أصوات من العالم الآخر- الجزء الأول

بسام شكري

أصوات من العالم الآخر- الجزء الأول

عندما بدأت الحرب العراقية الإيرانية سنة 1980 لم يكن احد يتوقع إنها سوف تستمر ثمانية سنوات وسوف يصل عدد الضحايا من الشهداء والجرحى الى مليون عراقي , فبعد أن أكملت الدراسة الجامعة في صيف 1979 التحقت بالخدمة العسكرية في الأول من أكتوبر من نفس العام, وكان نظام التجنيد في العراق في ذلك الوقت أن يلتحق بالخدمة العسكرية كل شاب وصل عمره ثمانية عشر عاما أو من انهي دراسته سواء كانت الدراسة الابتدائية أو الثانوية أو الجامعة أو الماجيستر أو درجة الدكتوراه, وهذا يعني لا احد معفى أو مستثنى من الخدمة العسكرية إلا لأسباب صحية, وهذا القانون لا يوجد طبعا في دول العالم, والسبب أن الأنظمة الجمهورية التي حكمت العراق بعد إسقاط النظام الملكي هي أنظمة عسكرية يقودها الجيش العراقي, وكانت أيام الالتحاق بالخدمة العسكرية جميلة وذكريات لا تنسى فالتحاقنا كوجبة خريجين في نفس المكان قد خفف علينا صدمة الحياة العسكرية الجديدة, وكان مقررا وحسب القانون أن يخدم خريجي الجامعات في الجيش 23 شهرا ولكن في نهاية 1980 أي بعد مرو سنة على خدمتنا العسكرية بدأت الحرب العراقية وامتدت خدمتنا العسكرية لتصبح عشر سنوات, وقد فقدت خلال تلك الحرب الملعونة عشرة زملاء دراسة وخمسة وعشرين صديق, وفي نهاية الحرب سنة 1988 وصلت بي الحالة باني أصبحت بدون أصدقاء تقريبا, أو إن أصدقائي على عدد أصابع اليد الواحدة, وعندما انتهت الحرب وقد خدمت في الجيش عشر سنوات ستة منها في الجبهة , خرجت منها خالي الوفاض بدون إن أتقاضى أي راتب تقاعدي وهذا حال اكثر من ثلاثة ملايين عراقي ولم تفكر الدولة العراقية بان تقدم ولو تعويض بسيط حتى وان كان تعويض أدبي رمزي فلماذا؟ السبب إن العراق بعد اقل من سنة من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية دخل في حرب ثانية وهي غزو الكويت وفرضت الأمم المتحدة على الشعب العراقي حصار ظالم دام ثلاثة عشر عاما مات خلالها مليون عراقي بسبب نقص الدواء والغذاء وكانت أمي احدى ضحايا الحصار حيث كانت مصابة بارتفاع في ضغط الدم وعدم توفر الدواء فأخذت دواء أخر فضرب عندها الكلى ولم تقاوم عجز الكلي لأكثر من ثلاثة اشهر فقط لان المستشفيات العراقية في وقت الحصار كانت تفتقر الى الأدوية والمعدات الطبية، بقيت مع أمي في المستشفى ثلاثة اشهر وكنت معها أربعة وعشرين ساعة اذهب الى البيت لأربع ساعات في النهار لكي أنام ثم أعود الى المستشفى وقد نزل وزني وفقدت خلالها من وزني ثلاثين كيلوغرام , كان الحصار شديدا على العراقيين وتركني إخوتي وحدي في المستشفى أصارع الزمن وادفع ثمن كل الأدوية التي تقدم لوالدتي حتى ثمن الشاش الطبي والقطن والمعقمات, وكان إخوتي يزورون المستشفى يوميا كضيوف وكأن هذه المرأة التي ولدتهم سبعتهم قد ربتني أنا وحدي وتركت السبعة في الشارع , وبعد الغزو الأمريكي للعراق وقيام أمريكا بتسليم العراق لإيران اعتبر النظام السياسي العراقي الموالي لإيران أن العراق هو المعتدي على ايران وتم تجاهل من خدم أو استشهد خلال الحرب العراقية الإيرانية، وحتى الكويت التي مات الأف العراقيين المدنيين الأبرياء بسبب تحرير الكويت لم تدفع الحكومة العراقية أو القوات التي حررت الكويت فلسا واحدا للضحايا, الآن وقد مر على انتهاء الحرب سبعة وثلاثين عاما وانا استذكر من استشهد من زملاء الدراسة أو الأصدقاء واستذكر أخر لقاء كان بيننا أغوص في جوف الألم والحسرة والندم عليهم والحسرة على شبابهم وعلى تلك اللحظات الأخيرة التي قضيناها مع بعض ولم اصدق اني أنا شخصيا مرت بي تلك اللحظات ومازلت أتمالك أعصابي .

فقدت في الحرب الملعونة عشرة من زملاء الدراسة وخمسة وعشرين صديقا ولغاية اليوم لم اصدق إن بعضهم قد استشهد ومن وقت لآخر أحاول من خلال الفيس بوك التواصل معهم أو مع عوائلهم لكي أتأكد من موتهم , أول من استشهد ومازال اثر استشهاده لغاية الآن في نفسي كان زميلي في الدراسة وصديقي العزيز هاني جلال حسين وهو خريج كلية الآداب جامعة السليمانية وقد تخرج معي في نفس السنة، هاني يسكن في منطقة الأعظمية في راغبة خاتون وكان طوله تقريبا 180 سنتمتر ممتلئ الجسم بارز العضلات بصدر واسع وعيناه بلون ازرق كلون السماء وكان شعره بين البني الفاتح والأشقر وملامحه اقرب الى نجوم السينما الأمريكية أيام الأربعينات في ذلك الزمن عندما كان يتم اختيار الشاب الأجمل للتمثيل, كان بسيطا ودودا محبا للخير ومساعدة الآخرين وعندما كنا في الجامعة في مدينة السليمانية كنا نقضي عصر يوم الجمعة مع بعض , فبعد أن اكمل زيارتي للجامع الكبير وحضوري الذكر الذي يقيمه الدراويش في ساحة المسجد الكبيرة يأتي هاني فنتناول طعام الغداء في مطعم قريب ونتمشى في المدينة أو ندخل سينما دلشاد لمشاهد فلم اجنبي ونجلس في مقهى عبد الله المقابل لمبنى المحافظة التي اطلق عليها لاحقا مبنى السراي وعندما يحل المساء نتعشى في السوق ثم يعود كل واحد منا الى القسم الداخلي وفي العطلة الصيفية للسنة الأخيرة عندما كنت اقضي الشهر الأخير من العطلة في القسم الداخلي للتحضير لامتحان مادة الكومبيوتر التي لم أتمكن من اجتيازها جاء هاني للتحضير للمادة التي لم يتمكن من إكمالها وكنا نقضي معظم الوقت مع زملاء الدراسة في التحضير للامتحانات ونذهب كمجموعة لتناول الطعام في مطاعم وسط السليمانية وكنا مثل الأخوة في تعاملنا مع بعض ففي الوقت الذي كان هانئ سريع النكتة ويمزح مع بقية الزملاء كان يتعامل معي بجدية وكأنه أخي وكان يخبرني عن رايه بتصرفات أو شخصيات الزملاء والزميلات وكان هادئ في كل تصرفاته لم أقابل شخص مثل هدوئه لغاية اليوم , في بعض الأحيان بعد انتهاء الدوام في الجامعة كان هاني يزورني في القسم الداخلي ويقضي معظم الوقت يمزح مع زملائي وكان في بعض الأحيان يتناول معنا الطعام الذي نقوم بإعداده وكنت اعتقد بانه غير منسجم مع زملائه في القسم الداخلي لذلك يقوم بزيارتي لكني اكتشفت عندما زرته في القسم الداخلي الذي يسكن فيه إن علاقاته مع زملائه ممتازة جدا وانه يحب الحياة ويحب الجميع وتعامله مع زملائه بنفس مستوى تعامله مع زملائي.
سكان مدينة السليمانية لهم روح ونكهة راقية في التعامل وكنا سعداء جدا في تلك الأيام فكنا نتناول إفطارنا صباحا في بعض الأحيان في مطعم صغير يقع تحت عمارة القسم الداخلي حيث هناك رجل عجوز يقدم لنا ماست ( اللبن الرائب الحامض) مع خبر التنور الحار والشاي الحلو المذاق بالهيل وكان هذا الإفطار التقليدي للأكراد وقد تعودنا عليه فطعم اللبن الحامض يمتزج مع الشاي الحلو والخبز الطازج يعطينا نكهة خاصة في جو السليمانية البارد لم نعهدها من قبل , وكان ذلك العجوز يتذكرنا واحدا واحد بحيث اذا غاب احدنا بعض الأيام يسال عنه وفي احدى المرات جاء هاني معي فرحب بنا العجوز واخذ يتكلم مع هاني بالكردية لاعتقاده انه كردي لبياض بشرته وزرقة عينيه فقال له هاني انه لا يتكلم الكردية وطبعا العجوز شك في ذلك وبعد أن تناولنا الإفطار المعهود وما إن دفعنا حساب الإفطار حتى جاء العجوز ودس في جيب هاني كيسا صغيرة قال له هذه هدية لأنك تأتي هنا أول مرة وافتح الكيس في الجامعة وما إن ابتعدنا عدة امتار عن المطعم حتى وقف هاني خائفا للتأكد من محتويات الكيس ففتح الكيس فوجد فيه ثلاث قطع من الكليجة المحشوة بالجوز فضحكنا وقلنا لهاني انك محظوظ عند كاكة جلال . كان كاكة جلال يعامل الطلبة على اختلاف أصولها القومية ودياناتهم مثلا أولاده.
وبعد التخرج من الجامعة التحقت بالخدمة العسكرية في نفس اليوم الذي التحق فيه هاني وهو 1-10-1979 وكنا نلتقي شهريا بشكل منتظم أو كلما سنحت الفرصة لتبادل المعلومات حول الحياة الجديدة في الجيش وكان يزورني بسيارة والده الحديثة الموديل التي كانت نوع فيات من الحجم الكبير وكنا نجلس في حديقة بيتنا الواسعة اذا كان الوقت صيفا أو نذهب الى الأعظمية ونجلس في احدى المقاهي قرب الإمام الأعظم أو نتمشى في منطقة رأس الحواش حيث المنطقة تعج بالحياة والمتسوقين عصرا ثم نتناول العشاء من مطعم مشاوي قرب جسر الأئمة، كان عالمنا صغير واهتماماتنا بسيطة وأجواء الحرب قد سيطرت على حياتنا بشكل كبير، التمشي في منطقة راس الحواش في الأعظمية كان متعة ما بعدها متعة حيث المحلات التجارية والشارع الذي يضج بالحياة وانسياب السيارات بهدوء , وفي بداية الخدمة العسكرية كانت وحدتي في معسكر الرشيد وكان الذهاب الى هناك من شارع فلسطين لا يستغرق اكثر من نصف ساعة وكانت وحدة هاني العسكرية في معسكر التاجي وكنا خلال الحرب مرت نهاية سنة 1979 بهدوء وبدأت سنة 1980 وقد اندمجنا في الحياة العسكرية وما إن حل الشهر التاسع حتى بدأت الحرب العراقية الإيرانية فتغيرت حياتنا كلها , فحسب النظام العسكري خلال الحرب ننام في البيت ليلة وفي المعسكر ليلة حيث يتم حراسة المعسكرات على مدار الساعة وقد كانت الطائرات الإيرانية تقوم بغارات على المعسكرات وذلك بعد أن التقطت أنفاسها من قوة الضربة الجوية العراقية الأولى التي أوقعت خسائر جسيمة في القواعد الجوية الإيرانية وفاجأت الجيش الإيراني , تعودنا على حالة الحرب ولم يكن هناك شيء واحد يلفت الانتباه إلا ما حدث يوم 7 حزيران سنة 1981 حيث كنت في البيت لأتناول طعام الغداء والعودة الى معسكر الرشيد قبل حلول المساء وكانت الساعة الخامسة وخمسة وثلاثين دقيقة عصرا كنت أتكلم مع زميلي رأفت بتلفون البيت لكي يأتي ليأخذني من البيت الى المعسكر لأنه تأخر علي فاخبرني انه سيخرج الآن, وفجأة انقطع الاتصال بيننا وسمعت أصوات اطلاق نار صم الأذان وانقطع البث التلفزيوني والراديو لأكثر من اربع دقائق , فصعدت الى سطح البيت فشاهدت مدافع مقاومة الطائرات في جهة معسكر الرشيد , فخرجت الى الشارع بانتظار رأفت فوصلني كالمجنون وتوجهنا الى المعسكر وهناك اكتشفنا إن إسرائيل قامت بضرب المفاعل النووي العراقي تموز وكانت هناك حرائق كبيرة حيث إن المفاعل قريب من معسكر الرشيد, حيث قامت إسرائيل بالتشويش على كافة الرادارات ومحطات الاتصال السلكية واللاسلكية استمر لدقائق معدودة, وكانت تلك الحادثة المشؤومة نذيرا سيئا ومؤشرا على تكالب الأعداء على العراق وان تلك الحرب التي اعتقدنا في بدايتها ستكون قصيرة ستمتد سنوات طويلة وهذا ما حدث بالفعل, وما أن اشتدت الحرب سنة 1982واصبح هناك نقص في الوحدات العسكرية في الجبهة حتى تم نقل الأف المقاتلين من مختلف الرتب العسكرية من المعسكرات داخل المدن الى الجبهة وتم نقلي الى القاطع الأوسط من العمليات وتم نقل هاني الى جبهة القاطع الجنوبي في مدينة العمارة وكنا نلتقي في إجازاتنا حيث نقضي ثلاثة أسابيع في الجبهة وأسبوع إجازة في البيت وأول شيء أقوم به عندما اصل الى البيت وارتاح قليلا اتصل مع هاني لأعرف هل هو موجود في إجازة كذلك أو لا وكان هو يفعل نفس الشيء ونخطط لكي نلتقي ونتبادل أخبار الحرب والجبهة وكان الزمن يركض ولم يكن لدى العراقيين أي اهتمامات سوى موضوع الحرب والأزمات الاقتصادية في فقدان بعض المواد الغذائية وانقطاعات الكهرباء المتكررة التي كانت تحصل خلال تلك الفترة .
كان هاني قد اخفى مكان وحدته العسكرية عن أهله واخبرهم انه في مدينة العمارة في حين انه في عمق الجبهة وفي الساتر الأمامي بالتماس مع العدو وكانت وحدتي العسكرية كذلك بالتماس مع العدو, لكن جبهة القاطع الأوسط مختلفة حيث كنا في جبال ومرتفعات ويفصل بيننا وبين العدو عدة كيلومترات لكن قاطع مدينة العمارة كانت ارض سهلة منبسطة والعدو قريب جدا وعلى مرمى بندقة الكلاشنكوف أي 500 متر فقط وكانت الجبهة ساخنة لقيام العراق باحتلال مدن مقاطعة الأحواز العربية ودخل الى مدينة المحمرة عاصمة الأحواز في معارك شوارع كانت الأشرس عالميا منذ الحرب العالمية الثانية وكان الجيش الإيراني يقوم بهجمات على طول خط الجبهة الجنوبية لاستعادة مدن الشريط الحدودي حيث دخل الجيش العراقي الى داخل ايران على خط جبهة طوله 1400 كيلومتر واحتل مئات المدن والقرى الإيرانية التي نزح سكانها الى الداخل الإيراني , في أخر لقاء كان بيني وبين هاني من اغرب ما مر على علاقتنا , فقد جاء لزيارتي كعادته وهو سعيد جدا ويطلق النكات ويضحك بصوت مرتفع وكان الوقت شتاء وكان لدينا ضيوف في غرفة الاستقبال الكبيرة فصعدنا الى غرفتي في الطابق الأعلى وكانت كبيرة وتطل على الحديقة الخلفية للبيت وبقينا نتحدث ونشرب الشاي قرابة الساعتين وقال لي هاني بعد أن شاهد عدة حقائب للسفر فوق دولاب ملابسي الكبير, ما هذا العدد الكبير من الحقائب هل تستعملها كلها للسفر فضحكت وقلت له لا طبعا واعتقدت انه يريد أن يأخذ احدى الحقائب فأنزلت حقيبة جلدية جديدة لم استعملها وقلت له فعلا المكان ضيق وعدد الحقائب كبير ما رايك أن تأخذ هذه الحقيبة الغير مستعملة ؟ فابتسم وأخذها وقال ولو إنها كبيرة لكي استعملها في الجبهة لكن جلدها عجبني وسوف استعملها في السفر, وبقينا نتحدث حتى جاء وقت الغداء فنزلت الى المطبخ وطلبت من والدتي أن تهيئا لنا طعام الغداء فعملت صينية كبيرة وكانت مرق بامية بلحم الغنم ورز وكباب بيتي على الطريقة البغدادية وهو خليط لحم الغنم مع قليل من الطحين والبصل والثوم والكرفس يقلى بالزيت , وسلطة خضار, فأكلنا واستغرقنا في الوقت أطول من الازم ولم نشعر بالوقت وبعد الأكل أحضرت الشاي وشربنا الشاي بهدوء تام ثم قال لي يجب أن أعود للبيت فان الوالد قد يحتاج السيارة للذهاب الى عمله في الساعة الرابعة عصرا , فودعته الى باب السيارة واخذ الحقيبة الجلدية ووضعها في صندوق السيارة وقبلني وكانت هذه أول مرة يقبلني فيها عندما يودعني للذهاب الى الجبهة, فشعرت بخوف داخلي وظهرت على وجهه ابتسامة غريبة لا زلت أتذكرها وقال لي هذه أخر مرة أشوفك فيها ولن أعود مرة ثانية فصرخت في وجهه اسكت أعوذ بالله لا تقول هذا وأنت سوف تعود بالسلامة طبعا فابتسم ولم يرد علي وقال لي أنا بالأساس لم ابلغ أهلي اني في الخطوط الأمامية للجبهة لكي لا يقلقون علي وأخبرتهم إن وحدتي في مدينة العمارة فقلت له أتخاف على اهلك ولا تخاف على نفسك؟ فابتسم وقال ليس لدي خيار أخر ولا أريدهم أن يقلقون على والقاطع الجنوبي كله مشتعل وذهب عائدا الى بيته ودخلت أنا الى البيت ونسيت ما قاله لي في خضم أجواء ولم أتذكر ذلك ألا في مساء ذلك اليوم قبل أن اخلد للنوم فتعوذت من الشيطان وقرات قليلا من القران ودعوت لهاني بالسلامة ونمت.
التحقت بوحدتي العسكرية وكانت معظم الجبهات مشتعلة حيث شهدت نهاية سنة 1982 معارك عنيفة امتدت الى نهاية 1983 وكنت اسمع أخبار القاطع الجنوبي للعمليات وانا في الجبهة من خلال راديو الترانسيستور الذي كان رفيق كل المقاتلين في الجبهة في تلك الأيام وكانت أخبار هجمات إيرانية متعددة على القاطع الجنوبي لكن الموقف كان غامضا بالنسبة لنا وقضيت الأسابيع الثلاثة في الجبهة ورجعت في موعدي الى البيت وكالعادة أخذت حمام ساخن وتناولت قليلا من الطعام واتصلت بالتلفون مع هاني فردت علي أخته سالتها هل هاني موجود فلم ترد علي وكررت السؤال عليها, فصرخت ماما ماما هذا بسام يسال عن هاني فسمعت صرخة مدوية من الخلف وقالت لي أخته هاني استشهد , لم أتمالك أعصابي فأغلقت سماعة التلفون بقوة في وجهها دون أن أتكلم من هول الصدمة, وجلست على الكرسي بهدوء وأخذت بلا شعور بقراءة تسبيح " سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله اكبر " عدة مرات ثم صعدت الى غرفتي وجلست لوحدي ولم أتمكن من الكلام مع احد أو حتى إخبار أهلي باستشهاد هاني , مر شريط ذكرياتي مع هاني كشريط سينمائي وكنت لا اعرف هل اني في عالم الأحلام أو اني في عالم اليقظة والذي هزني وضرب كياني اني تذكرت أخر لقاء لي مع هاني وكيف اخبرني انه لن يعود مرة ثانية وكيف قبلني و ودعني عندها شعرت بالندم لفقدانه وكيف ضاعت تلك اللحظات دون أن أودعه وابقى معه فترة أطول وراودني شعور اني لو منعته من الذهاب الى الجبهة لم يكن ليستشهد فاستغفرت الله لان ذلك قدر الله المكتوب له, وبقيت في غرفتي لوحدي بدون أن أتكلم مع احد الى أن قاربت الساعة السابعة مساء ولم اشعر بالوقت حتى دخلت والدتي الى غرفتي وهي تكلمني بصوت عالي : لماذا لا ترد علينا هل أنت مريض؟ فنظرت لها بذهول وقد فقدت القدرة على الكلام فكررت سؤالها هل أنت مريض؟ فقلت لها هاني استشهد فأجهشت والدتي بالبكاء وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب ونزلت الى الطابق الأسفل وبقيت أنا في غرفتي الى أن قاربت الساعة الحادية عشر ليلا فصعدت الي والدتي وطلبت مني النزول الى المطبخ لكي أتناول طعام العشاء فنزلت الى المطبخ ولم أتمكن من إكمال نصف صحن الطعام فخرجت الى الحديقة لأتنفس الهواء النقي ولم يبقى الطعام في معدتي لأكثر من ربع ساعة واستفرغت كل ما في معدتي وبقيت يومين على هذه الحالة لا أتمكن من الأكل وكلما أكلت استفرغ الطعام الى أن أصابني الهزال فأخذني أهلي الى الطبيب القريب من البيت في ساحة بيروت الذي طلب نقلي الى المستشفى لحاجتي الى اخذ مغذي في الوريد لعدم قدرة المعدة على الهضم والجفاف الذي أصابني فتم نقلي الى مستشفى الرشيد العسكري وتم إعطائي مغذي في الوريد وبقيت ليلة كاملة الى اليوم التالي حيث عدت الى البيت بعد أن أعطاني الطبيب أسبوع إجازة مرضية, وخلال تلك الفترة كنت أحاول الأكل فلم أتمكن إلا بصعوبة بالغة وكانت لدي رغبة بالصمت وعدم التحدث مع الأخرين حيث انعزلت أسبوع كامل في غرفتي عدت بعدها الى الجبهة.
لم اذهب الى مجلس عزاء هاني ولم أتمكن من الاتصال باهله من هول الصدمة وبعد عودتي من إجازتي التالية اتصلت مع صديقي أثيل البياتي الذي كان يعرفه وكان لدي فضول أن اعرف اكثر عن استشهاده لأني لم اصدق انه قد استشهد فاخبرني أثيل أن هجوما إيرانيا حصل على وحدته العسكرية وقد كان هاني يشغل امر فصيل مشاة باعتباره ضابط مجند وله ملجأه الخاص تحت الأرض وما أن سمع بالاشتباكات واطلاق الرصاص فوق حتى خرج من الملجأ وبيده رشاشته فكان في باب الملجأ جندي إيراني يحمل قاذفة ار بي جي فضربه بالقاذفة ومزق جسده الى أشلاء متناثرة ... لم استوعب لغاية اليوم ما حصل و كيف لذلك الملاك أن يقتل بهذه الطريقة البشعة؟ هاني الذي كان في زهرة شبابه ولم يتزوج ولم يعيش من حياته إلا ستة وعشرين عاما يموت بهذه الطريقة البشعة؟
لم أتمكن من نسيان هاني لغاية اليوم وقد طبع لقاءه الأخير معي في ذاكرتي ولم ارتاح لغاية الآن إلا بعد أن أفرغت حزني في هذه القصة، وصوت هاني ما يزال يرن في أذني على الرغم من مرور اثنين وأربعين عاما على استشهاده, الحرب الملعونة أخذت خيره الشباب من طرفي الحرب وعسى أن يستفيد العراق وإيران وغيرهم من الشعوب من تجربة تلك الحرب العبثية التي لم ينتصر فيها أي من الطرفين ولم لم تكن هناك حرب لاستفاد طرفي الحرب من مواردهم المالية والبشرية في عمليات التنمية وتطوير بلادهم.

بسام شكري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

834 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع