بدري نوئيل يوسف
المؤامرة الكبرى أمريكا تسرق الغيوم!
ملف سرقة الغيوم الجريمة التي حيّرت العالم حين تصبح الغيوم ضحية السياسة
يبدو أن عالمنا اليوم لم يعد يقتصر على سرقة الثروات أو الأفكار، بل وصل الأمر إلى حد سرقة الغيوم! هكذا صرح أحد النواب بكل ثقة، مؤكداً أن أمريكا نهبت غيومنا كما تنهب كنوز الأرض. ما كان ينقصنا سوى أن نضيف إلى قائمة المسروقات العالمية بند "غيوم مسروقة"، ليصبح لدينا دليل إدانة جديد لأمريكا التي لا تمل ولا تكل من الإبداع في انتقاء ضحاياها.
في زمنٍ كنا نظن فيه أن السياسة تُناقش قضايا الأرض، اكتشفنا فجأة أن السماء أيضاً دخلت في جدول الأعمال. فبينما كان الناس ينتظرون حلولاً لأزمات البطالة والاقتصاد والكهرباء، خرج علينا نظرية جديدة ومبتكرة: أمريكا سرقت الغيوم.
المشهد السياسي الذي لا يخلو من الكوميديا السوداء، سرقة الغيوم حدث تاريخي سيُدرّس قريبًا في كليات الأرصاد الجوية البديلة، مفاده أن " سرقت الغيوم".
نعم، لم تعد الأزمات تُقاس بالاقتصاد أو الخدمات أو البنية التحتية، بل دخلنا رسميًا عصر "الاحتلال المناخي"، حيث تتحرك الغيوم وفق جداول أعمال خارجية، وتُمطر فقط بعد الحصول على تأشيرة من السفارة الأمريكية.
وبحسب النظرية الجديدة، فإن الغيوم كانت في السابق مواطنة صالحة، تمطر في موسمها، وتلتزم بالقوانين المحلية، لكنها، ويا يا للأسف، تعرضت لعملية "استدراج جوي" عبر الأقمار الصناعية، حيث تم إغراؤها بالعيش في أجواء أكثر حرية، مع رطوبة أعلى وحقوق تكاثف أفضل.
نعم، الغيوم. تلك الكتل البيضاء التي كانت تتسكع فوق رؤوسنا منذ آلاف السنين بلا حراسة ولا كاميرات مراقبة. يبدو أنها أخيراً وقعت ضحية أكبر عملية سرقة في التاريخ الحديث.
الغريب أن أجهزة الأمن لم تصدر بياناً بعد. لم نسمع عن بلاغ رسمي بعنوان:
"سرقة عدد غير محدد من الغيوم، اللون: أبيض رمادي، آخر ظهور فوق المدينة".
في زمنٍ عجزت فيه الحكومات عن حلّ أزمات الأرض، قرر بعض السياسيين أخيراً أن يرفعوا سقف النقاش حرفياً إلى السماء. فقد اكتشف أحد النواب نظرية مذهلة: أمريكا سرقت الغيوم ولم يكتفِ بالاتهام، بل فتح باباً واسعاً للتساؤلات العلمية العميقة: لكن الحقيقة أن هذه النظرية تمنحنا أملاً كبيراً. فإذا كانت أمريكا قد نجحت فعلاً في سرقة الغيوم، فهذا يعني أن البشرية وصلت إلى مستوى تقني خارق: التحكم الكامل في السماء. وربما قريباً سنسمع عن دولٍ تسرق قوس قزح، أو شركات خاصة تؤجر العواصف بالساعة.
لكن لنتخيل لحظة تفاصيل العملية.
ربما اجتمع البنتاغون في غرفة مظلمة، ووقف الجنرال أمام خريطة العالم قائلاً:
"أيها السادة… النفط أخذناه، الغاز أخذناه… بقيت الغيوم."
تخيلوا معي جلسة في الكونغرس الأمريكي حيث يجلس النواب يتجادلون حول كيفية تهريب الغيمة رقم ١٠٢٤ عبر الأطلسي دون أن يراها أحد. وربما يجتمعون في غرفة سرية مع علماء الطقس، يتفقون على تحويل الغيوم إلى رموز مشفرة لا يفك شيفرتها إلا جهاز استخباراتهم. وهل يا ترى سيتم وضع الغيوم المسروقة في بنوك طقس سرية، أم ستباع في سوق سوداء للمطر؟
لا بد أن ضحكتنا هنا ليست على سرقة الغيوم وحدها، بل على قدرة الخيال السياسي على اختراع روايات قد تفوق أفلام هوليوود غرابةً. وربما يوماً ما سنسمع عن مؤتمر عالمي لاستعادة الغيوم، وتعيين مفاوضين متخصصين في إعادة المطر إلى أوطانه الأصلية. حتى ذلك الحين، علينا أن نحرس غيومنا جيداً، فقد تكون أمريكا على وشك إرسال طائراتها لجمعها في أقرب فرصة!
ولا يستبعد مراقبون أن تكون الغيوم قد حصلت أيضًا على اللجوء السياسي، بعد أن عانت من الإهمال وسوء الإدارة، وربما صرّحت في مقابلة حصرية مع قناة دولية: "لم نعد نحتمل التبخر المجاني".
في المقابل، لم يصدر أي تعليق رسمي من الغيوم حتى الآن، لكن مصادر مطلعة تشير إلى أن بعضها شوهد فوق أوروبا، يستمتع بإجازة ممطرة، بينما لا تزال غيوم أخرى عالقة في المطارات بانتظار ختم الدخول.
أما المواطن، الذي كان يعتقد أن مشكلته مع انقطاع الكهرباء أو شح المياه، فقد اكتشف أخيرًا أن القضية أكبر بكثير: إنها مؤامرة سماوية معقدة، أبطالها الغيوم الهاربة، وسيناريوهاتها تُكتب في مكاتب لا تعرف الفرق بين الطقس والسياسة.
وفي انتظار استعادة السيادة على السماء، يبقى الأمل معقودًا على تشكيل لجنة تحقيق عليا، قد تتمكن بعد عدة سنوات من استجواب إحدى الغيوم العائدة، إن قررت يومًا أن تزور الوطن دون خوف. إلى ذلك الحين، ننصح المواطنين بعدم الوثوق بأي غيمة عابرة، فقد تكون "عميلة".
ربما من يسأل كيف تمت السرقة؟ بعدما قرر البنتاغون تنفيذ العملية
هل جاءت طائرات أمريكية عملاقة تحمل شباكاً لصيد الغيوم؟
أم أن وكالة الفضاء خصصت وحدة خاصة لتهريب السحب ليلاً عبر الأقمار الصناعية؟
قد يتخيل المرء مشهداً هوليوودياً مذهلاً: كوماندوز أمريكيون يقفزون بالمظلات فوق السماء العربية، يربطون الغيوم بالحبال، ثم يسحبونها بهدوء نحو ولاية تكساس حيث يتم تخزينها في مستودعات سرية بجانب النفط والقمح.
أما المواطن البسيط، فبقي ينظر إلى السماء الفارغة ويتساءل:
هل سُرقت الغيوم فعلاً… أم سُرقت عقولنا ونحن لا ندري؟
وفي النهاية، قد لا نعرف من سرق الغيوم، لكن المؤكد أن الخيال السياسي في منطقتنا ما زال أغزر من المطر نفسه.
لكن ربما المشكلة ليست في سرقة الغيوم، بل في أننا صدقنا للحظة أن هذا تفسير منطقي. فبدلاً من البحث في إدارة المياه أو التخطيط أو المناخ، وجدنا الحل السهل: هناك لص في السماء اسمه أمريكا. ولو استمر هذا المنطق، فسنستيقظ غداً على تصريحات أخطر:
• القمر اختفى لأن دولة ما استأجرته سياحياً.
• والرياح توقفت لأن شركة أجنبية اشترت حقوق تشغيلها.
• أما الشمس فقد تم خصخصتها وتعمل الآن بنظام الاشتراك الشهري.
وفي النهاية، بينما ينظر المواطن إلى السماء الفارغة، قد يكتشف حقيقة بسيطة جداً:
الغيوم لم تُسرق…
لكن المنطق هو الذي اختفى منذ زمن. والمدهش أن هذه النظرية حلّت كل المشاكل دفعة واحدة.
لا حاجة للحديث عن الجفاف، أو سوء الإدارة، أو تغيّر المناخ. كل ما في الأمر أن هناك لصاً عملاقاً في السماء اسمه أمريكا، يحمل كيساً كبيراً مكتوباً عليه: "غنائم جوية".
الخاتمة.
لا تقلقوا… المطر لم يتأخر، لقد سُرق فقط.
ولو استمر هذا المستوى من العبقرية التحليلية، فقد نصل قريباً إلى اكتشافات أخطر:
البحر انخفض منسوبه لأن دولة ما تشفطه ليلاً بالأنابيب.
والزلازل سببها أن أحدهم يحرك الأرض قليلاً ليزعجنا.
أما العقول فهي الشيء الوحيد الذي اختفى فعلاً، لكن لا أحد يبحث عنه.
وفي النهاية، قد تكون الغيوم بريئة من كل هذه القصة.
فهي لم تُسرق…
بل ربما هربت بنفسها، بعد أن سمعت ما يُقال عنها هنا على الأرض.
مبروك لمجلس النواب على المواهب والأفكار الحديثة.

689 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع