خريف الديمقراطية

                                                  

                             قاسم محمد داود

خريف الديمقراطية

الديمقراطية كما تصورها لنا ادبياتها الحديثة والمعاصرة أصبحت تعني شيئاً واحداً فقط وهو النموذج الغربي للديمقراطية ولكن هذا التصور لا يعكس الحقيقة الكاملة للنظرية الديمقراطية التقليدية الذي يسوقه لنا دعاتها، بأنها: "حكم الشعب" حيث يشارك فيها جميع المواطنين على قدم المساواة، من خلال ممثلين عنهم منتخبين، فما حدث في الانتخابات الأخيرة في 2020 في الولايات المتحدة الأمريكية وهجوم ترامب بشكل كبير، على العملية الانتخابية جعلها تبدو شبيهة بشكل متزايد لتلك التي شاهدناها في بلدان أقل من ديمقراطية، مما يعني أن الديمقراطية الأمريكية ليست استثناءً كما يعتقد الكثيرون، ولم تعد نموذجاً تحتذي به دول العالم الأخرى، فالبلد الذي يشكك رئيسه في شرعية الانتخابات، لا يمكن أن يقود ديمقراطية العالم. وهي المكانة التي وضعت الولايات المتحدة نفسها نموذجاً عالمياً للديمقراطية ونزاهة العملية الانتخابية عل مدار ما يقارب من قرنين ونصف القرن. كما أنه أصاب مصداقية الديمقراطية الأمريكية بكثير من الضرر على المستوى الداخلي والخارجي وأعاد إلى الواجهة التفكير بمدى صلاحية الديمقراطية الليبرالية الغربية التي طالما تبجحت بها الحضارة الغربية واعتبرت ان نموذج الولايات المتحدة الأمريكية الأكثر جاذبية. ومما زاد الأمر غرابة أن تهم تزوير الانتخابات والتلاعب بنتائجها صدر عن رئيس الولايات المتحدة ترامب الذي وصل إلى البيت الأبيض عن طريق نفس النظام الانتخابي وهو على دراية تامة بخلفيات ودهاليز هذا النظام، والذي وصف طريقة فرز أصوات الناخبين في أحد تصريحاته التي تكشف عيوب النظام الانتخابي بقوله: "إذا فرزتم الأصوات القانونية سأفوز بسهولة إذا حسبتم الأصوات غير القانونية، فيمكنهم سرقة الانتخابات منا". وهذا يعني أن هناك شقوق وتصدعات خفية كانت موجودة دائماً في الديمقراطية الأمريكية بصوره خاصة والنظام الديمقراطي الليبرالي بشكل عام، وأن ترامب قال ما لم يتجرأ غيره على قوله، وكشف عن هذه العيوب ليراها الجميع. لذلك يبدو السؤال التالي منطقياً وموضوعياً وهو: هل أن الديمقراطية بشكلها الحالي وخاصة نظام الاقتراع من قبل الناخبين لايزال صالحاً للتطبيق؟ وهل فعلاً أن المجالس النيابية تمثل أرادة الجماهير؟ أم ان على الشعوب ان تبحث عن بدائل لهذا النظام أو اصلاحه على الأقل حسب ما يتناسب مع أوضاعها. وقبل البحث عن إجابات لهذه الأسئلة علينا ان نتذكر ان النموذج الأمريكي للديمقراطية لطالما سعت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيون إلى تصديره او فرضه بالقوة في مناطق عديدة من العالم، وقد أدى ذلك إلى نتائج عكسية جلبت مزيداً من الحروب للعالم بدلاً من أن يساهم في تحقيق السلام والأمن الدوليين. والأمثلة على ذلك كثيرة ففي ظل هذا النظام الذي اعتبره منظرون غربيون وجادلوا فيه بأن انتشار الديمقراطيات الليبرالية والرأسمالية والسوق الحرة قد يشير إلى نقطة النهاية للتطور الاجتماعي والثقافي والسياسي للإنسان كما يقول فرانسيس فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ الصادر عام 1992). فخلال الهيمنة الليبرالية الأمريكية خلال إدارات "بوش الأب" و "بيل كلينتون" و "بوش الأبن" وكذلك "باراك أوباما" فشلت في تحقيق أهدافها؛ إذ لعبت واشنطن خلال تلك الفترة دوراً رئيساً في زرع الموت والدمار في معظم أقاليم العالم، مثل الشرق الأوسط – على سبيل المثال – الذي وصل إلى حالة من الفوضى ليس من المحتمل انتهاؤها قريباً. فقد خاضت الولايات المتحدة الأمريكية بدافع من المنطق التحرري ونشر الديمقراطية كما تدعي وبعد ظهور النظام أحادي القطبية منذ عام 1989 سبعة حروب مختلفة في العديد من مناطق العالم في العراق وأفغانستان وسوريا إذ دخلت في حالة حرب لمدة سنتين كل ثلاث سنوات. ففي العراق كان لتدخل الولايات المتحدة الأمريكية وحروبها التي شنتها نتائج وخيمة دفع ثمنها الشعب العراقي وستبقى نتائجها المدمرة ماثلة إلى أجل بعيد، فالغزو الأمريكي للعراق واحتلاله بحجة امتلاك أسلحة الدمار والقضاء على الديكتاتورية ونشر الديمقراطية في شرق أوسط جديد، لم يحقق الديمقراطية التي وعد بها الأمريكان، بل قاد إلى عملية سياسية مشوهة وعرجاء موصومة بالفساد والمحاصصة الطائفية مازال العراقيون يعانون منها حتى اليوم. وفي العودة إلى السؤال عن مدى صلاحية نظام الليبرالية الديمقراطية التمثيلية الذي صارت الكثير من دول العالم تروج بأنه لم يعد صالحاً للمجتمعات المتقدمة خاصة في ظل التسارع الكبير لاستخدام التطبيقات التكنولوجية وللبرهنة على صواب ذلك يمكن أن نأخذ نظام الانتخابات الأمريكي كمثال. ففي دستور الولايات المتحدة لا يوجد ما ينص على حق الناخب الأمريكي في اختيار رئيسه بشكل مباشر، بل يعطي هذا الحق لأعضاء المجمع الانتخابي دون غيرهم. وفي كثير من الأحيان حصل أحد المرشحين على عدد أكبر من أصوات الناخبين لكنه فشل في الظفر بعدد أكبر من مقاعد المجمع الانتخابي، وهو ما حدث مع هيلاري كلينتون عام 2016، إذ تفوقت على ترامب بنحو ثلاثة ملايين صوت ولكنها خسرت الأصوات اللازمة للفوز بالرئاسة في المجمع الانتخابي. والسبب هو ان المواطنين لا ينتخبون الرئيس (مباشرة) وإنما يقومون بانتخاب المجمع الانتخابي ويتكون هذا ممن يسمون بالناخبين الكبار وهم 538 ناخباً يمثلون الولايات المختلفة. ولخامس مرة في تاريخ الولايات المتحدة لم يتفق أغلبية المواطنين مع أغلبية أعضاء المجمع الانتخابي. ويعود السبب الرئيسي في هذا إلى أن الصراع الانتخابي يُراهن على أعضاء المجمع الانتخابي وحدهم، وهذا أمر بالٍ وغير ديمقراطي. وطبقاً لرأي خبراء السياسة بجامعة برنستون فإن الديمقراطية في الولايات المتحدة تصبح نوعاً من حكم جماعة صغيرة من فاحشي الثراء، الذين لا يُريدون ممارسة سلطاتهم فقط في مجال الاقتصاد بل يتعدوه إلى مجال السياسة أيضاً. ومن الانتقادات التي توجه للأنظمة الانتخابية التمثيلية هو طريقة تمويل الحملات الانتخابية على مستوى العالم حيث تعد أحد أضعف أركانها. وبناء على تقديرات الخبراء فأن القوانين المحلية وخاصة في الولايات المتحدة لا تكفي في ثلثي الحالات لضمان تحقق نتائج انتخابية بمنأى عن المال. بهذا يتعرض الانتخاب الحر كمُكّون أساسي للديمقراطية للخطر. ويُعتبر الارتخاء في القيود المفروضة على تمويل الحملات الانتخابية بالولايات المتحدة وغيرها من دول العالم ذا دلالة سيئة. وينطبق هذا على عدد من الدول الأوروبية التي تفاخر بأنظمتها الديمقراطية. حيث يلعب المال السياسي دوراُ مهماً في الانتخابات سواء الرئاسية أو التشريعية، وأصبح ظاهرة لافتة مع تزايد حجم الأموال التي يتم أنفاقها في كل انتخابات، فعلى سبيل المثال فأن انتخابات 2020 تعد الأعلى تكلفة في تاريخ الانتخابات الأمريكية حيث وصلت إلى 10.8 مليارات دولار وهو رقم يفوق الناتج المحلي السنوي لدول ليست صغيرة وقد ذكر مركز السياسة المستجيبة"center for Respnsive politics " (مركز بحثي أمريكي غير ربحي يتعقب المال السياسي وتأثيره على الانتخابات والسياسة العامة)، " أن الإنفاق على الحملات الانتخابية لعام 2020 في الولايات المتحدة، يعادل الناتج القومي لدولتي تشاد وغينيا الاستوائية."، وعن هذا التأثير للمال السياسي في الانتخابات الأمريكية، يقول (برني ساندرس) المرشح الديمقراطي في انتخابات الحزب التمهيدية للرئاسة الأمريكية والذي كان ينافس بقوة المرشحة هيلاري كلينتون على نيل بطاقة الحزب للترشيح: "تمتلك كل طبقة المـليونيرات وطبقة المـليارديرات بشكل متزايد في العملية السياسية السياسيين الذين يذهبون إليها بحثاً عن التبرعات والأموال، ونحن بذلك ننتقل بشكل سريع جداً من المجتمع الديمقراطي إلى مجتمع يتحكم فيه الأقلية، حيث يتحكم المليارديرات في تحديد من المسؤول المنتخب". ولا ننسى الانتقادات التي توجه من قبل خبراء في الانتخابات إلى عملية تقسيم الدوائر الانتخابية ووضع قوانين الانتخابات حسب مصالح الطبقات الحاكمة والشركات الرأسمالية الكبرى. فعلى سبيل المثال ما يذهب إليه البروفسور "هارولد جيمس" أستاذ التاريخ والشؤون الدولية بجامعة برنستون الأمريكية العريقة، والذي يضعنا أمام حقيقة واقعة وهي أن كثيراً من الناس باتوا يشككون فيما إذا كانت الديمقراطية تعمل لصالحهم، او أنها تعمل بشكل صحيح أصلاً، أبعد من ذلك يمكن القول إن هناك شكوكاً وهواجس عميقة لدى الناخبين في أوربا وأمريكا حول جدوى العملية الانتخابية وهل تسفر بالفعل عن نتائج حقيقية أم أن صناديق الاقتراع أبعد من ذلك؟ بعد أن صارت الديمقراطيات تباع وتشترى ومناصب تشريعية يصل إليها الأكثر قدرة في جمع التبرعات من الشركات والمؤسسات المالية، تحت قاعدة من يدفع هو من سيحدد نوع التشريع. الديمقراطيات الغربية لم تعد تعبيراً نزيهاً عن اختيار ديمقراطي حر نزيه بل على العكس من ذلك فإنها باتت تعمق التصدعات السياسية الحاضرة في المجتمعات الأوربية والأمريكية، وتجذّر وتوسع هوة الشروخ الاجتماعية، وأن أزمة الديمقراطية إلى حد كبير أزمة تمثيل أو بلغة منضبطة أكثر دقة، غياب التمثيل. أن القول بأن " بأن العالم يعيش أزهى عصور الديمقراطية" هو قول مكذوب لا أساس له من الصحة، ففي القول بتمثيل المجلس النيابي (البرلمان) للأمة كلها من المجازفات ما يجعله أقرب إلى الوهم والخيال منه إلى الحقيقة والواقع. فمن ناحية تمثيل الأمة نجد أن أعضاء مجلس النواب لا يمثلون في الواقع إلا فئة قليلة من الناخبين؛ لأن نسبة لا يستهان بها من أصوات الناخبين لا تدخل في الحسبان، وهم الذين امتنعوا عن المشاركة في العملية الانتخابية، والذين أعطوا أصواتهم للمرشحين الذين خسروا في الانتخابات، بالإضافة إلى الأصوات الباطلة. وإذا ما اردنا النظر في قضية الديمقراطية في العالم العربي والذي كثيراً ما طُرح السؤال عما إذا كان مؤهلاً لممارسة الديمقراطية بشكل صحيح، أم أنه لا يملك المستوى المطلوب من الثقافة السياسية الذي يؤهله لهذه الممارسة، نجد أن هناك من سلب رغبة الجماهير في المضي قدماً نحو عملية الدمقرطة في شكلها الذي أرادت القوى الغربية فرضه على البلدان العربية بشكل تدخل مباشر كما حدث في العراق او بشكل غير مباشر فيما يعبر عنه بالربيع العربي، فلم تعد هذه الجماهير شغوفة بمسألة التصويت والاقتراع، فانخفضت الأعداد المشاركة في الانتخابات انخفاضاً كبيراً، وقد وجدت " الجماهير الغفيرة" أن المجالس النيابية لم تعد هي الفاعل الحقيقي على صعيد إدارة دفة شؤون البلاد والعباد، وصار النموذج الذي فرضه الاحتلال الأمريكي في العراق بعد عام 2003 مثالاً للفشل بعد ان نجحت قوى الإسلام السياسي خلال 17 سنة الماضية في تطويع الديمقراطية المتمثلة في صناديق الاقتراع لأغراضها ومصالحها، بعد أن استخدمت التعبئة الطائفية وتغذية الكراهية على نطاق واسع من أجل كسب أصوات الناخبين، واستخدمت مشاعر الخوف وقوة الجهل وسيكولوجيا القطيع في تصدير نخب سياسية على حساب أخرى، مما يعني قيام نظام سياسي لا يختلف عن أي نظام ديكتاتوري تسلطي إلا من ناحية الشكل، فمن الصعب إزاحة هذه القوى، لأنها ستحتج بالشرعية الديمقراطية. وهي شرعية منقوصة وشكلية تماماً ومفرغة من محتواها بسبب غياب المؤسسات أو ضعفها وانعدام القدرة على تطوير النظام وإصلاحه، وهيمنة مجموعة مالية دينية مسلحة على مفاصل الدولة لا تؤمن بالديمقراطية حتى وأن اتخذتها طريقاً للسلطة.

   

إذاعة وتلفزيون‏



الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

882 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع