في الذكرى المشؤومة لإحتلال العراق.. هل ان التحالف الامريكي -البريطاني -الصهيوني هو المسؤول الوحيد عن ما جرى؟ ومن هو الطرف الذي يجب ان يُصلح ما أفسده الاحتلال؟

د. سعد ناجي جواد*

 في الذكرى المشؤومة لإحتلال العراق.. هل ان التحالف الامريكي -البريطاني -الصهيوني هو المسؤول الوحيد عن ما جرى؟ ومن هو الطرف الذي يجب ان يُصلح ما أفسده الاحتلال؟

في مثل هذه الايام يستعيد غالبية العراقيين ذكريات مؤلمة وحزينة تتمثل في بداية الحرب العدوانية على بلدهم (2003) من قبل تحالف أمريكي-بريطاني-صهيوني، والذي انتهى باحتلاله وتدميره من كل النواحي، العسكرية والسياسية والاقتصادية والتعليمية والعمرانية والبنية التحتية وصولا إلى التدمير الأخلاقي.

لقد كُتِبَ الكثير عن تلك العملية القذرة، وانفضحت الكثير من الأكاذيب التي استُخدِمت لتبريرها والاحتلال الذي نتج عنها، أهمها كذبة اسلحة الدمار الشامل او من اجل بناء دولة ديمقراطية مزدهرة اقتصاديا وتحترم حقوق الانسان. ويجب الاعتراف ان النظام السابق كان قد أعطى بعض العذر لأطراف الاحتلال لكي تمضي في مخططها الإجرامي التدميري، (واقول بعض العذر لان النية كانت مبيته لدى التحالف الشرير لتدمير العراق منذ ان انتهت الحرب العراقية-الإيرانية)، خاصة عندما ارتكب النظام السابق خطيئة ضم الكويت بالقوة، وتطورت النية إلى احتلال العراق بعد ان وصل المحافظون الجدد إلى الحكم في عام 2000، حيث اعتبروا ان العراق ظل يمثل تهديدا لإسرائيل. وعندما وقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 التي لم يكن للعراق اي يد فيها، اتخذتها تلك المجموعة عذرا للاحتلال .
ليس الغرض من هذه الكلمات هو تكرار الاتهامات للتحالف الشيطاني الثلاثي (الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل) ولومه على ما حل بالعراق منذ 2003، ولكن بالأحرى للتركيز على مسالة يتم التغافل عنها كثيرا: وهي مسؤولية العراقيين انفسهم عن ما حل ببلدهم، وكيف ان ذلك كان عاملا مهما في نجاح مخططات الاحتلال. فأولا قامت اطراف (عراقية بالهوية)، أطلقت على نفسها اسم (المعارضة الخارجية) بمنح هذا التحالف تفويضا مفتوحا لاحتلال بلدهم، وهذا التفويض لم يكن لفظيا فقط وانما كان مكتوبا ومنشورا على شكل بيانات اصدروها او رسائل بعثوها إلى الادارة الأمريكية او زيارات قاموا بها لعواصم العدوان يدعونها (لتحرير) بلدهم، متناسين النوايا اللئيمة لتلك الإدارات التي توضحت اثناء الحصار الظالم الذي أودى بحياة مليون وثمانمائة الف إنسان، بينهم اكثر من نصف مليون طفل. ولم يقتصر الأمر على الأمريكان وانما وصل إلى حد إشراك جهاز الموساد الاسرائيلي في الاجتماعات واللقاءات التي كانت تعقدها تلك (المعارضة) في الخارج، والذي دخل أيضا إلى العراق مع الاحتلال، وقاد عمليات اغتيال كثيرة وخاصة لعلماء العراق وقادته العسكريين.
ثم انتقلت عدوى التشبث بالتحالف الشيطاني إلى الداخل العراقي، حيث اعتبرت اعداد لا باس بها من العراقيين (ان الغزو الأمريكي هو السبيل الوحيد لإنهاء حكم البعث). وهذه الأعداد، (مع المعارضة الخارجية المرتبطة بأجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية والاسرائيلية والفرنسية) لم تفرق بين كرهها لرئيس النظام السابق ولحزب البعث، وبين مصلحة العراق الوطنية والقومية. وكما جاءت الاحزاب والمجاميع التي دخلت العراق مع الاحتلال بمشروع تمزيقي، فان هذا المشروع وجد من يؤيده من الداخل سواء بغباء او سذاجة او عن نية مبيته. وهكذا نجحت طروحات الاحتلال مثلا في تصنيف الشعب العراق حسب الهويات الصغيرة، شيعة وسنة واكراد ومسيحيين (كلدو-آشوريين) وصابئة ويزيديين، إلى غير ذلك من المسميات، (ولم ينتبه هؤلاء إلى حقيقة ان المقصود بذلك هو الهوية العربية، بدليل ان من اسس لذلك، سيء الصيت بول بريمر، لم يتحدث عن شعب عراقي او عربي في العراق وانما تحدث عن شيعة وسنة ومسيحيين واكراد، معتبرا ان الهوية الاخيرة هي الوحيدة الموحدة، مع علمه بوجود كل الهويات الصغيرة التي ذكرت أعلاه في داخل الشعب الكردي). وبين ليلة وضحاها اختفت الهوية العراقية الجامعة وبذات كل مجموعة تتحدث عن هويتها الصغيرة التي لم تكن تُذكَر في عراق ما قبل الاحتلال، او منذ ان تأسس الحكم الوطني في العراق في عام 1920. وزاد في هذا التمزيق تبني الاحزاب الشوفينية العرقية والطائفية، او التي ادعت انها دينية (من كل المذاهب)، لهذا النهج. وبدلا من محاربة هذه التوجهات اصبح الحديث السائد هو عن طائفة وعرق الاشخاص. واصبح السؤال الاول عن اي عراقي هو ليس كفاءته او وطنيته او نزاهته او شهادته، وانما عن ما هو مذهبه او دينه او عرقه، ان لم يكن عربيا، واصبح كل طرف يعتبر ان انتمائه لمكون ما يمنحه الحق في ان يحصل على اي منصب مخصص لذلك المكون حسب فكرة المحاصصة التي طبقت بأبشع صورها، حتى وان افتقد لأية مؤهلات. الأخطر من كل ذلك اختفت سلطة القانون وهيبة الدولة تماما واختفى الرادع للتجاوزات والتي بدأت بالقتل العشوائي وسوء استخدام السلطة وانتهت بالسرقات المليارية.
لم يقتصر الضخ الطائفي على الاحزاب التي اتت من الخارج او التي تسلمت الحكم من الاحتلال، وانما وصل إلى النخبة المتعلمة، او التي تعتبر نفسها مثقفة داخل المجتمع. واصبح الحديث في الجامعات مثلا ينصب عند مناقشة اختيار عميد لكلية ما، او رئيس لجامعة او حتى رئيس لقسم عن: (ما هو انتمائه الطائفي، مع تفضيل اتباع مكون معين اعتبر نفسه يمتلك الأغلبية). في حالات قليلة حاولت بعض الكوادر التدريسية ان تتسامى عن هذه المعايير المتخلفة وتختار شخصا كفوًا ومعروفا لديهم ومن وسطهم، إلا ان النتيجة كانت ان هذا الشخص يتلقى في اليوم التالي رسالة تهديد من تحت الباب، وهي عبارة عن ظرف فيه قصاصة تحوي كلمة او كلمتين تأمره بترك منصبه مع إطلاقة لمسدس او رشاشة اوتوماتيكية. واصبح التشفي بمن يتم اغتياله من بين زملائهم بالأمس امراً اعتياديا، ولما يقوم احد بمعاتبة المتشفين كانوا يردون عليه، الم يكن المغدور بعثيا؟ الم يكن مقربا من النظام؟ هذا الانحدار الأخلاقي كان مع الأسف صناعة محلية، وانتشر على كافة المستويات وفي كل اجهزة الدولة، ووجد فيه المحتل اداة مفيدة جدا لتعميق الانقسامات.
الأمر المؤسف اكثر انه بعد مرور 22 عاما، ورغم كل الكوارث التي تسبب فيها الاحتلال مازال هناك من يعتقد ان الولايات المتحدة يمكن ان تكون (المنقذ) ثانية، يقابلهم اخرون يعتقدون ان ايران هي سندهم، وكل طرف يروج لافكاره علنا. يقابل هؤلاء طرف ثالث يعتقد ان تركيا وبعض دول الخليج هي الاطراف الحامية لهم. وهذه الكارثة تكون اكبر عندما يكون من يتحدث بهذه الامور اطراف مشاركة في الحكم. امريكا تحاول ان تقنع العراقيين ان معاناتهم سببها التغلغل والنفوذ الإيراني والفصائل المسلحة التابعة لها. من جانبها تحاول ايران إقناع العراقيين بان ما يعانيه بلدهم هو نتيجة او بسبب المخططات الامريكية – الصهيونية، التي أوجدت عصابات داعش الارهابية ودعمتها، على سبيل المثال. وكل فريق لديه من السياسيين والأحزاب واجهزة الاعلام المنفلتة ما يكفي للترويج لافكاره. وفي خضم هذه التنابزات وقع العراقيون ضحايا لعدم الاستقرار والقتل شبه اليومي والنهب المنظم لثرواتهم. وكل فاسد يجد في السلطة او في مراكز صنع القرار او الدوائر الحساسة ( رئاسة الجمهورية والوزارة ومجلس النواب وقادة الفصائل المسلحة والحشد الشعبي) من يحميه ويشاركه في ما ينهبه من اموال العراق. أضف إلى ذلك تم التركيز على ممارسات طائفية متخلفة جعلت الدوائر الرسمية تتعطل عن الدوام بنسبة 40% من ايام السنة.
يجب الاعتراف ان ما تم زرعه في داخل العراق على مدى 22 عاما، (محاصصة طائفية وعرقية، تشرذم، فساد، هيمنة الجهل والأشخاص غير الكفوئين، انحدار التعليم والخدمات الصحية واليومية، ماء وكهرباء) لا يمكن اصلاحه بسهوله، وان العراق سيظل هكذا لعقد او عقدين قادمين. ولكن هذا لا يعني، او لا يجب ان يقود إلى التسليم بذلك وعدم بدء عملية الإصلاح. المهم ان القاعدة الأساسية الاولى التي يجب ان يقوم عليها الإصلاح هي ان يكون بأيدي العراقيين انفسهم ومن صنعهم. وسيكون من الغباء او السذاجة الاعتقاد ان الخارج يمكن ان يساعد العراقيين على اعادة بناء وطنهم، لسبب بسيط ان الاطراف الخارجية (وخاصة الولايات المتحدة وإسرائيل) هي من ارادت وسعت لجعل العراق يصل إلى هذا المنحدر لكي تستأثر بثرواته وتنهي اي دور ريادي له في الشرق الاوسط. فهل يعقل مثلا ان الولايات المتحدة وإسرائيل يقبلان بان يمتلك العراق ادارة قوية او جيش قادر على حماية حدوده، وهل يعقل ان الولايات المتحدة وايران وتركيا مستعدان للتنازل عن نفوذهم وقواعدهم في العراق بسهولة؟ (وهنا يجب ان لا يغيب عن البال ان احتلال العراق كان البداية لكل ما تشهده المنطقة من مآسي وكوارث وصولا إلى المذابح التي تجري في فلسطين المحتلة).
اما القاعدة الأساسية الثانية فهي ان يدرك العراقيون بانهم لا يمكن ان يستمروا بهذا السكوت على نهب وتبديد ثروات أجيالهم القادمة وهي تحدث على مرأى ومسمع منهم، او عن استمرار الاشخاص غير المناسبين في الأماكن غير المناسبة، او يشاهدوا تدوير نفس الوجوه في مؤسسات القرار العليا، الحكومة والبرلمان. وربما في ظل عدم وجود اية جهة قادرة لوحدها على احداث التغيير، (الجيش مثلا او حزب وطني يمتلك شعبية كبيرة)، يبقى أمامهم العمل من خلال القوانين والمؤسسات الفاسدة التي أتى بها الاحتلال (الانتخابات والبرلمان). وهذا الحل يتمثل في دعوات واسعة لمشاركة جماهيرية كبيرة في الانتخابات القادمة، هذه المشاركة إذا ما حصلت يمكن ان تُنهي هيمنة الاشخاص والأحزاب التي تسلطت على رقابهم طوال هذه المدة. لقد ثبت بما لا يقبل الشك أن نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة، (التي كانت في غالبيتها مزورة)، لم تتجاوز 20%، يعني ان هناك نسبة تصل إلى 80% ظلت عازفة عن المشاركة بسبب الاعتقاد بانها مهما فعلت فان التزوير سيكون هو النتيجة، ولكن هذا الاعتقاد غير صحيح بتاتا. ان المشاركة المكثفة ستكون البداية، نعم هذه المشاركة قد توصل ايضا بعض الاشخاص الفاسدين لكن أعدادهم ستتضاءل شيئا فشيئا. في الماضي استطاعت مؤسسة الفساد أن تُلوث حتى قادة من الحراك الشعبي الذي انتفض ضد سوء الأوضاع والفساد المستشري، لسبب بسيط ان القيادات الفاسدة نفسها نجحت في (الفوز) بالانتخابات، لكن إذا نتج عن الانتخابات تركيبة حاكمة جديدة او فيها أغلبية من المخلصين، فان الأمر سيختلف. المسالة المهمة الأخرى هي لزوم ان يصر العراقيون على تعديل الدستور المزور والذي اعتُمِد بصورة غير شرعية ( انظر مقالتنا في راي اليوم: دستور العراق وثيقة مزورة .. مررت بالتزوير وملئت بالالغام 2019/11/21 ) وان يُصروا على ان يلعب القضاء دوره. كما عليهم ان يلجأوا إلى الاعلام النزيه لكي يكون صوتا لهم، ومحاربة الفضائيات التي تبث سموم الطائفية من كل المذاهب والأعراق. سيقول قائل ان هذه الخطوات عبارة عن أحلام لن تتحقق لان الطرف المقابل امتلك القوة المسلحة والمال لتنفيذ مخططاته، ولكن من يقول ذلك عليه ان يدرك ان الطرف المقابل يعيش الان أضعف لحظاته، وان هذه هي الفترة المناسبة لإضعافه اكثر بالطرق الشرعية وازاحته. والاهم من كل ما سبق ان لا يقبل العراقيون بعملية تغيير فاسدين بفاسدين جدد تفرضهم القوى الخارجية التي دمرت العراق على مدى اكثر من عقدين. وختاما فان ما كتب هو اجتهاد شخصي نابع من نية صادقة لإصلاح الأمور، واتمنى ان يكون صائبا. وان لم يكن فيكفي محاولة الاجتهاد المتواضع.
*كاتب واكاديمي عراقي

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

947 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع