ممارسة العمل دون دراسات تقييم أثر بيئي حقيقية، ودون مراجعة للآثار التراكمية على الصحة العامة أو الموارد الطبيعية. في المقابل، تُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن أكثر من 92 % من المشاريع الصناعية في دول الاتحاد الأوروبي لا تبدأ التشغيل إلا بعد اجتياز تقييم بيئي متعدد المراحل يتضمن الأثر الاجتماعي والمناخي، وتخضع لمراجعة دورية كل ثلاث إلى خمس سنوات.
غياب تقييم الأثر البيئي في العراق ليس مجرد خلل إداري، بل فراغ سيادي. فهذه الدراسة تمثل في الدول المستقرة أداة توجيه للتنمية وليست عقبة أمامها. هي التي تحدد قدرة البيئة المحلية على التحمل، وترسم الحدود التقنية للانبعاثات، وتفرض خطط الطوارئ، وتربط المستثمر بمسؤوليات طويلة الأجل. وبدونها تتحول المشاريع إلى تجارب مفتوحة على أجساد الناس وعلى مستقبل الأرض.
تزامن هذا الفراغ مع تراجع مقلق في حماية المحميات الطبيعية. فالعراق فقد خلال الثلاثين عاما الماضية أكثر من 30 % من غطائه النباتي وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة، بينما تقلصت مساحة الأهوار إلى أقل من نصف مستواها التاريخي في بعض السنوات الجافة. هذه المناطق التي تُدار عالميا كبنوك تنوع حيوي ومخازن كربون وبنى تحتية بيئية، تُترك محليا بلا إدارة علمية أو موازنات تشغيلية أو خرائط حماية. وفي حين تستثمر دول مثل المغرب والأردن أكثر من 1% من ناتجها المحلي في حماية النظم البيئية، لا تتجاوز حصة البيئة في الموازنة العراقية أعشار النقطة المئوية.
غير أن الأزمة أعمق من البيئة وحدها. إنها أزمة تنسيق مؤسسي. فوزارات البيئة والصناعة والتجارة وهيئات الاستثمار تعمل في مسارات متوازية لا تلتقي، دون منصة وطنية موحدة للبيانات، ودون نظام مشترك لإدارة المخاطر. في الاقتصادات المتقدمة، لا يُرخّص مصنع دون موافقة بيئية وتأمينية متزامنة، ولا يُسجل مشروع دون خطة إدارة مخاطر، ولا تُمنح إجازة تشغيل دون إثبات القدرة على التعويض في حال الضرر. أما في العراق، فما زال كل ملف يتحرك بمعزل عن الآخر، وتُترك النتائج للمصادفة.
لايزال العراق يتعامل مع البيئة كملف ثانوي، رغم أن التحولات العالمية أعادت تعريف الأمن الوطني ليشمل الهواء والماء والتربة بوصفها أصولا استراتيجية. ولفهم حجم الفجوة، يكفي النظر إلى تجارب قريبة جغرافيا لا بعيدة حضاريا. ففي دول الخليج، أصبحت متطلبات التقييم البيئي جزءاً من منظومة الترخيص التنفيذي للمشاريع، حيث لا يبدأ التشغيل الصناعي إلا بعد اجتياز مراحل مراجعة بيئية وفنية متعددة، ضمن أطر تنظيمية واضحة تختلف في قوتها من دولة لأخرى لكنها تشترك في مبدأ الإلزام. أما في الأردن، فقد تحوّل تقييم الأثر البيئي إلى أساس قانوني لاتخاذ قرار الموافقة على المشاريع منذ أكثر من عقدين، ثم جرى تطوير منظومة "الترخيص البيئي" بحيث أصبح المشروع يُعامل كالتزام طويل الأجل لا كموافقة لحظة واحدة، مع ربط مباشر بين التصنيف البيئي ومتطلبات التشغيل. وفي المغرب، جرى تكريس هذا المسار عبر قانون دراسات التأثير على البيئة الذي يجعل فئات واسعة من المشاريع خاضعة إلزاميا للدراسة قبل منح أي ترخيص اقتصادي، ما أسّس تدريجيا لثقافة مؤسسية ترى أن الاستثمار لا يكتمل دون موافقة بيئية قابلة للمساءلة.
وعلى خطٍ موازٍ، تكشف المقارنة التأمينية كيف تتحول إدارة المخاطر من خيار إلى حوكمة. ففي الأردن بلغ اختراق التأمين نحو 2.5 % من الناتج المحلي، بما يعكس حضور القطاع كأداة ضبط للمخاطر لا مجرد خدمة مالية. وفي السعودية ارتفعت النسبة إلى ما يقارب 1.9 % مع توسع السوق في إطار رؤية 2030، بينما يشهد المغرب نموا متواصلا في حجم الأقساط المكتتبة، وهو مؤشر على إدماج التأمين تدريجيا في دورة الاستثمار والسلامة. هذه الأرقام، مهما بدت متواضعة مقارنة بأوروبا، تعكس منطقا واضحا: ربط الترخيص البيئي بالتشغيل الاقتصادي، وربط النشاط الصناعي بالتأمين، خلق شبكة إلزام تجعل التلوث والخطر مكلفين على صاحب المشروع قبل أن يتحولا إلى عبء على الدولة والمجتمع.
وتبرز هنا الحلقة الأخطر: غياب التأمين الشامل. فالتأمين في الدول الحديثة ليس خدمة مالية، بل أداة حوكمة. عندما يُفرض التأمين ضد الحريق والتلوث والمسؤولية المدنية والكوارث الطبيعية، تصبح شركة التأمين جهة تدقيق إضافية تطالب بأنظمة إطفاء، ومرشحات انبعاث، وخطط إخلاء، وصيانة دورية. هذا ما جعل معدل الحوادث الصناعية في ألمانيا واليابان أقل بثلاث مرات من المتوسط العالمي وفق منظمة العمل الدولية. في العراق، حيث لا يوجد تأمين إلزامي فعلي للمصانع والمباني، تختفي هذه الطبقة الرقابية بالكامل.
الأخطر أن السوق العراقية شبه معزولة عن منظومة إعادة التأمين العالمية. أكثر من 85 % من المخاطر الكبرى عالميا تُغطى عبر شركات إعادة التأمين الدولية مثل Swiss Re وMunich Re وHannover Re، والتي تفرض بدورها معايير صارمة للسلامة والبيئة قبل قبول أي محفظة. غياب هذه الشركات عن العراق يعني ارتفاع تكلفة المخاطر، وضعف ثقة المستثمر، وانعدام نقل المعرفة الفنية. فتح هذا القطاع وفق إطار قانوني منظم ليس ترفا ماليا، بل شرط أساسي لبناء اقتصاد قابل للصمود.
وتشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن خمسة من أخطر عشرة تهديدات للاقتصاد العالمي اليوم ذات طبيعة بيئية: تغير المناخ، فقدان التنوع الحيوي، الكوارث الطبيعية، أزمات المياه، وفشل التكيف المناخي. الدول التي استوعبت هذا التحول أعادت تعريف مفاهيم السيادة لتشمل الهواء والماء والتربة كأصول استراتيجية. أما العراق فما زال يتعامل مع البيئة كملف ثانوي.
إن التنمية التي لا تُدمج فيها البيئة والتأمين وإدارة المخاطر ليست تنمية، بل تأجيل منظم للأزمات. فلا استثمار دون بيئة مستقرة، ولا اقتصاد دون إدارة مخاطر، ولا سيادة دون تشريع نافذ. الهواء أصل اقتصادي، والماء أمن قومي، والأرض رأس مال، والغابة بنية تحتية، والتأمين أداة ضبط وطني.
العراق اليوم أمام مفترق حقيقي: إما الانتقال إلى نموذج دولة تربط الصناعة بالبيئة، والاستثمار بالتأمين، والتنمية بالحوكمة، أو الاستمرار في إدارة الانهيار بدل منعه. المطلوب ليس مزيدا من الخطابات، بل قرار سيادي يُلزم تقييم الأثر البيئي لكل مشروع قائم وجديد، ويمنع التشغيل دون موافقة بيئية وتأمينية مشتركة، ويعيد الاعتبار للمحميات الطبيعية، ويفتح السوق لشركات التأمين وإعادة التأمين العالمية، ويؤسس منصة وطنية موحدة لإدارة المخاطر البيئية والصناعية.
فالوطن ليس مجرد جغرافيا وحدود.
هو هواء يُتنفس، وماء يُشرب، وأرض تُورث للأبناء.
وأي دولة لا تحمي بيئتها…
إنما تفاوض مستقبلها على أقساط مؤجلة.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1275 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع