
الاستاذ الدكتور
سمر رحيم نعيمة
الولايات المتحدة الأمريكية من الاستعمار إلى القوة
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية إحدى أكبر الدول في العالم حاليا من جميع المستويات، بل إنها أصبحت خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها قوة عالمية لم يجابها في الضخامة والسطوة سوى الاتحاد السوفياتي في القرن العشرين. غير أن تاريخها كدولة وشعب لهو أحد أغرب وأكثر حالات التطور والاستمرارية التاريخية غرابة وإثارة للإعجاب، وهو واحد من أكثر تواريخ الشعوب دمويا على الإطلاق. في هذا المقال سنأخذكم في رحلة عبر الزمن نتعرف من خلالها على تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.
تقع الولايات المتحدة الأمريكية في الجزء الشمالي من قارة أمريكا، تحدها شمالا كندا وجنوبا المكسيك، وهي واحدة من أكبر دول العالم مساحة، تضم 52 ولاية تمتد حتى المحيط الأطلسي شرقا، والمحيط الهادئ غربا. وهي دولة وحضارة جديدة بالمقارنة مع باقي دول العالم باستثناء دول القارة الأمريكية.
يعود تاريخها الحقيقي قبل تشكيل ما يسمى الأن بالولايات المتحدة إلى أزيد من 50 ألف سنة، إذ كان يعيش في قارة أمريكا ككل سكان أصليون أطلق عليهم فيما بعد الهنود الحمر. ترجح أغلب الأبحاث والدراسات التاريخية أن هؤلاء السكان الأصليين قد وصلوا إلى قارة أمريكا بعد عبورهم مضيق بيرينغ خلال الحقبة الجليدية، وقد عاشوا على شكل مجموعات مختلفة شكلت كل منها بيئتها ولغتها وعاداتها وتقاليدها، وازدهرت وتطورت وبنت حضارتها الخاصة، والتي ظهرت في الآثار والإرث الذي خلفها سكان أمريكا الأصليون في الزراعة والأنظمة الاجتماعية والهندسة والفن. ومن أبرز الحضارات التي مرت في أمريكا نجد حضارات المايا والأزتك والأنكا، والتي تم القضاء عليها وإبادتها خلال مرحلة الاستكشافات الجغرافية الكبرى.
أسست الحضارات البائدة في أمريكا مدنا ظلت شاهدة على تطور تلك الشعوب مثل تيكال وشيتشن إيتزا، واللتان كانتا تعتمدان أنظمة ري معقدة ومثيرة للاهتمام. كما أن تينوتشيتيتلان المنتمية لمملكة الأزتيك مثلت نموذج مبهرا لتطور العمارة والزراعة والمتمثلة في المدن العائمة ببحيرات المكسيك. فيما خلد الإنكا تاريخها المجيد في جبال الأنديز بمدن تم بناؤها بتقنيات بناء فريدة من نوعها عبر شبكات طرق تربط مناطق متعددة مع بعضها البعض مثل مدينة ماتشو بيتشو.
تميز السكان الأصليون في أمريكا بتنوع الشعوب المنبثقة عنهم والمشكلة لمجتمعات القارة الأمريكيو قبل الاستكشاف، ويعتبر الهنود الحمر الذين عاشوا في أمريكا الشمالية، وشعوب النافال والشيروكي والأباتشي والأنسازي التي ازدهروا في باقي مناطق القارة أهم الشعوب الأصلية الذين استوطنوا الأمريكيتين.
مارست شعوب الجنوب الصيد والتجارة والزراعة كنمط عيش لها، فيما تفننت شعوب الشمال في البناء وصناعة الأدوات من المواد الطبيعية المتاحة كالعظام والحجارة. فيما كانت التجارة عملا يتم القيام به داخل كل المجموعات مع بعضها، أو بين المجتمعات القريبة فيما بينها.
الاستكشافات الجغرافية الكبرى وتغير المسار التاريخي لأمريكا كانت شعوب القارة الأمريكية تعيش في سلام، تتطور بشكل طبيعي يتماشى مع حاجياتها وأماكن تواجدها، فأسست حضارات عريقة، وأبدعت في العمارة والهندسة والزراعة والأنظمة الاجتماعية بشكل مثير للإعجاب والاحترام في ذات الوقت. نحث سكان أمريكا الأصلين مدنا في الجبال، وتركت المايا وراءها أهراما فائقة الروعة، وخلفت الأزتيك بعدها معابد عبارة عن تحف معمارية، فيما تظل المسلات شاهدا على براعة الإنكا. غير أن كل هذا لم يشفه لشعوب أمريكا ويمنحها حقها الوجودي في الاستمرار والحياة على أرضها.
في عام 1492م وصل كريستوف كولومبوس إلى شواطئها، وجد هناك أناس يعيشون، لكن الغرب الأوروبي لك يكن يعرف بوجودهم فأطلق على القرة الأمريكية اسم العالم الجديد. وفي هذه اللحظة تغير مسار أمريكا بشكل جدري.
فتح الاستكشاف الاسباني للعالم الجديد كما يسمى كلا التعبيران أكاديميا الباب أمام القوى الاستعمارية الأوروبية للتوسع والاستفادة من الموارد الطبيعية الخصبة التي تتمتع به القارة المجهولة والتي عرفت الآن. التحقت إنجلترا والبرتغال وفرنسا وهولندا بالإسبان، فدخلت قارة أمريكا في مرحلة الاستعمار الأوروبي لها. قاد الغزاة الأوروبيون حرب إبادة جماعية ضد السكان الأصليين، والشعوب المسالمة التي تعيش في أمريكا. تم القضاء بشكل تام على حضارة المايا والإنكا والأزتيك، ولم يبق منها سوى معالم ومدن ومباني تاريخية تشهد لها بالوجود ذات تاريخ غابر.
طوال ما يناهز القرنين منذ 1492م وحتى 1774م، بسطت القوى الاستعمارية الأوروبية سيطرتها على أراضي الأمريكيتين. كان لإسبانيا نصيب الأسد إذ أسست امبراطورية استعمارية ضخمة في أمريكا الجنوبية مع احتلالها لأجزاء في الشمالية، فيما اتجه الانجليز نحو الشمال، وكذلك فعل الفرنسيون، غير أن إنجلترا نجحت في السيطرة على الأراضي التي تسمى الآن بالولايات المتحدة، وجزء كبير من كندا، فيما احتلت فرنسا جزءا آخر مهما من كندا وبعض المناطق في أمريكا.
خاض المستعمرون حروبا طاحنة فيما بينهم على أمريكا، كان الهدف منها احتكار الثروات والخيرات والتوسع بشكل كبير. في النهاية حاول كل منهم وخاصة اسبانيا وانجلترا الحفاظ على الأراضي التي تحت يديه.
المستعمرات البريطانية وبداية تشكل الولايات المتحدة الأمريكية أسست إنجلترا 13 مستعمرة تابعة للتاج البريطاني في المناطق الممتدة من كارولينا إلى نيو إنجلند على الساحل الشرقي في أمريكا الشمالية. كان الهدف من هذه الخطوة هو ضمان إمداد الإمبراطورية البريطانية بالموارد الطبيعية، كما تم اعتماد هذه المستعمرات لتمويل النشاط التجاري للتاج البريطاني.
ومع توالي السنوات، أصبحت هذه المستعمرات 13 تتطور بشكل سريع وتنمو على كافة الأصعدة، بما فيها تشكل هوية قومية وثقافية خاصة بها، وهو ما أدى إلى تنامي الشعور بالحاجة إلى الانفصال والاستقلال عن الإمبراطورية البريطانية. خاصة أن القوى الاستعمارية قضت بشكل شبه تام على الثقافات الأصلية، وأسست مزارع كبرى لإنتاج السكر والتبغ والقطن، ما أدى لنمو وتطور المستعمرات ككل صناعيا ومجتمعيا. دون نسيان الدور الكبير الذي لعبته الكنيسة الكاثوليكية في تنصير السكان الأصلين ونشر الثقافة المسيحية على عموم القارة الأمريكية.
الثورة الأمريكية وبداية الجمهورية فرضت التاج البريطاني على مستعمراته 13 في أمريكا قيودا تجارية اعتبرها هؤلاء مجحفة للغاية، كان أهمها قانون الطوابع وقانون الشاي. تفاقم الوضع بين المستعمرات 13 والامبراطورية البريطانية في منتصف القرن الثامن عشر، وتزايد التوتر بينهما وبلغ حده الأقصى عندما قام سكان المستعمرات بإلقاء الشاي في البحر احتجاجا على الضرائب المفروضة عليهم، ما أدى إلى اندلاع حرب الشاي في عام 1773.
بعد حرب الشاي وخلال مرحلة من الاجتماعات عرفت بمؤتمرات المستعمرات 13 والتي عقد أول واحد منها عام 1774م، وفيه تم انتخاب ممثل عن كل مستعمرة، حضر فيما بعد المؤتمر القاري الأول، حيث اجتمع هؤلاء من أجل توحيد وتشكيل حكومة واحدة. وقد تم ذلك فعلا، ثم عقد المؤتمر القاري الثاني عام 1776م، وفيه أعلن استقلال المستعمرات 13 عن التاج البريطاني.
إعلان الاستقلال أعلنت المستعمرات الأمريكية 13 انفصالها بشكل رسمي عن الإمبراطورية البريطانية، داخل قاعة الاستقلال الشهيرة في عام 1766م، فيما أطلق عليه وعرف فيما بعد بإعلان الاستقلال. ويعتبر هذا اليوم يوما تاريخيا في أمريكا حيث تم تأسيس حكومة دولة جديدة تحمل اسم الولايات المتحدة الأمريكية، وهي حكومة لا تخضع للحكم الملكي، بل تدار بشكل ديمقراطي عبر منتخبين يختارهم الشعب. قام توماس جيفرسون بكتابة هذا الإعلان بيده، فيما وقع عليه ممثلو المستعمرات جميعهم.

556 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع