اليهود في الأدب الروسي الكلاسيكي

د.جابر أبي جابر

اليهود في الأدب الروسي الكلاسيكي

في عام ١٧٩٥، ونتيجةً للتقسيم الثالث لبولندا، أصبحت الإمبراطورية الروسية الدولة، التي تضم أكبر جالية يهودية في العالم. وقد اتسمت حياة اليهود في هذه الإمبراطورية بلوائح قانونية صارمة، وعزلة اجتماعية، وفترات من العنف الشديد، وهو ما انعكس بوضوح في الأدب والفن والمذكرات في تلك الحقبة. وقد اقتصرت إقامة غالبية السكان اليهود قانونياً على المقاطعات الغربية. وأدى ذلك إلى خلق بيئة ثقافية فريدة من نوعها تُعرف باسم "المعزل اليهودي" حيث حُفظت العادات والتقاليد، واللغة اليديشية، والحكم الذاتي الديني. وشملت هذه المنطقة الواسعة ليتوانيا وبولندا وبيلوروسيا وأوكرانيا وبسارابيا (مولدافيا).
وقد واجه اليهود حصصاً محددة للقبول في المؤسسات التعليمية الروسية وقيوداً على الخدمة المدنية. واقتصرت الاستثناءات (حق الإقامة في أي مكان) على تجار االدرجة الأولى، والأشخاص ذوي التعليم العالي، والأطباء. وشهدت العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين موجات من العنف، كان أشدها دموية مذابح الأعوام1881 -1882 و1903-1905. وأسفر ذلك عن هجرة جماعية (بشكل رئيسي إلى الولايات المتحدة) وإلى تطرف الشباب اليهودي.
وعلى الرغم من القيود القيصرية، لعب اليهود دوراً هاماً في التجارة والصناعة والقطاع المالي، كما أنشأوا شبكة من المستوطنات الزراعية اليهودية في جنوب البلاد.
في "الفرسان الحمر" و"حكايات أوديسا"، يصوّر الكاتب السوفيتي اليهودي إسحاق بابل انحدار العالم التقليدي ومشاركة اليهود الواسعة في الحركات الثورية. ونجد في الأدب الروسي الكلاسيكي: مواضيع وصوراً يهودية عن "الرجل الصغير" من الأوساط اليهودية " ، الذي يتعرض للاستهزاء في أعمال بوشكين وليرمنتوف وغوغول وتورغينيف و.ليسكوف ودوستويفسكي وسالتيكوف-شيدرين وتشيخوف.
بوشكين- ضمت أعمال بوشكين ممثلين عن العديد من الجنسيات. وتشمل هذه الجنسيات، بطبيعة الحال، الروس، بالإضافة إلى الفنلنديين والجورجيين والأرمن والشيشان والمولدوفيين واليونانيين والفرنسيين والإنجليز والإسبان والسويديين والأوكرانيين والغجر والتتار والعرب واليهود - يصعب حصرهم كلهم. وهم جميعاً متساوون؛ لا يُفضّل أحد على آخر، مع وجود بعض الاستثناءات.
لم تكن الشخصيات اليهودية محوراً أساسياً في معظم أعمال ألكسندر بوشكين، لكنها ظهرت في بعض مؤلفاته ضمن سياقات تعكس النظرة الأدبية السائدة في عصره، وغالباً ما ارتبطت بصفات نمطية مثل "المرابي" أو "السمسار".
يُعد اليهودي سولومون من مسرحية "الفارس البخيل" أبرز الشخصيات اليهودية في أعمال بوشكين. وهو الشخصية اليهودية الأكثر شهرة وإثارة للجدل في أدب بوشكين. ويظهر سولومون في هذه المسرحية بصفة مرابٍ يحاول إغراء الفارس الشاب "ألبرت" باستخدام السمّ ليتخلص من والده البخيل ويحصل على ثروته. وقد تعرضت هذه الشخصية لانتقادات لاحقة بسبب تصويرها بملامح معادية للسامية وعكسها للقسوة أو الدهاءً في التعامل مع المال.
إن ألبرت، الذي اضطر إلى الاقتراض من سولومون، تحدث إليه في البداية بودٍّ ظاهري، لكن دون مواربة. لقد أدرك تماماً أن اليهودي لا يستطيع الرد على إهاناته؛ فهو ليس فارساً؛ وليس له الحق في تحديه إلى مبارزة حيث أنه أعزل. لنتذكر بعضاً من خطابات ألبرت إلى سولومون: "أيها اليهودي اللعين، "اسمع: ألا تخجل من عدم إنقاذ أصدقائك؟"، "أنت تكذب أيها اليهودي..."
ومع ذلك، يمنح بوشكين هذا اليهودي الحكمة ليس فقط لفهم رغبات ألبرت الخفية، بل أيضاً لاستشراف استعداده المحتمل لقتل والده. وعندما يتأكد من ذلك فقط، يسمح لنفسه بالتعبير عن فكرة إجرامية بالتخلص من البارون، وهي فكرة تثير غضب ألبرت.
في هذه المسرحية يصوّر بوشكين اليهودي سولومون على غرار ما نجده في الأدب الغربي. فهو جشع وماكر ومُغرٍ بالخطيئة (قتل البارون)، ومن جهة أخرى يعيش في بيئة من الإذلال المستمر من جانب المسيحيين.
في قصيدة " مصباح في كوخ يهودي،..." يُظهر بوشكين تعاطفه مع الشخصيات من خلال وصف مشهد يومي. شابة يهودية تبكي على مهد فارغ، بينما يجلس شاب يهودي بالقرب منها، غارقاً في أفكاره. وتخلو هذه القصيدة من الدلالات السلبية، التي تميّز اليهود في أعمالًا أخرى.
وفي "الأخوان اللصان" تذكر القصيدة "يهودياً ذا شعر أسود مجعد" بين الحشد المتهور على ضفة النهر، مما يشكل صورة رومانسية للّص. ويوحد الشاعر "عصابة الجرأة" بأكملها في عائلة واحدة، كما لو كان يؤكد أن اللصوص لا جنسية لهم.
يُرى هارب من ضفاف الدون المحارب،
ويهودي ذو شعر أسود،
وأبناء سهوب متوحشون
كالميكي، وباشكيري قبيح،
وفنلندي أحمر الشعر، وغجري كسول عاطل
في كل مكان، غجري متجول
خطر، دماء، فساد، خداع —
جوهر روابط عائلة رهيبة
كما استلهم الشاعر بعض المواضيع التوراتية ومنها، على سبيل المثال، في قصيدته "عندما كان الحاكم الآشوري..." (1835)، المُهداة إلى البطلة التوراتية يهوديت، كما ذكر داود وجالوت في أبيات شعرية قصيرة.
طوّر بوشكين صورة "اليهودي التائه" الأسطورية، التي لاقت صدىً لدى اهتمامه بالرحّالة الرومانسيين وموضوع المنفى.
وعلى العموم تتضمن أعمال بوشكين وصفاً لحياة اليهود اليومية (مثل الدائن اليهودي، الذي يتذكر معاصروه أنهم التقوا به في الواقع) وصوراً توراتية. كما تضم أعماله، أحياناً، مواضيع معادية للأتراك، حيث أنها تشير إلى أعمال انتقامية ضد اليهود. ويرى بعض الباحثين شيوع الصور النمطية المعادية للسامية في مشاهد الفارس البخيل، والتي كانت شائعة في تلك الحقبة.
في قصيدة "رسلان ولودميلا"، نجد من بين منافسي رسلان، صديقه النبيل الوحيد "خان الخزر الشاب راتمير" والمعروف أن اليهودية كانت الدين الرسمي للدولة. ومن غير المرجح أن يكون بوشكين قد أخذ هذا الأمر في الحسبان. فقد اختار الشاعر أبطاله على طريقته الخاصة، سواء كان الساحر الطيب فين (وهو فنلندي الأصل) أو مواطنته الساحرة ناينا.
يظهر اليهودي في قصة "ابنة الآمر" التاريخية بدور صاحب نزل أو وسيط يقدم خدمات عابرة للأبطال. ويُصوّر بوشكين هنا هذا اليهودي كشخصية ثانوية تعمل في التجارة أو إدارة الحانات في المناطق الحدودية الروسية، وهي مهنة كانت شائعة لدى اليهود في أوروبا الشرقية آنذاك.
كتب بوشكين قصائد قصيرة تتناول مواضيع يهودية أو مستوحاة من الأجواء التوراتية، حيث تميل هذه الأعمال إلى استحضار الروح الشرقية أو التاريخية بدلاً من تقديم شخصيات معاصرة متكاملة. وقد اعتمد، في كثير من الأحيان، على الصور النمطية المتداولة في الأدب الكلاسيكي الروسي والأوروبي (مثل شايلوك عند شكسبير)، حيث كان يُنظر لليهودي كعنصر غريب مرتبط بالمال.
ورغم هذه الصور النمطية، كان بوشكين يُعرف بـ "الحساسية العالمية"، حيث اهتم برسم ملامح الشعوب المختلفة (مثل الغجر، والعرب في "محاكاة القرآن"، والأفارقة في "زنجي بطرس الأكبر") كجزء من محاولته لاستيعاب التنوع الإنساني في أدبه.
يخلص عالم اللغة والمؤرخ سافيلي دوداكوف، خلال تحليله لأعمال بوشكين، في كتابه "تاريخ أسطورة" (موسكو، ١٩٩٣) قائلاً: "بالنسبة لبوشكين، الذي حلم بترجمة سِفر أيوب، لم تكن مسألة اليهود واضحة المعالم، تحديداً لأنه لم يُقيّم دورهم في الحياة الروسية من منظور سياسي- دولي."
في قصيدته "عاش بيننا"، المُهداة إلى آدم ميتسكيفتش، حَلِم بوشكين، مع الشاعر البولندي، بالأزمنة القادمة:
حين تنسى الأمم صراعاتها،
وتتحد في أسرة واحدة عظيمة.
ويا للأسف! حتى في عصرنا هذا، يبقى الأمر مجرد حلم.
ليرمنتوف- تناول ليرمونتوف مواضيع يهودية بشكل متكرر في أعماله مما أثار تساؤلات عديدة لدى القراء.
وقد كُرّست مسرحية "الإسبان" الشعرية (1830) بالكامل تقريباً لمسألة وضع اليهود في العالم المسيحي. وعلى الرغم من العنوان، فإن أبطالها الإيجابيين كانوا يهوداً: الشيخ موسى، وابنته نعومي، وخادمته سارة، وابنه الدون ألفاريز فرناندو. وإن المفهوم العام للمسرحية، والمواقف المأساوية، والتناقض الحاد بين الفضيلة والرذيلة، وإرغام أسمى الفضائل في عالمنا، أحياناً، على سلوك درب الجريمة، بالإضافة إلى المونولوجات المؤثرة - كل ذلك أخذه المؤلف من مسرحية "اللصوص" لشيلر، واقتبس بعض الأمور من بايرون. ومع ذلك، فإن حبكة المسرحية، وصياغة المسألة اليهودية وحلها، تشهد على تأثرها بمسرحية "ناثان الحكيم" لغوتهولد ليسينغ، ورغم كل ذلك تظهر أيضاً استقلالية ليرمونتوف الملحوظة في تطور الحبكة.
تدور أحداث المسرحية في إسبانيا خلال حقبة محاكم التفتيش؛ حيث يُضطهد اليهود، وتسود العداوة المتبادلة والحقد والجشع والخيانة بين المسيحيين أنفسهم. ينقذ شاب إسباني نبيل يُدعى فرناندو رجلاً يهودياً مسناً اسمه موسى من ملاحقة المسيحيين، الذين يضطهدونه. كان هذا العمل استثنائياً لدرجة أن اليهودي المذهول صاح قائلاً: "أقسم بالقدس أنه ليس مسيحياً! ... إنه الحق". بعد أيام قليلة، قال له موسى: "ها هو ذا أمامك - يهودي مضطهد من جانب قومك، لكنك أنقذتني، وأنا مدين لك بالوفاء، رغم أنني محتقر في وطنك. لذا، يا ابنتي، ها هو منقذي". علّق فرناندو قائلاً: "هؤلاء مجرد يهود فقراء... ما الحاجة إلى اضطهادهم؟ فكلنا، جميعاً، بشر".
وفي النهاية، يتضح أن فرناندو ليس إسبانياً، بل هو الطفل الذي ضاع في ظروف مأساوية، ابن موسى نفسه، والذي ربّاه إسباني. خلاصة المسرحية أن المسيحيين لا يملكون الحق في كراهية اليهود واحتقارهم، وأن الهوة التي تنشأ بين الناس بسبب اختلاف المعتقدات ليست سوى تعصب محفوف بعواقب وخيمة. وللأسف، يكاد يكون سمة متأصلة في الطبيعة البشرية، شريرة ومنحرفة عن وصايا الله. وهذه النظرة غير الكارهة لليهود كانت لدى الشاعر البالغ من العمر 16 عاماً.
نُشرت قصيدة أخرى له ذات طابع يهودي، بعنوان "قصيدة غنائية"، يُزعم أنها "مستوحاة من حدث حقيقي وقع للشاعر في تبليسي"، يتشابه موضوعها الرئيسي مع قصيدة "الإسبان": فقد أحدث اختلاف الدين هوة سحيقة بين الناس؛ وتسعى المشاعر الإنسانية الحية جاهدةً لبناء جسر عبرها، لكن الظروف الاجتماعية تدمره، وهذا هو مصدر المصائب العظيمة للإنسان. ومع ذلك، ليس المضطهِد هنا مسيحياً، بل يهودي، وهو والد الفتاة اليهودية الشابة، التي تذهب سراً إلى حبيبها لتحذيره من رغبة والدها في قتلهما. لكن لا حبيبها ولا هي تمكنا من الفرار. ففي الصباح، همس الناس بكلمة واحدة: هناك، في المنزل، روسيٌّ طُعن بخنجر، وجثة امرأة تحت النافذة.
وتتناول قصيدة "ساسكا" (1835-1836) أيضاً موضوع العلاقات العاطفية بين اليهود وغير اليهود. وتُبرز شخصية تيرزا، اليهودية الجميلة، التي كان والدها جاسوساً يهودياً. ووالدتها (على الأغلب) امرأة بولندية من قرب براغ.
وتقترب قصيدة "غصن فلسطين" من الموضوع اليهودي. "غصن فلسطين" (1837) قصيدة فلسفية تأملية زاخرة بالرموز المسيحية والحنين الرومانسي للأماكن المقدسة. يخاطب الشاعر غصناٌ ذابلاً ككائن حي، كحلقة وصل بين العالم الأرضي و"المشهد البديع" للأرض المقدسة.
وتكمن أهم جوانب القصيدة في ما يلي:
الحبكة: تُبنى القصيدة على شكل مونولوج-سؤال موجه إلى غصن أحضره معه من فلسطين الكاتب الديني أندريه مورافيوف. يرسم الشاعر مشاهد من الشرق: مياه نهر الأردن، وجبال لبنان، والصلوات والأناشيد الرمزية: الغصن هو "أفضل محارب" في "جيش الله"، رمز للإيمان والأمل، متجاوزاً المكان والزمان.
الموضوع: التناقض بين الوجود الأرضي الزائل والجمال الأبدي "المقدس". وحدة الشاعر وسعيه نحو مثال روحي سامٍ. المزاج: رثائي، مهيب، مع لمسة من الحزن المضيء. كما تعكس القصيدة بحث ليرمونتوف الديني وإعجابه بالتاريخ التوراتي.
أخبرني يا غصن فلسطين: أين نمتَ، أين أزهرت؟ أي تلال، أي وديان زيّنتها؟ على ضفاف مياه الأردن النقية.
وهكذا فإن يهود ليرمونتوف يختلفون عن الصورة النمطية السائدة في عصرهم، أو بالأحرى، يختلفون عن الصور النمطية السائدة عنهم. فهم ليسوا مرابين أو عبدة المال أو انعزاليين عديمي الولاء للوطن. ويبقى مجهولاً ما الذي شكّل موقف ليرمونتوف من "المسألة اليهودية": هل كان معلمه اليهودي، أم طبيب عائلته اليهودي.
على الأرجح كان أنسيلم ليفي، ابن المرابي والحاصل على دكتوراه في الطب من جامعة غوتنغن، أول يهودي قابله ميخائيل ليرمونتوف في حياته. ولعلّ انطباعاته الأولى عن طبيب العائلة في طفولته هي التي ساهمت في تشكيل موقف ليرمونتوف تجاه الشعب اليهودي عموماً.
يرى الكاتب الأمريكي اليهودي موشيه نادير أن والد ليرمونتوف لم يكن من أصل اسكتلندي، وإنما كان يهودياً. "لو وضعنا أمامنا صور يوري بتروفيتش ليرمونتوف، البالغ من العمر 26 عاماً، وزوجته ماريا ميخائيلوفنا، البالغة من العمر 18 عاماً، ثم قارناها بصورة والده ميخائيل يوريفيتش ليرمونتوف، البالغ من العمر 24 عاماً، لما وجدنا أي تشابه بينها، مهما حاولنا، لا في مظهرهم العام، ولا في ملامحهم الفردية، ولا في لون شعرهم وبشرتهم. علاوة على ذلك، سنصل حتماً إلى استنتاج مفاده أن الصورة الأخيرة تُصوّر رجلاً من جنسية مختلفة تحديداً، قد يكون إسبانياً، أو إيطالياً، أو فرنسياً، أو حتى يهودياً، لكن من المؤكد أنه ليس روسياً أو من بلدان الشمال الأوروبي".
في معرض حديثه عن استخدام ليرمونتوف المتكرر للمواضيع اليهودية في قصائده، يشير نادير إلى: "...هذا أمرٌ مثيرٌ للدهشة، لا سيما وأن الشاعر لم يكن له أي اتصال بأشخاص من أصل يهودي طوال حياته تقريباً... فلا يسع المرء إلا أن يتساءل: ما هي جذور هذا الانجذاب الداخلي للرموز اليهودية؟
خلصت الدراسة إلى أن يوري بتروفيتش ليرمونتوف لم يكن سوى الأب الشرعي للشاعر ميخائيل ليرمونتوف. بيد أنه لم يكن هو الزوج المختار لماريا ميخائيلوفنا (إذ يُرجّح أن قلبها كان متعلقاً بشخص آخر آنذاك)، بل كان مرشحاً اختارته عائلة ستوليبين - "بحجة الحفاظ على شرف العائلة".
يعتقد نادير أن "سر ليرمونتوف" وانجذاب الشاعر للمواضيع اليهودية يكمن في سر عائلة والديه. لو تسرب هذا السر، لكان قد وصم ليس فقط عائلة الشاعر، بل عائلة ستوليبين أيضاً، التي كانت تربطها بهم صلة قرابة وثيقة وتتمتع بنفوذ كبير في روسيا القيصرية.
بعد الثورة البلشفية، آلت جميع أرشيفات الشرطة السرية القيصرية إلى جهاز الأمن السرّي السوفيتي. وأثناء الاحتفال بالذكرى المئوية لوفاة ليرمونتوف( 1941)، ازدادت شعبيته وشهرته باطراد، ومع تفشي النزعة القومية الروسية المتطرفة في الاتحاد السوفيتي خلال الثلاثينات، كان مجرد التفكير في أن أعظم شعراء روسيا لم يكن روسياً أمراً لا يُتصور"أصلاً". ويشير المؤرخ واللغوي سافيلي دوداكوف خلال جديثه عن نظرية الأب اليهودي في كتابه "مفارقات وغرائب محبة للسامية ومعادية للسامية في روسيا" إلى أن والد ميخائيل يوريفيتش كان، كما يُزعم، أنسيلم ليفي. وقد شارك الباحث في شؤون بوشكين، فكتور غروسمان، معلومات مماثلة مع دوداكوف، مشيراً إلى أن الباحث في شؤون ليرمونتوف، إيراكلي أندرونيكوف، كان على دراية بالأمر أيضاً. ويضيف دوداكوف أن ليرمونتوف والهوية اليهودية مجال قليل الدراسة في الأدب الروسي، ولم يتم فيه بعد الوصول إلى رأي قاطع. وإذا صحّت رواية نادير ودوداكوف عن والده اليهودي، فمن المؤكد أن معرفة "نصفه اليهودي" قد حفّزت اهتمام الشاعر بالمواضيع اليهودية وخلق شخصيات يهودية إيجابية.
وفي الوقت نفسه، لا يضمن الأصل اليهودي الجزئي (وأحياناً الكامل) بالضرورة مشاعر إيجابية تجاه اليهودية. بل على العكس، غالباً ما يسعى اليهود، الذين يعيشون في بيئة معادية للسامية، إلى النأي بأنفسهم قدر الإمكان، و"نسيان" هويتهم اليهودية، وإخفائها عن المجتمع. وفي أسوأ الأحوال، يتبنون مواقف معادية للسامية علناً، محاولين التخفيف من شعورهم بالذنب، ساعين لإرضاء أبناء الجنسيات الأخرى. والتاريخ، كما نعلم، حافل بأمثلة على ذلك، سواء بين "الشخصيات البارزة" أو بين "عامة الناس".
وبالمناسبة، طُرحت نظريتان أخريان حول أصول ليرمونتوف العرقية في الأدب الروسي. الأولى، استناداً إلى كبار السن في ضيعة تارخاني، حيث قضى الشاعر طفولته، تزعم أن والده كان في الواقع سائق عربة جدته. أما الثانية فتشير إلى أن والده كان شيشانياً، شخصية عسكرية وسياسية مرموقة، و"سوط القوقاز"- بيبولات تايمييف.
غوغول- في قصة "تاراس بولبا"، تُقدَّم صورة اليهود عبر صورة جماعية كاريكاتورية نمطية، تتجسد في شخصية يانكيل.
ويصوّر غوغول اليهود بطريقة هزلية متعمدة، وأحياناً مهينة. فهم يظهرون كأشخاص لا يحركهم سوى التعطش للربح، وبوسعهم أن يقدِموا على الخيانة من أجل المكسب. كما أنهم يشغلون في القصة دور الوسطاء - فهم أصحاب نُزُل وحانات وتجار . وإن يانكيل، على سبيل المثال، يدير نزلاً ويُموِّن جيش القوزاق، ويعمل كحلقة وصل بين الأطراف المتحاربة.
يتراوح موقف القوزاق في أوكرانيا تجاه اليهود بين اللامبالاة المُحتقِرة والقسوة الصريحة (كما في إحدى حوادث المذبحة اليهودية في سيش). علاوة على ذلك، غالباً ما يستعين القوزاق بخدمات اليهود، فعلى سبيل المثال قام يانكيل بمساعدة تاراس بولبا نفسه في الوصول إلى وارسو للقاء ابنه.
وعلى الرغم من تصويره على نحو ساخر يُعد يانكيل أكثر شخصيات غوغول اليهودية تعقيداً من الناحية النفسية. فهو يجمع بين الجبن والجشع ونوع من الولاء لعميله (تاراس)، مما يجعله أكثر حيوية من مجرد شرير نموذجي.
ويشير العديد من الباحثين إلى أن هذا التصوير يعكس التحيزات الشائعة والوقائع التاريخية للقرن التاسع عشر. فغالباً ما يصنف الباحثون الأدبيون هذه الصورة كمثال على "معاداة السامية في الأدب" التي ميزت العصر الرومانسي.
في قصة "تاراس بولبا"، التي أبرزت، إلى حد كبير، الصورة النمطية لليهود في الأدب الروسي يبقى الانطباع الأول عن اليهودي حتى المذابح هو السخرية. ورغم أن الكتاب الروس ليسوا شعباً فكاهياً إلى هذا الحد، لكنهم لم يستطعوا كبح ابتسامتهم عند رؤية شخصية يهودية. فاليهودي، قبل كل شيء مثير للسخرية. مظهره، إيماءاته، حديثه، ملابسه، تصرفاته، كلها تدعو إلى السخرية. ويصف غوغول إحدى المذابح على النحو التالي:" انطلقت صرخات يائسة من كل جانب، لكن قوزاق زابوروجيا الأشداء لم يفعلوا شيئاً سوى الضحك. وهم يرون أقدام اليهود("بأحذيتهم وجواربهم تتدلى في الهواء").
وعلى عكس مشاهد أخرى من القصة نفسها، لا يخالف هذا المشهد الحقيقة التاريخية بتاتاً. فهذه صورة واقعية تماماً، لكن غوغول لم يستقِ هذه التفاصيل من السجلات التاريخية أو مذكرات معاصريه: "لم يفعل قوزاق زابوروجيا سوى الضحك". أوحى خيال الكاتب الخصب بلمسة فكاهية. من المحتمل، بل من المرجح، أن قوزاق زابوروجيا الصارمين ضحكوا وهم يرون أرجل اليهود تتدلى في الهواء. لكن غوغول يبتسم معهم. فثمة شيءٌ فكاهي في اليهود حتى وهم يُغرقون، ورأى غوغول ضرورة إبراز هذه الفكاهة، وهي سمة أساسية في الصورة النمطية لليهود. إنهم أغرقوا اليهود وسخروا منهم منذ زمن بعيد، ربما في القرنين السادس عشر أو السابع عشر. وقد وصف غوغول نفسه ذلك العصر بأنه "عصر شبه متوحش".
تورغينيف- يُعدّ موضوع اليهود في أعمال إيفان تورغينيف قضيةً معقدة، تعكس تطور آراء الكاتب من المفاهيم النمطية حول اليهود، التي ميزت الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، إلى فهم أعمق. وعلى عكس دوستويفسكي، لم تكن دوافع تورغينيف دينية في أعماله، بل تناول المسألة اليهودية من منظور إنساني واجتماعي.
يُشير الباحثون إلى أن تورغينيف انتقل من معاداة اليهود إلى تفهم قضاياهم. وقد تكونت الصور المبكرة لليهود مبسطة أو ساخرة، كما كان شائعاً في أدب تلك الحقبة. لكن منهجه أصبح لاحقاً أكثر دقةً وتفصيلًا، ويعود ذلك جزئياً إلى علاقاته الشخصية الواسعة مع اليهود فيما بعد. وقد ناقش الباحثون الأدبيون في دراساتهم لأعمال تورغينيف، استخدامه للأوصاف النمطية التي ميزت تلك الحقبة.
تمتع تورغينيف بعلاقات شخصية متشعبة مع اليهود، مما ساعده على فهم ثقافتهم ومشاكلهم بشكل أفضل من العديد من الكتاب المعاصرين له. وقد اهتم بالقضايا اليهودية من منظور الإصلاح الإجتماعي والقيم الإنسانية أكثر من اهتمامه بالنقاشات الدينية. وفي إطار ذلك تطورت نظرته لليهود من الصور النمطية إلى النزعة الإنسانية.
نشأ إيفان تورغينيف في ضيعة والدته، وهي امرأة قاسية في جوهرها، ولم يلتقِ باليهود قط، فامتص معاداة السامية منذ نعومة أظفاره. وفي قصصه الأولى، يكشف تصويره لليهود على أنهم حثالة وحقراء، إلى جانب ازدرائه لتقاليدهم، عن افتقار تام للمعلومات الموثوقة عنهم.
فعلى سبيل المثال، في قصته "جيْد" ( اللقب الازدرائي لليهودي)، يصف تورغينيف كيف قام شخص يُدعى غيرشلي، وهو جاسوس رخيص كان يزود الضباط بالبضائع، و يبيع ابنته الجميلة لبطل القصة خلال الحرب ضد نابليون. في هذه العمل، يروى تورغينيف قصة يهودي ابتكر خطة تجارية غريبة: تحت شعار "بالمال يُمكن الحصول على أي شيء"، كان يعرض على الضباط الروس المُعسكرين في بروسيا ابنته سارة لقضاء ليلة ممتعة. ويأخذ دفعة أولى، وثم يطلب الباقي عند إحضارها، ويراقب الأمور من طرف الخيمة.
لكن سارة تصرفت بخبث شديد، فاضطر الضابط إلى مكافأتها مرة أخرى بمبلغ كبير من المال. وبعد ذلك، سمحت له، أن يقبّل يدها فقط، ثم فجأة لاذت بالفرار من خيمة الضباط في جنح الظلام. انتاب الضابط الروسي شعورٌ بالدهشة، والإثارة، وخيبة الأمل، والانزعاج، لكن مع بصيص أمل رومانسي، تأجج في الليلة التالية بظهور زبون لامع، واستمرت سلسلة عمليات احتيال غيرشلي بمشاركة ابنته وابتزاز المال بنفس القدر من الخبث والدهاء.
لكن اكتُشف بالصدفة أن هذا اليهودي كان يعمل جاسوساً، فقُبض عليه متلبساً، وأُعدم شنقاً. وتفاقمت مأساة الموقف أكثر فأكثر، إذ وقع أحد الضباط الروس في غرام سارة ذات العيون الداكنة نتيجةً لهذه اللقاءات العابرة، وعاش، في خضم دموع سارة وتوسلاتها، سلسلةً من المشاعر الصعبة أثناء اعتقال والدها. وقد حاول إنقاذ الجاسوس، تحت تأثير إغراء اليهودية له، فدفع ثمناً باهظاً، ليس فقط بالمال.
ليسكوف- كان موقف نيكولاي ليسكوف من اليهودية في كتاباته ومقالاته الصحفية معقداً، إذ تطور من تحيّزات يومية إلى تحليل إنساني عميق ودفاع عن الحقوق المدنية. ففي عام ١٨٨٣، وبتكليف من لجنة حكومية، كتب ليسكوف عملاً كبيراً بعنوان "اليهود في روسيا: ملاحظات متعددة حول المسألة اليهودية". في هذا العمل، دعا الكاتب إلى منح اليهود حقوقاً متساوية مع بقية السكان. .
دحض ليسكوف العديد من الصور النمطية السائدة في ذلك الوقت (على سبيل المثال، حول الاستغلال الواسع النطاق تجاه الفلاحين من قبل أصحاب النزل اليهود)، مشيراً إلى أن أصحاب النزل الروس كانوا في كثير من الأحيان أكثر قسوة . كما ركّز على الإشارة إلى ولاء اليهود للدولة وعزوفهم عن المساس بالعقيدة المسيحية.
ومن أعماله المتعلقة باليهود "المحكمة السيادية" وهي قصة مستوحاة من أحداث واقعية. الموضوع الرئيسي: تجنيد الأطفال اليهود (من سن ١٢ إلى ١٨ عاماً ) وتعميدهم قسراً. وتكشف القصة نفاق التعميد القسري للأطفال اليهود المجندين (بموجب مرسوم عام ١٨٢٧) وتفضح تديّن المسؤولين الزائف. كما ينتقد الكاتب النهج الرسمي للكنيسة الروسية وقسوة العمل التبشيري، واصفاً مأساة الأطفال، الذين أُجبروا على اعتناق المسيحية تحت إكراه الكنيسة. ويُظهر ليسكوف المواجهة بين الإيمان الحق والأرثوذكسية الرسمية القاسية، ويؤكد أن وراء الاهتمام الظاهري بـ"إنقاذ الروح" تكمن اللامبالاة وممارسة العنف الاجتماعي. كما أن العنوان يشير، بشكلٍ ساخر، إلى الحاجة لحكم أخلاقي أسمى على من يرتكبون أعمالًا خارجة عن القانون تحت ستار القانون.
اعتبر ليسكوف المسألة اليهودية "مستعصية". ورغم أنه أيّد نظرياً المساواة في الحقوق ورأى في اليهود، قبل كل شيء" أناساً جديرين بالتعاطف، إلا أنه اعترف ببعض التخوف الداخلي وبتجنبه التواصل الوثيق معهم، واصفاً ذلك بالقصور. وقد أكد أن "الإنسان جدير بالتعاطف، في المقام الأول" لأنه إنسان"، بغض النظر عن جنسيته. ودعا إلى تجنب "الشقاق القبلي" وآمن بأن وحدة الجنس البشري ليست يوتوبيا، بل هدف يجب السعي إليه.
عُرف ليسكوف في بداية مسيرته المهنية، بمعاداته لليبرالية وللسامية. وفعلاً تزخر أعماله، ولا سيما تلك التي كتبها في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، بهجمات معادية للسامية موجهة ضد شخصياته، وهو أمر لا يعترض عليه الكاتب نفسه. ولذلك، فإن تقييمه بضمير المتكلم لـ"قبيلة العهد القديم" بروح معاداة السامية يُمكّن القارئ من ربط موقف الشخصيات بموقف الكاتب نفسه. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قصصه: "المحكمة السيادية" (1877)، و"معلم الديانة للأطفال اليهود " (1878)، و"الفوضى اليهودية" (1882). ولم يُدرج المحررون العملين الأخيرين، على ما يبدو لاعتبارهما بغيضين للغاية، في المجموعة الأكثر اكتمالاً لأعمال الكاتب، والمؤلفة من أحد عشر مجلداً ("الحمراء")، والتي نُشرت في الحقبة السوفيتية (1956-1958).
يبدو أن هذه النظرة المسبقة الراسخة قد اهتزت بفعل دراسة ليسكوف المنسية "اليهودي في روسيا: بعض الملاحظات حول المسألة اليهودية" (1884)، والتي نُشرت على نطاق واسع في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن العشرين. وبفضل ما استندت إليه من مواد واقعية واسعة النطاق، وبنبرة مُحبة للسامية، فقد فرضت هذه المقالة نوعاً من إعادة تقييم سمعة الكاتب الراسخة. حتى أن الناشر ليف آنينسكي صرّح بأن ليسكوف "لم يكن معادياً للسامية قط"، وأنه ابتكر شخصياته "دون أي حرج بشأن جنسيتها".
يبدو لنا أنه يجب مراعاة نقطتين مهمتين. أولًا، يتسم موقف ليسكوف من اليهودية بالتناقض: فمن جهة، يُحاكم "الظلم اليهودي" ("المحكمة السيادية)، ومن جهة أخرى، يسعى إلى توضيح خصوصيات الشخصية القومية اليهودية والوجود التاريخي لليهود في روسيا بهدف إيجاد حلول للمسألة اليهودية ("اليهودي في روسيا").
ثانياً، تغير موقف الكاتب من اليهود، لا سيما في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن التاسع عشر، من قصته "معلم الديانة للأطفال اليهود"، التي كتبها لمجلة "نوفويه فريميا" (الزمن الجديد) الرجعية المعادية لليهود، كما أرسل إلى ناشرها سوفورين فيما بعد، عمله "اليهودي في روسيا" ذات النزعة المحبة للسامية".
ازداد اهتمام ليسكوف باليهودية، الذي كان جلياً في مقالاته الصحفية المبكرة خلال ستينيات القرن التاسع عشر واستمر حتى سبعينياته ومطلع الثمانينات، في أعقاب "المذابح اليهودية الكبرى" التي وقعت في جنوب روسيا بين عامي 1881 و 1882على أثر اغتيال القيصر ألكسندر الثاني. ثم أصبحت المسألة اليهودية قضية ملحة. ما العمل مع اليهود؟ يتساءل أبطال قصة "معلم الديانة للأطفال اليهود": "هل نرحّلهم إلى الخارج؟، أم نسلمهم إلى جهة أخرى؟، أم نعيد بناء مجتمعنا بأنفسنا؟". وقد نوقشت جميع هذه الخيارات بجدية من قبل الحكومة والمجتمع. ومن المرجح أن ليسكوف كان يتبنى وجهة النظر، التي عبرت عنها هذه القصة: يجب التعامل مع اليهود في روسيا "لا بتحركات مفاجئة، بل بذكاء وحكمة".
وقد تناول هذه الفكرة بالتفصيل في دراسته "اليهودي في روسيا"، مستنداً إلى تحليل شخصية اليهود الروس وحياتهم اليومية وتاريخهم. وخلص إلى القول: "لن يُعامل اليهود معاملةً لائقةً إلا عندما ينالون حقوق الإنسان العالمية، على قدم المساواة مع جميع الرعايا الروس من الطبقات المهمشة".
استندت قصة "الفوضى اليهودية" إلى حكاية شهيرة من تلك الحقبة حول رشوة الجنرال الشهير نيكولاي موردفينوف لمساعدة اليهود في التخلص من الخدمة العسكرية الإلزامية أثناء بحث مجلس الدولة مسألة تجنيد اليهود بحضور القيصر.
وقد دُحض التفسير المتحيز لهذه القصة من قِبل بعض النقاد، والذي اعتبروه انعكاساً لميول الكاتب القومية المزعومة، دحضاً قاطعاً من قِبل أحد أبرز الشخصيات في الحركة القومية اليهودية، وهو يولي غيسين، في مقدمته لمقالة "اليهود في روسيا"، التي أُعيد نشرها بعد الثورة البلشفية (عام 1919). وكُتبت بهدف التوصل إلى حل إنساني وموضوعي لـ"المسألة اليهودية". وفي ضوء الأعراف الوحشية لتلك الحقبة، والتي وقع اليهود، من بين آخرين، ضحايا لها، بحيث يصعب معها تقبّل الانطباع بأن القصة مدفوعة بكراهية اليهود"، لا سيما وأن "غير اليهود، أيضاً يتعرضون للسخرية الفظة في أعمال ليسكوف. ولا توجد هنا مقارنة متحيزة بين اليهود والروس، والتي من شأنها أن تضر بالأولين وتصب في مصلحة الآخرين".
تدور أحداث قصة " المحكمة السيادية" حول مأساة عائلة يهودية تواجه وحشية نظام التجنيد الإجباري. يُنتزع ابن مُجلّد كتب يهودي فقير، عن طريق الاحتيال والقوة، ليُرسل إلى مدرسة عسكرية لكي يُعمّد لاحقاً قسراً. و يعاني والد الصبي في محاولة يائسة لإنقاذ ابنه. فيلجأ إلى مطران كييف، فيلاريت طلباً للمساعدة.
ويواجه المطران معضلة فالقانون الرسمي يُلزم بتعميد الطفل، لكن ضميره المسيحي ورحمته يُمليان عليه خلاف ذلك. وفي النهاية، يتخذ قراراً يبدو "غير قانوني" من الناحية البيروقراطية، ولكنه القرار الصحيح الوحيد في نظر "المحكمة العليا".
ويدين ليسكوف اللاإنسانية المتمثلة في تجنيد أبناء غير المسيحيين قسراً في الجيش وإجبارهم على اعتناق المسيحية. ويقارن المؤلف بين المسيحية "الرسمية"، التي تخدم مصالح الدولة، وروح الإنجيل الحقيقية، القائمة على المحبة والرحمة. وتُعدّ صورة المطران فيلاريت في القصة مثالًا للرجل الصالح الذي يُعلي القانون الأخلاقي على نص القانون البشري.
عنوان القصة مُبهم. فهو يُشير إلى محكمة حاكم أرضي (المطران) وفي الوقت نفسه يُذكّر بمحكمة الله العليا، التي يتساوى أمامها جميع الناس، بغض النظر عن جنسيتهم".
دوستويفسكي - برز موقف فيودور دوستويفسكي من اليهود خلال حياته، وسرعان ما أصبح محور نقاش حاد في الأوساط الأدبية الروسية والعالمية. ومنذ عام ١٨٧٧، دأب الكاتب نفسه على رفض الاتهام بمعاداة السامية، مؤكداً أنه لم يكره اليهود كشعب قط، مستشهداً بمعارف يهود يمكنهم تأكيد أقواله. ومع ذلك، ورغم هذه التصريحات، ظلت سمعة دوستويفسكي، كواحد من أبرز دعاة معاداة السامية في روسيا، راسخة في الأذهان لفترة طويلة. ويعود ذلك أساساً إلى تصريحاته العلنية الأولى حول موضوع اليهودية في "مذكرات كاتب"، حيث استخدم لهجة قاسية متّهماً اليهود بإنشاء "دولة داخل الدولة" واستغلال الفلاحين.
أما بالنسبة إلى موضوع اليهود في مؤلفات دوستويفسكي الأدبية فإنه موضوع معقد ومتناقض، يعكس آراء الكاتب الشخصية والصور النمطية الاجتماعية السائدة في عصره. وهم نادراً ما يظهروا في هذه الأعمال وغالباً ما يكون ظهورهم عابراً، مصحوباً ،أحياناً، بدلالات سلبية مرتبطة بالربا أو الاستغلال.
كما أنه يُصوَّر اليهود في رواياته ("الجريمة والعقاب"، "الإخوة كارامازوف")، في أغلب الأحيان، كممثلين للطبقات المهمشة أو التجارية (مثل أصحاب النُزُل أو مُقرضي الأموال الصغار)، مما يعكس واقع الحياة اليومية في ذلك الوقت.
في أعماله الصحفية ("يوميات كاتب")، عبّر دوستويفسكي عن أحكام معادية للسامية قاسية، متهماً اليهود بالانعزالية والنزعة المادية. وقد انعكست هذه الآراء جزئياً على صوره الفنية، مما خلق خلفية مثيرة للجدل. و يلاحظ بعض الباحثين أنه على الرغم من تصريحاته القاسية، فإن أعمال دوستويفسكي لا تدعو إلى العنف، بل تنتقد أدواراً اجتماعية معينة.
وعلى كل حال، لا يُعد تصوير دوستويفسكي لليهود تحليلاً نفسياً عميقاً، بل هو بالأحرى تكرار للصور النمطية الاجتماعية السائدة في روسيا خلال القرن التاسع عشر، والتي تخضع أيضاً لأفكاره حول الشعب الروسي والأرثوذكسية. ولم يكن ممكناً الجمع بين إيمانه الأرثوذكسي الروسي وآرائه الدينية، وبين مزيج الإلحاد والنفعية والنزعة المادية. وهاكم الشخصيات اليهودية في مؤلفات دوستويفسكي:
1- بومشتاين ("مذكرات من بيت الموتى"): أول شخصية يهودية في روايات دوستويفسكي، مستوحاة من تجاربه في السجن. سجين يثير التعاطف لدى الراوي بدلاً من العداء، من خلال وصفه لحياته القاسية وعزلته.
2- لا سارد ("الجريمة والعقاب"): شخصية متكررة الظهور، مرتبطة بقصة فتاة باعتها أمها .
3- عاموس سكوتوشكين (مذكور في "الجريمة والعقاب"): شخصية غامضة، تظهر في سياقات متفرقة.
4- المعمداني اليهودي ("الإخوة كارامازوف"): شخصية تبرز في النقاشات حول القضايا الدينية.
5- «اليهودي» من «مذكرات كاتب»: غالباً ما تشمل هذه الفئة كتابات دوستويفسكي الصحفية، حيث ينتقد تأثير «العنصر اليهودي» على الاقتصاد، مستخدماً ، في كثير من الأحيان، الصور النمطية المعادية للسامية السائدة في ذلك الوقت.
6- شخصية إسخيليوس في القصة القصيرة "التمساح". ليس إسخيليوس الشخصية المركزية في هذه القصة ولكنه يلعب دوراً هاماً في الوصف الهجائي لمجتمع بطرسبورغ وهو يشارك في بحث مصير إيفان ماتفييف حيث يقترح بقر التمساح للإفراج عن هذا المسكين. وعلى العموم فإن الشخصية اليهودية في القصة هي جزء من المبالغة الساخرة التي اتسم بها دوستويفسكي في أعماله الأدبية ولا يشير إلى معرفة الكاتب الفعلية بالثقافة اليهودية.
يُعدّ عمل دوستويفسكي متناقضاً في هذه المسألة حيث يشير الباحثون إلى أنه بينما تحتوي كتاباته الصحفية (مثل «مذكرات كاتب») على تصويرات سلبية ونمطية، فإن صوره الفنية (على سبيل المثال، في «بيت الموتى») غالباً ما تكون مفعمة بالإنسانية والتعاطف مع «الغرباء المنبوذين». ويشير الباحث الروسي الأمريكي مكسيم شراير وآخرون إلى أن دوستويفسكي لم يكن معادياً للسامية بشكل ثابت؛ فقد تذبذب موقفه بين معاداة السامية اليومية والتوق المسيحي للحب، مما يجعل هذا الموضوع أحد «نقاط الضعف» في إرثه.
سالتيكوف- شيدرين. في أعماله، نادراً ما يتناول موضوع اليهود، وغالباً ما يكون ذلك في سياق التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، ونقد الرأسمالية، ومعاداة السامية في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر. يصوّر الكاتب اليهود كمشاركين في العملية البرجوازية، مستخدماً أحياناً أوصافاً نمطية، لكنه يدين المذابح والتمييز.
تظهر الشخصيات اليهودية في سياق تطور السكك الحديدية، والخدمات المصرفية، والتجارة، وغالباً ما يُصوَّر هؤلاء كرجال أعمال نشيطين لكنهم انتهازيين، مما يعكس أجواء "عصر الربح السريع". انتقد سالتيكوف-شيدرين، ككاتب ديمقراطي، اضطهاد اليهود ومعاداة السامية اليومية، معتبراً إياها دليلاً على وحشية المجتمع، كما أشارت الدراسات المخصصة في معاداة السامية بروسيا.
غير أن الكاتب لجأ إلى الصور النمطية الشائعة في أدب تلك الفترة. ومع ذلك، لم تُشكّل هذه العوامل أساس موقفه الأيديولوجي. فعموماً، يخضع تصوير سالتيكوف-شيدرين لليهود إلى هدف ساخر وهو فضح الجشع والظلم الاجتماعي وليس التوصيف القومي. وتظهر شخصيات يهودية أو إشارات إلى اليهود (غالباً في سياق سخرية من العلاقات الاقتصادية، والإيجار، أو الصور النمطية السائدة آنذاك) في العديد من أعماله ومن أبرزها :
"قصة مدينة": في سرده التاريخي يذكر غلوبوف المستأجرين، وأصحاب الحانات، وقصصاً "يهودية" تتعلق بالحياة الاقتصادية للمدينة. وفي "الأيام الغابرة في بلدة بيشيخونيه" يصف الكاتب تفاصيل الحياة اليومية وشخصياتها، وقد يتضمن صوراً نمطية لليهود تعكس نمط الحياة في روسيا الريفية خلال القرن التاسع عشر. أما في "محادثات لم تُستكمل" (الفصل السادس) فإن سالتيكوف-شيدرين يتناول قضايا العلاقات بين القوميات وحياة الشعب اليهودي و"في الخارج" يصف الكاتب انطباعاته من رحلاته في أوروبا، ويثير أيضاً قضايا تتعلق باليهود في روسيا وأوروبا.
في مؤلفات سالتيكوف- شيدرين يستخدم الموضوع اليهودي، في أغلب الأحيان، لكشف الرذائل الاجتماعية، والاستغلال، والبيروقراطية، أو التحيزات الاجتماعية (معاداة السامية) التي كانت سائدة في تلك الحقبة.
تشيخوف - في أعماله الأدبية صوّر انطون تشيخوف اليهود كجزء لا يتجزأ من الواقع الروسي، وغالباً ما يشير إليهم بتعاطف مع محنتهم المأساوية ويدين معاداة السامية. وقد تغلب الكاتب على الصور النمطية بتقديمه اليهود كـ"واحد منا" وتأكيده على بشاعة التمييز وهو ما يتجلى بوضوح في مسرحية "إيفانوف".
تُبرز شخصية سارة (آنا بتروفنا)، التي اعتنقت الأرثوذكسية لكنها ظلت غريبة عن محيطها، مأساة الذوبان في المجتمع ومشاعر الكراهية تجاه اليهود. وقد تجلى رد فعله على ذلك في عدم رضاه عن الصحافة المعادية للسامية (وخاصة "نوفويه فريميا")، التي كانت تغذّي المشاعر المعادية لليهود. في قصصه القصيرة ("تيفوس"، "تينا"، وغيرهما)، غالباً ما يُظهر الكاتب اليهود كشخصيات معقدة، تتجاوز الصور النمطية السائدة في أدب ذلك العصر. وعموماً اتخذ تشيخوف نهجاً إنسانياً في تناول المسألة اليهودية، ناظراً إليها من منظور القيم الإنسانية العالمية.
كان تشيخوف يمزح بشأن اليهود في شبابه، لكنه أصبح فيما بعد صاحب الرقم القياسي في عدد الشخصيات اليهودية. فإن مؤلفاته تضم مجموعة كبيرة من هذه الشخصيات وهي إما شخصيات رئيسية أو مجرد خلفية لأعماله، مثل الأوركسترا اليهودية في مسرحية "بستان الكرز".

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

995 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع