شعراء اللهو والمجون والتوبة النصوح قبل المنون

المحامي المستشار
محي الدين محمد يونس

شعراء اللهو والمجون والتوبة النصوح قبل المنون

المقدمة

تختلف أغراض الشعر وطبيعته من شاعر لآخر من حيث تنظيمه بما يتطابق والسلوك الشخصي للشاعر، ويتلائم مع نوازع الخير والشر والخلق السوي ونقيضه. فمن المعلوم تعدد أغراض الشعر وأنواعه منها:
• شعر الغزل: وهو شعر الحب، وغالباً ما يكتب في حب النساء.
• شعر الوصف: وهو شعر يقوم على وصف الأشياء والأشخاص، ليجعل القارئ يستحضرهم كما هم عليه في الحقيقة عندما يقرأ هذا الشعر.
• شعر المدح: وهو الثناء على ذي شأن بما يستحسن ثناؤه، مثل الأخلاق، والذكاء والعدل والشجاعة.
• شعر الرثاء: وهو إظهار محاسن ومناقب الموتى، وإظهار مشاعر الاشتياق لهم ولذكراهم.
• شعر الهجاء: وهو الشعر الذي ينفي أي محاسن أو صفات حميدة عن شخص أو مجموعة أشخاص.
• شعر الحكمة: الذي يكون قصده نابعاً من الحكمة والإرشاد.
• شعر الفخر: وهو مدح الشخص لنفسه وعشيرته وحزبه، ومكانتهم وبطولاتهم ونسبهم.
• شعر الاعتذار والتوبة: عندما يشعر الشاعر بذنبه وتصرفه الخاطئ المنافي للأخلاق الحميدة والتصرف المقبول اجتماعياً ودينياً.
والذي يهمنا في بحثنا هذا هو عندما يستخلص الشاعر من كل هذه الأنواع من الشعر وأغراضه ليُسخر فكره ومقصده لأغراض تعبر عن وصف وتناول مجالس اللهو والعبث والخمر والمرأة تماشياً مع سلوكه وطبيعته وإحساسه وهواه ويكون عرضة للنقد والتجريح عن هذا السلوك المنافي للدين والأخلاق، ولكنه يتراجع قرب نهاية حياته لينصرف للخير والأخلاق الحميدة لكي يعوض عما فاته، وهنا لابد أن نشير إلى سورة الشعراء حيث يقول الله تعالى:
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (227). ويلاحظ بأن الله سبحانه وتعالى قد استثنى الشعراء الملتزمين بالدين والأخلاق والصفات الحمیدة، تاريخ الشعر والشعراء تذكر لنا العديد من الشعراء الذين انصرفوا إلى اللهو ومجالس العبث والخمور ثم تابوا وقد وقـــع اختيارنــــا للحـــــديث عن الشعراء (أبي نواس( و (عمر الخيام) و (محمود بيرم التونسي). وهم الشعراء الذين انغمسوا في ملذات الحياة وأهوائها وبانت طباعهم ومقاصدهم من خلال ما نتج من نشاطهم الفكري من أشعار جسدت طبيعتهم في التأقلم مع اللهو والعبث وقد وقع اختيارنا على هؤلاء الشعراء الذين ندموا واختاروا الرجوع إلى رحمة الله وطلب غفرانه والاعتراف بعدم صواب النهج الذي كانوا سائرين عليه ونبدأ في الحديث عنهم تباعاً.
1- الشاعر أبو نواس



شكل الشاعر أبو نواس كما تخيله أحد الرسامين

سـيـرته
هو الحسن بن هانئ من الشعراء العرب في العصر العباسي، عاش في القرن (الثاني الهجري 145-198هـ) (الثامن الميلادي 762-813م) في عصر الخلفاء (هارون الرشيد) وابنيه (محمد الأمين) و (عبد الله المأمون).
ولد في الأهواز ونشأ بالبصرة وكان يحضر مجالس علماء الرواية والأدب فيها. يجمع أبو نواس في شخصيته بين العلم الجاد والظرف والفكاهة وقد وصفه بعض الأدباء بأنه أظرف الناس منطقاً وأغزرهم أدباً وأقدرهم على الكلام وأسرعهم جواباً. وقد تنقل في حياته بين البصرة والكوفة وبغداد وجالس شعراء عصره في جميع هذه المدن، يعد أبو نواس شاعر الخمريات في الشعر العربي، أجاد في وصفها ووصف مجالسها مع بعض أهل عصره الذين انحرفوا عن طريق الشريعة الإسلامية الصحيح، كما تميز بشعر الغزل بشكل عام وبالغلمان خصوصاً والمدح والهجاء وقد نظم في جميع أنواع الشعر إلا أن أجود شعره خمرياته اعتــــاد وتلهــــف وعمــل الشاعر (أبو نواس) لبناء علاقات شخصية وطيدة وملازمة الخلفاء والوزراء والامراء وذوي الشأن في المجتمع ابتغاء ومن اجل الحفاظ على ادامة ما جبلت عليه نفسه وهواه في معاقرة الخمرة والمشاركة في مجالس اللهو غير البريئة مع هؤلاء الذوات لكي يستفيد من مجالستهم ومدحهم بما يرزقونه من المال ويتقي شرهم وكسب ودهم وهو الذي لم يكن صادقاً في مدح اي منهم ، توفي هارون الرشيد سنة (١٩٣ هـ - ٨٠٩ م) وخلفه ابنه (محمد الأمين) وكان الرشيد قد اودع أبا نواس السجن لمجونه وتهتكه وخلاعته ويقال بانه وفي ذات يوم من ايام تنصيب (محمد الأمين) قامت جارية تغني بين يديه اعجبه شعر الأغنية فسأل عن قائله فقيل له :
لأبي نواس فرغب في استدعائه فقيل له محبوساً فأمر بإطلاق سراحه وقربه من نفسه لتلائم طبــائع الـرجلين وفي سنة (١٩٦ هـ) نشب الصراع بين (عبد الله المأمون) و(محمد الأمين) على أثر خلع الثاني ولاية العهد من الأول وهو أصغر من أخيه (عبد الله المأمون) بستة أشهر لأن الأخير امه جارية فارسية أما (محمد الأمين) فامه حرة هاشمية وهنا يمكن أن نتسائل عن تداعيات هذا القرار على العلاقة بين الأخوين وزاد في الطين بله ما قام به (محمد الأمين) من خطوة إضافية عندما عزل (عبد الله المأمون) من ولاية العهد بعد فترة من تنصيبه خليفة للمسلمين حيث أشار عليه بعض المحيطين من المقربين منه بخلع (عبد الله المأمون) والبيعة لابنه (موسى) فاشتدت العداوة بين الأخوين (محمد الأمين) و(عبد الله المأمون) وانعزلا عن بعض واستقر (عبد الله المأمون) في خراسان وانصرف يعد العدة ليوم الثأر والانتقام من أخيه (محمد الأمين) ثم وقعت الحرب بينهما وانتصر (عبد الله المأمون) فيها وتلقى من جيشه رأس (محمد الأمين) تعبيراً عن نهاية هذا الصراع بين الأخوين على السلطة والجاه. وكــــــان ذلك في عام (198 هـ) وفي هذا الشأن وتداعيات تفضيل هارون الرشيد لابنه (محمد الأمين) على أخيه (عبد الله المأمون) في جعله متقدماً عليه في ولاية العهد آثار كارثية على الخلافة العباسية وما نتج عن ذلك من عداء وفرقة بين أولاده ويقول أحد الشعراء فيما حصل:
ودمع العين يطرد اطرادا
ستلقي ما سيمنعك الرقادا
يطيل لك الكآبة والسهادا
بقسمته الخلافة والبلادا
لبيض من مفارقه السوادا
خلافهم ويبتذلوا الودادا
وأورث شمل ألفتهم بدادا
وسلس لاجتنابهم القيادا
لقد أهدى لها الكرب الشدادا
وألزمها التضعضع والفسادا
زواخر لا يرون لها نفادا
أغيا كان ذلك أم رشادا

أقول لغمة في النفس مني
خذي للهول عدته بحزم
فإنك إن بقيت رأيت أمراً
رأى الملك المهذب شر رأي
رأى ما لو تعقبه بعلم
أراد به ليقطع عن بنيه
فقد غرس العداوة غير آل
وألقح بينهم حربا عواناً
فويل للرعية عن قليل
وألبسها بلاءا غير فان
ستجري من دمائهم بحور
فوزر بلائهم أبداً عليه

لقد تماديتُ في الحديث عن الخليفة العباسي (محمد الأمين) وعلاقاته الشخصية المتميزة مع الشاعر (أبو نواس) ونشاطاتهم المشتركة في مجـــالس اللهو والانتشاء بالمِيّ والغلمان، وهذا هو حال دولتنا وسلطاننا وعنوانهـــا دولة الاسلام وكل مخالفة للشرع والأخلاق كان يبرر ممارستها بالجواز اذا لم تكن تؤثر على ديمومة وبقاء الدولة العباسية وخليفتها يسير على نفس المنوال في ممارسة الفحش ونكير الأعمال ومصاحبة ذوي الســــمعة الشائنة كشاعرنا (أبو نواس) شاعر الخمر والمجون، بدون منازع على مر الأزمان واتخاذه نديماً له لا يفارقه رغم اختلاف مكانتهما وعلو شأن الخليفة ومقامه الديني والدنيوي.
ابو نواس توبته ومماته
الشاعر ابو نواس قضى عمره وهو يعيش حياة اللهو والمجون واتيان ما يخالف الشرع والاخلاق والقيم الاجتماعية السوية وهو صاحب هذا البيت من الشعر المشهور المحدد لمنهجه في الحياة:
دع عنك لومي فان اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء

استمر على هذا النهج من العيش لأواخر حياته عندما تاب ورجع الى الله سبحانه وتعالى عن طريق ملكة الشعر الذي كان قد سخرها للكفر والمجون وختمها بأبيات شعر في منتهى القوة والتأثير في التوبة والزهد حيث يقول:

يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبـي كَثرَةً
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحـــسِنٌ
أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعاً
ما لي إِلَيكَ وَســيلَةٌ إِلا الـــرَجا
فَلَقَد عَلِمتُ بِـأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُـجرِمُ
فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ
وَجَميلُ عَفــــوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ

لقد ذكر بعض المؤرخين أن هذه الابيات وجدت مكتوبة بخطه تحت وسادته عند وفاته كنوع من الابتهال وطلب المغفرة من الله تعالى ومن أهم الروايات أنه أوصى بأن تقرأ هذه الأبيات بعد موته، أما القصيدة الأخرى والتي تعتبر من أجمل الأناشيد الدينية المليئة بالخشوع والورع والتقوى وقد أنشدها العديد من المغنيين والمنشدين في المناسبات الدينية المختلفة وخاصة في أوقات وموسم الحج فهي:
إِلَهَنــــا مــــا أَعدَلَك
لَبَّيكَ قَـــــد لَبَّيتُ لَـك
وَالمُلكَ لا شَـريكَ لَك
أَنتَ لَهُ حَيثُ سَــــلَك
لَبَّيكَ إِنَّ الــــحَمدَ لَك
مَليكَ كُلِّ مَن مَلَـــك
لَبَّيكَ إِنَّ الحَمدَ لَـــك
مـــا خابَ عَبدٌ سَأَلَك
لَولاكَ يـــا رَبُّ هَلَك
وَالمُلكَ لا شَريكَ لَك

يا للصدفة العجيبة وأنا منهمك في تدوين نهايات حديثي عن الشاعر (أبو نواس) وإذا بفتاة جميلة المنظر والمظهر تطل علينا من أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تتحدث عن هذا الشاعر مبتسمة ومعجبة به وبشعره، وهي تقول: كان الشاعر (أبو نواس) مشهوراً بالفسق والمجون وشرب الخمر حتى أنه لقب بـ "شاعر الخمر".



هيام دباس على منصات التواصل الاجتماعي

وهذه الأبيات من شعره:
دع المســـــاجد للـــعباد تسكنها ... وطف بنا حول خمار ليسقينا
ما قال ربك ويل للذين سكروا ... ولكن قــــــــال ويل للمصلينا
فأراد الخليفة هارون الرشيد ضرب عنقه بسبب شعره الماجن فقال:
يا أمير المؤمنين... الشعراء يقولون ما لا يفعلون...
فعفا الخليفة عنه.
ولما مات رفض الإمام الشافعي أن يصلي عليه، ولكن عند تغسيله وجدوا في جيبه هذه الأبيات (يا رب إن عظمت ذنوبي) سالفة الذكر، ولما قرأ الإمام الشافعي هذه الأبيات بكى بكاءً شديداً وقام للصلاة عليه هو وجميع من حضر من المسلمين، المتألقة (هيام دباس) تُشكر لتناولها حياة هذا الشاعر ونحن بصدد الحديث عنه في بحثنا هذا، بهذا نكون قد انتهينا من ذكر سيئات وحسنات الشاعر (أبو نواس) وتسخيره لملكته الشعرية المتميزة للتعبير عن فسقه وفجوره ومن ثم للتعبير عن توبته وخشوعه لله تعالى في الوقت الضائع، لقد صاحب الخلفاء والوزراء والامراء واعيان القوم وشاركهم مجالسهم في اللهو والسكر والفحش والقول المنكر وخلالها ربما تعرض لعشرات المرات للتهديد بقطع رأسه جراء فسقه وفجوره وعشرات المرات حاز على رضاهم واعجابهم عن تصرفاته السيئة المماثلة، وحصل منهم على مكافئات مجزية مالية ومعنوية على ضوء مزاج الخليفة وسماته الشخصية واطواره هذه المكانة وهذا الاعتبار للشاعر لدى السلطة جعلته بمنأى عن المسائلة من الحاقدين عليه والرافضين لسلوكه المنافي للدين والقيم الأخلاقية للمجتمع خوفا من ان يمسهم بلسانه السليط وتجنبا من الإيقاع بهم من قبل أولي الامر وتأثيره عليهم.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

954 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع