الدكتور فاضل البرّاك .. مقابلة صحفية نادرة

أحمد العبداللّه

الدكتور فاضل البرّاك.. مقابلة صحفية نادرة

هذه وثيقة مهمة مضى عليها أكثر من أربعين عاما, وهي مقابلة صحفية نادرة مع الدكتور فاضل البرّاك؛ مدير جهاز المخابرات؛(1984-1988),نشرتها مجلة(ألف باء)العراقية بتاريخ 18 تموز 1984. والمقابلة التي أجراها رئيس تحرير المجلة(كامل الشرقي), ربما هي الوحيدة, لأن إجراء المقابلات مع مدراء الأجهزة الأمنية في العراق(البعثي)تكاد تكون من(المحرمات)!!. وتمتنع وسائل الإعلام, بتوجيهات مركزية, عن نشر صورهم أو الإشارة لأسمائهم أو ذكر نشاطاتهم, إلّا في حالات قليلة جدًا ومحدّدة. وحتى في هذه المقابلة, لم يتم الإشارة لمنصبه, بل جرى التعريف فقط بصفته الحزبية.

ابتدأ(كامل الشرقي)حديثه بتقييم شخصية الدكتور البرّاك, بقوله؛(معرفة بالتاريخ الوطني والقومي, وذاكرة شخصية يقظة؛ هذا ما لاحظته حين كنت أتحدّث مع الرفيق الدكتور فاضل البرّاك). مُعتبرًا المقابلة بمثابة؛(كسب صحفي لمجلة ألف باء ولقرّائها). وهذا الشُّح في الثناء على رجل يستحق أكثر من ذلك بكثير, مردّه إن الإعلام العراقي بعد عام 1980, وبتوجيهات عليا, سار على مبدأ؛(وحدانية الرمز)!!. وبالتالي لا يجب أن ينافس أحد(الرئيس القائد)في المدح والثناء, حتى لو كان مستحِقًا له.

يروي الدكتور فاضل البرّاك؛ إنه تعرّف على صدّام حسين للمرة الأولى في نهاية الأربعينات تقريبا, إذ إنهما من سكنة قرية واحدة هي(العوجا), وكانوا يمارسون ألعابا؛(تُنمّي حسّ الرجولة المبكر لديهم, ويتنافسون لإظهار مكامن شجاعتهم). وقد شدّه في ذلك اللقاء, نزعة صدّام حسين القيادية المبكرة, وترك انطباعا عميقا لديه, وظلت صورته عالقة في ذهنه ولم يغب عن باله. ثم افترقا بانتقال عائلة البرّاك إلى(بيجي), فدرس فيها الإبتدائية, وبعدها انتقلوا لمدينة سامراء, حيث درس المتوسطة هناك.

ويضيف الدكتور البرّاك؛إنه ارتبط بحزب البعث العربي الاشتراكي في عام 1957, عندما كان في سامراء, وبعد انقلاب 14 تموز 1958 عاد إلى تكريت لاستكمال دراسته الثانوية, وطيلة هذه الفترة لم يلتقِ بصدّام حسين. حتى سمع بمشاركته في عملية اغتيال عبد الكريم قاسم سنة 1959, وبدء ملاحقة السلطة للبعثيين وخاصة الطلبة منهم. فتم اعتقال فاضل البرّاك في نهاية تلك السنة(1959), وتم تقديمه للمحكمة وفُصل من الدراسة. ثم توجّه إلى بغداد وبعدها رجع إلى(بيجي), حيث أنهى دراسته الثانوية في أحد مدارسها الأهلية عام 1962.

وفي منتصف الشهر العاشر من سنة 1962, تم قبوله في الكلية العسكرية (الدورة 41), وبعد قيام حركة 8 شباط 1963, وخلال إحدى إجازات نهاية الأسبوع لأهله في تكريت, نما لسمعه إن صدّام حسين موجود فيها لحلّ قضية اجتماعية, فتوجّه للمجلس المزدحم الذي كان يتواجد فيه صدّام, فرآه جالسا وسط وجهاء المدينة وشخصياتها الاجتماعية البارزة, وكان كما يصفه؛(يتحدث بصوت جهوري واضح النبرات يتّسم بثقة عالية بالنفس وبعبارات تنمّ عن عقل راجح يحمله إنسان مجرب صقلته السنون... وقد كان الحاضرون ينصتون إليه ويركّزون أنظارهم عليه باحترام, ويستمعون له بتقدير وإعجاب).

ويُكمل البرّاك حديثه قائلا؛عندما انتهى صدّام من حديثه, سارع الجميع لتحيته, وكنت أحدهم, وكان يقف بجانبه أحمد طه العزوز السامرائي. وكان هذا هو لقائي الثاني به بعد عقد ونصف تقريبا من لقائي الأول معه. وبعد أن صافحته, قلت له:(أظن بأنك لم تعرفني؟)..فأجابني:(بل عرفتك تماما.. وسمعت أنك انتميت إلى الحزب وأصبحت بعثيا). وخلال هذه الفترة كان فاضل البرّاك هو مسؤول التنظيم الحزبي في الكلية العسكرية.

وبعد انقلاب الرئيس عبد السلام عارف على حزب البعث وانفراده بالحكم في 18 تشرين الثاني 1963, صار صدّام حسين مسؤولا عن المكتب العسكري, وكان فاضل البرّاك يرتبط به تنظيميا بشكل مباشر, لغاية توقيف البرّاك في معتقل الكلية العسكرية لمدة ستة أشهر في عام 1964, وصمد خلال التحقيق, ولم يستطع المحققون انتزاع أي شيء منه. ولما لم يجدوا مستمسكا ضده, نقلوه لسجن رقم واحد في معسكر الرشيد, حيث التقى بصدّام حسين الذي اعتُقل هو الآخر في منتصف الشهر العاشر عام 1964, وكان موقوفا في زنزانة تقابلهم وتفصلهم عنه ساحة صغيرة.

تم الإفراج عن فاضل البرّاك لعدم وجود دليل ضده, فكلّفه صدّام حسين بأن يحلّ محله في قيادة التنظيم العسكري, وكتب له أسماء الضباط الذين عليه إدامة الصلة بهم على(لفافة تبغ), وطلب منه إرسال التقارير عن نشاطه مع الأشخاص الذين يواجهونه شهريا, وقال له؛(اعتبر نفسك مفرّغًا للعمل الحزبي في التنظيم العسكري). واستمر على هذا المنوال لحين هروب صدّام حسين من السجن في تموز 1966.

ثم يسرد الدكتور البرّاك قصة مشاركته بالإعداد والتنفيذ لـ(ثورة 17 تموز), وتبليغه بالتهيّؤ قبل يومين من موعدها, وكان حينها آمر فصيل في قاعدة الوليد الجوية وبرتبة(ملازم), ومسؤول المنظمة الحزبية فيها. وعندما قامت(الثورة)سيطروا على القاعدة بسهولة. وفي اليوم التالي أُبلغ بالعودة لبغداد, فالتحق بالقصر الجمهوري وقابل الرئيس أحمد حسن البكر, وتم تنسيبه لمنصب آمر سرية في الفوج الثاني الآلي/اللواء المدرع العاشر. وبعد 30 تموز 1968, تم تنسيبه آمرًا لقوة حماية الإذاعة, وبقي في هذا الموقع مدة ستة أشهر. وبعدها تم نقله لمنصب ضابط استخبارات كتيبة دبابات الحرس الجمهوري, ثم ضابط أمن القصر الجمهوري, وبعدها تم تعيينه مرافقا لرئيس الجمهورية, وبقي فيه إلى أن تم نقله لموسكو في عام 1970 معاونا للملحق العسكري, ومسؤول التنظيم الحزبي في الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية.

وخلال السنوات السبع التي قضاها في موسكو لغاية نقله لمنصب مدير الأمن العام أواخر عام 1976, تعززت علاقته بصدّام حسين كثيرا, وصار من المقرّبين إليه, وكان يلتقيه؛في موسكو خلال زيارات صدّام للاتحاد السوفيتي, أو في بغداد خلال زيارات البرّاك للعراق, وكانت بينهما مراسلات شخصية عديدة. كما أصبح اعتبارا من عام 1977, عضوًا في المكتب العسكري للحزب, والذي يشرف عليه صدّام حسين.

كانت تلك الاستذكارات التاريخية أهم ما ورد في تلك المقابلة بصفحاتها الإحدى عشرة, والتي كنتُ قد اقتطعتها من عدد المجلة في حينه, وعثرتُ عليها ضمن أوراقي ووثائقي القليلة التي نجت من السلب والحرق الذي قامت به شراذم وحثالات(أحفاد القرامطة), لما استباحت ديارنا, ونهبت وأحرقت منازلنا في 2014, وما بعدها.
***
المقال السابق من هذه السلسلة؛
صدّام حسين:ذبحْنا فاضل البرّاك(خطأً)!!!..
https://www.algardenia.com/video-2/70065-2025-12-30-11-24-42.html

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1103 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع