
سعد عبد المجيد ابراهيم
الطغيان والطغاة كيف يولد الطاغية؟ ولماذا يستمر؟ وكيف يسقط؟
لم يعرف التاريخ زمناً خلت فيه البشرية من الطغيان. فمنذ أن بدأت المجتمعات البشرية تتشكل، ظهر من حوّل السلطة من وسيلة لخدمة الناس إلى أداة لإخضاعهم، وجعل نفسه فوق القانون، ورأى في إرادته قانوناً، وفي رأيه حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش.
الطغيان هو منظومة تنشأ حين تجتمع السلطة المطلقة بغياب المحاسبة، وضعف المؤسسات، وانتشار الخوف، وصمت المجتمع. لذلك فإن سقوط طاغية لا يعني بالضرورة نهاية الطغيان، ما دامت الأسباب التي أوجدته ما تزال قائمة. والطغيان هو تجاوز الحدود في استعمال السلطة أو القوة، بما يؤدي إلى انتهاك حقوق الآخرين، ومصادرة حرياتهم، ووضع صاحب السلطة فوق القانون. كما قد يكون الطغيان دينيا أو اقتصاديا أو اجتماعياً أو أسرياً؛ فليس كل طاغية حاكماً، إذ قد يمارس الإنسان الطغيان داخل أسرته، أو في مكان عمله، أو في أي موقع يمنحه سلطة على غيره.
يشترك الطغاة في صفات تكاد تتكرر عبر التاريخ؛ فهم يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، ويرفضون النقد، ويعدّون المعارضة خيانة، ولذلك يحيطون أنفسهم بالمنافقين ويُقصون أصحاب الرأي الصادق. ويعتمدون على الخوف والترهيب وسيلة للحكم، ويحرصون على السيطرة على الإعلام لتلميع صورتهم، وتبرير أخطائهم، وإلقاء اللوم على الآخرين، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة بقائهم في السلطة. ومع مرور الزمن يبدأ الطاغية في تصديق الدعاية التي صُنعت له، فيعيش داخل عالم من الأوهام لا يرى فيه إلا الصورة التي رسمها له المصفقون.
وكثيراً ما يصل الطغاة إلى السلطة تحت شعار إنقاذ الوطن أو حماية الدولة، ثم يتحولون إلى أكبر تهديد لها. الطغاة تصنعهم بيئات تسمح بظهورهم، من أهمها ضعف المؤسسات، وغياب استقلال القضاء، وانتشار الفساد، وتقديس الأشخاص، وغياب الثقافة الديمقراطية، واستغلال الأزمات والحروب لتركيز السلطة في يد فرد واحد.
عندما نسمع كلمة “الطغيان”، يتجه الذهن غالباً إلى الملوك والرؤساء، وكأن الاستبداد لا يكون إلا إذا ارتبط بعرش أو جيش. لكن حياتنا اليومية تعج بـ "صغار الطغاة"؛ فكم من موظف استغل منصبه البسيط ليذل المراجعين، وكم من مدير حوّل صلاحياته المحدودة إلى وسيلة للتسلط، وكم من زوج أو أب أو أم جعل من سلطته داخل الأسرة أداة للقهر والإهانة.
إن كل سلطة تُستعمل لإذلال الآخرين أو التحكم في مصائرهم هي صورة من صور الطغيان، وربما كان أثر هذا الطغيان الاجتماعي اليومي أشد إيلاماً وامعاناً في الجراح من طغيان الحكام، لأنه يصيب الإنسان في أخص تفاصيل حياته؛ في عمله، وبيته، ورزقه، وعلاقاته.
والطغيان هو انحراف لا يرتبط بجنس دون آخر؛ فهو ليس صفة ذكورية ولا أنثوية، فالمرأة قد تتحول إلى طاغية إذا استعملت ما لديها من سلطة (أسرية أو مجتمعية) في القهر أو الابتزاز العاطفي، كما يفعل الرجال تماماً. فالطاغية يُعرَف بالطريقة التي يعامل بها من هم أضعف منه، لا بذكورته أو أنوثته.
لقد أولى القرآن الكريم قضية الطغيان عناية كبيرة، وعدّها انحرافاً أخلاقياً ونفسياً يبدأ داخل الإنسان قبل أن يظهر في سلوكه. وقد عرض نماذج متعددة للطغيان؛ فجعل فرعون مثالاً للاستبداد السياسي، والنمرود نموذجاً للغرور الذي يعمي صاحبه عن الحق، وقارون مثالاً لطغيان المال حين يقود الثراء إلى الكِبَر ونسيان فضل الله. وفي المقابل، رسخ القرآن قيم العدل والشورى والمساواة، ورفض تقديس الأشخاص، وأكد أن الطغيان، مهما طال أمده، يحمل في داخله أسباب زواله، وأن بقاء الدول لا يقوم إلا على العدل وسيادة الحق وليس على القوة المجردة.
شغل "الطغيان" الكثير من الفلاسفة والمفكرين وعلماء النفس والاجتماع عبر العصور. فقد رأى أفلاطون أن الطاغية أسير لشهواته قبل أن يكون مستبداً بالناس، بينما عدّ أرسطو الطغيان أسوأ أشكال الحكم لأنه يخدم مصلحة الحاكم لا مصلحة المجتمع. وأكد ابن خلدون أن الظلم يؤذن بخراب العمران، في حين دعا جون لوك إلى تقييد السلطة بحماية حقوق الناس، ورأى مونتسكيو أن الفصل بين السلطات هو الضمانة الأساسية لمنع الاستبداد. أما اللورد أكتون فقد لخّص التجربة الإنسانية بقوله: «السلطة تميل إلى الإفساد، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة». وحذر ألكزيس دو توفيل من “الاستبداد الناعم” الذي يسلب الناس حريتهم من دون قمع ظاهر، بينما أوضحت حنة آرنت أن الطغيان يترسخ حين يتوقف الناس عن التفكير النقدي. أما إريك فروم، فرأى أن الطاغية كثيراً ما يخفي وراء مظهر القوة شعوراً عميقاً بالخوف والنقص، فيعوضه بالسيطرة على الآخرين. ونبّه عالم الاجتماع العراقي علي الوردي إلى أن الاستبداد يتغلغل في الأسرة والعمل والمجتمع، عندما تتحول السلطة الصغيرة إلى وسيلة للتسلط ولا يقتصر على الحاكم المستبد.
وتؤكد دراسات علم النفس الحديثة أن السلطة المطلقة تغيّر طريقة تفكير الإنسان؛ فهي تقلل من تعاطفه مع الآخرين، وتزيد شعوره بالاستحقاق والتفوق، ومع غياب الرقابة يبدأ بالاعتقاد أن نجاح الدولة هو نجاحه الشخصي، وأن أي نقد يوجَّه إليه هو اعتداء على الوطن نفسه. كما أن العزلة داخل دائرة المديح تمنعه من رؤية الواقع، فيتخذ قرارات بعيدة عن حاجات الناس.
ومع ذلك، لا يستطيع أي طاغية أن يحكم بمفرده، فهناك دائماً شبكة من المنتفعين والمنافقين وأصحاب المصالح الذين يزينون له أفعاله، ويبررون أخطاءه، ويحولون الفشل إلى انتصار، والظلم إلى إنجاز. ولذلك فإن مسؤولية الطغيان تمتد إلى كل من يشارك في ترسيخه بالصمت أو التبرير أو النفاق ولا تقع على الحاكم وحده.
ويعلمنا التاريخ أن الطغاة قد ينجحون في إخضاع الناس زمناً، لكنهم يعجزون عن هزيمة التاريخ. فقد سقطت إمبراطوريات، وزالت ممالك، وانتهى حكم رؤساء ظنوا أن سلطانهم خالد، بينما بقيت الشعوب. فالطغيان قد يمنح الدولة قوة ظاهرية، لكنه يضعفها من الداخل، ويقتل الإبداع، ويقوض الثقة، ويزرع الخوف، حتى تصبح عاجزة عن مواجهة الأزمات.
ويبقى السؤال: كيف نحمي مجتمعاتنا من الطغيان؟
يمكن تحقيق ذلك ببناء نظام صالح يقوم على سيادة القانون، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة والإعلام المسؤول، واحترام حقوق الإنسان، ونشر التعليم والتفكير النقدي، ومحاسبة المسؤولين، وتعزيز ثقافة المواطنة بدلاً من ثقافة الولاء للأشخاص. فالطغيان احتمال قائم في كل مجتمع إذا غابت الضوابط وضعفت المؤسسات، والطاغية يتدرج في تجاوز الحدود حتى يعتاد الناس ما كان يُعدّ في الأمس استثناءً، فيصبح الاستثناء قاعدة.
ولعل أهم درس يقدمه التاريخ هو أن قوة الأمم تصنعها مؤسساتها لا حكامها. نعم، الحاكم العادل نعمة، لكنه بشر يرحل، أما المؤسسة العادلة فهي التي تبقى، وتحمي المجتمع من نزوات الأفراد، وتمنع أي قائد، مهما حسنت نواياه، من أن يتحول إلى طاغية. فالحرية حق يحميه القانون، والعدل ليس فضلاً من أحد، وإنما نظام يخضع له الجميع، حكاماً ومحكومين. الطغاة حين يسقطون، يكون سقوطهم مدوياً، وتسقط معهم المنظومة كلها التي احتضنتهم، وعندئذٍ يدفع الوطن ثمن غرورهم.

943 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع