
ابراهيم فاضل الناصري
لعنة الجغرافيا: كيف ظلّت مهد الحضارات مسرحًا مزمنا لحروب الإمبراطوريات
من اول الحدثان والى هذا الاوان ، في كلّ المجريات الكبرى التي سجّلها التاريخ بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية، كانت أرض بلاد الرافدين وارض الجزيرة الفراتية ميادين جاذبة ومفتوحة ورحبة للصراعات، ومسرحًا دائمًا للأحداث والوقائع والمجريات. .ولم تكن هذه الجغرافيا طرفًا حرا محايدًا ولا هامشًا بعيدًا عن مراكز القرارات، بل كانت دوما قلب المواجهة النابض، وخطّ التماس الذي تتكسر عليه موجات التوسع الإمبراطوري من الشرق والغرب.
ففي القرن الرابع للميلاد كانت هذه الأرض نفسها مسرحًا لحملة الإمبراطور الروماني يوليان ضد شابور الثاني الساساني، حين اندفعت الجيوش الرومية عبر الفرات ودجلة لتصطدم بالعمق الفارسي عند أسوار طيسفون، في واحدة من أكثر الحملات دلالة على مركزية بلاد الرافدين في ميزان الصراع الرومي–الفارسي.
وفي القرن السابع للميلاد تكرر المشهد على المسرح ذاته، ولكن بأبطال آخرين، حين تحولت بلاد الرافدين والجزيرة الفراتية إلى ساحة الصراع الكاسح بين الإمبراطور البيزنطي هرقل والإمبراطور الساساني كسرى الثاني (خسرو برويز)، في حرب استنزاف كبرى أنهكت القوتين معًا، ومرّت جيوشهما مرة أخرى بالمدن نفسها، والأنهار نفسها، والطرق نفسها، التي شهدت قبل ثلاثة قرون حملة يوليان.
ولم يكن ذلك محض مصادفة تاريخية، بل تعبيرًا عن حقيقة جيوسياسية ثابتة: فموقع هذه البلاد الوسيط بين الهضبة الإيرانية وسواحل المتوسط، وتحكمها بعقد المواصلات البرية والنهرية الكبرى، جعلاها بوابة لا غنى عنها لأي قوة تطمح إلى الهيمنة الإقليمية. ولهذا تحولت مدنها، من الحيرة والأنبار إلى نصيبين والرها وحرّان، إلى نقاط ارتكاز عسكرية، ومخازن إمداد، وقواعد متقدمة للجيوش المتقابلة.
وهكذا لم يكن الصراع الرومي–الفارسي مجرد تنازع حدودي عابر، بل كان صراع نفوذ وهيمنة انعكس مباشرة على سكان هذه البلاد، الذين وجدوا أنفسهم وقودًا لحروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، يتبدلون في ولاءاتهم السياسية بتبدل رايات الجيوش، فيما تبقى أرضهم هي الثابت الوحيد الذي يدفع الثمن في كل دورة صراع جديدة.
ومن هنا يمكن القول إن بلاد الرافدين والجزيرة الفراتية لم تكونا مجرد مسرح للأحداث، بل كانتا جزءًا بنيويًا من منطق الصراع ذاته: من يملكهما يملك مفاتيح العبور بين الشرق والغرب، ومن يخسرهما يفتح خاصرته الاستراتيجية أمام خصمه.
وإذا انتقلنا من التاريخ القديم والوسيط إلى الزمن الراهن، بدت الصورة كأنها تعيد إنتاج نفسها بأسماء ولافتات جديدة. فالصراع الدائر اليوم بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وبين حكّام إيران وحلفائهم من جهة أخرى، لا يجري في فراغ جغرافي ولا على مسرح عشوائي، بل يتمركز مرة أخرى فوق أرض بلاد الرافدين والجزيرة الفراتية وسوريا الكبرى، أي على الخطّ نفسه الذي شهد صراعات يوليان وشابور، وهرقل وخسرو.
تبدّلت الإمبراطوريات، وتغيّرت العقائد السياسية، واختلفت أدوات الحرب، لكن الجغرافيا بقيت هي هي، وبقي منطق الصراع هو نفسه:
قوة آتية من الغرب تسعى إلى فرض هيمنتها وتطويق خصومها وضبط طرق العبور والنفوذ، في مقابل قوة متمركزة في الهضبة الإيرانية تحمل أيديولوجيا توسعية لا تقل شراسة في جوهرها الإمبراطوري عن نظيراتها القديمة، أيديولوجيا ترى في المجال العربي والرافديني فضاءً مشروعًا للتمدّد والابتلاع، وتسعى للتمدد الأرضي قبل أن تسعى لتأمين عمقها الاستراتيجي والوصول إلى المتوسط عبر هذا الممرّ ذاته.
وبين الطرفين تقف مجتمعات هذه البلاد مرة أخرى في موقع «الأرض الوسيطة» التي تُدار فوقها الصراعات بدل أن تُدار لمصلحتها، وتُستنزف فيها الطاقات البشرية والاقتصادية والسياسية، دون أن يكون لها قرار الحرب ولا ثمرة السلام.
كأنّ لهذه الأرض ذاكرةً مثقلة بالخطى الثقيلة للجيوش، وبصدى سنابك الخيل، وبهدير المدافع، وبأنين القوافل المنكوبة عبر العصور. كلّما تغيّر اسم الإمبراطور، وتبدّلت رايات الجيوش، بقيت بلاد الرافدين والجزيرة الفراتية هي الصفحة نفسها التي يُعاد الكتابة عليها بالحبر ذاته: حبر الدم.
هنا، على ضفاف دجلة والفرات، مرّ يوليان وشابور، ثم هرقل وخسرو، وها هم اليوم يمرّون بأسماء أخرى ولهجات أخرى وأسلحة أذكى، لكن بالمنطق ذاته: منطق القوة التي لا ترى في هذه البلاد إلا ممرًا، ولا في شعوبها إلا عتبةً تعبر فوقها نحو المجد الإمبراطوري.
وكأن الجغرافيا هنا ليست مكانًا، بل قدرًا. ليست أرضًا فحسب، بل وظيفة تاريخية مفروضة: وظيفة الوسيط، والحاجز، وساحة التصادم. كل قوة صاعدة ترى فيها الجسر الذي لا بد من امتلاكه، وكل قوة متمركزة في الشرق ترى فيها العمق الذي لا بد من ابتلاعه أو تحييده. وبين الجسر والعمق تُسحق المدن، وتشيخ القرى، ويهرم التاريخ من فرط التكرار.
وفي هذا التكرار المملّ حدّ المأساة، يبدو الإنسان الرافديني كأنه يعيش خارج الزمن: يغيّر أسماء الطغاة في ذاكرته، لكنه لا يغيّر موقعه في المأساة. دائمًا في المنتصف، دائمًا في مرمى النيران المتقاطعة، دائمًا الخاسر الوحيد في حرب لا يقرّرها ولا يربحها.
ولهذا فإن ما يجري اليوم بين واشنطن وطهران ليس صراع قرن واحد، بل صراع ألفي عام يرتدي أقنعة جديدة. هو الصراع نفسه الذي يبدّل لغته ولا يبدّل جوهره، ويغيّر أدواته ولا يغيّر مسرحه.
وفي المحصّلة، تبقى بلاد الرافدين والجزيرة الفراتية كشيخٍ عجوزٍ يجلس على عتبة التاريخ، يراقب مرور الإمبراطوريات واحدةً بعد أخرى، يعرف أنها جميعًا عابرة، لكنه يدرك – بمرارة الحكيم – أنه وحده من سيبقى ليدفع ثمن عبورها جميعًا.
823 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع