العراق وبلاد الرافدين و السكان الاوائل

الاستاذ الدكتور
نزار الربيعي

العراق وبلاد الرافدين و السكان الاوائل

هو بلاد النهرين (نهري دجلة والفرات) أو بلاد الرافدين موطن الحضارة ، وهو الجناح الشرقي للهلال الخصيب. وتعني هذه البلاد أموراً كثيرة ومتنوعة. فهي تستحضر في الذهن صورة جنة عدن أو برج بابل أو الطوفان العظيم.
ويرتبط اسمها لدى بعض الناس بشريعة حمورابي أو موت الاسكندر العظيم، ويرتبط اسم العراق عند آخرين بالتنجيم الكلداني أو بالمقبرة الملكية في أور، وفي الوقت الحاضر بمستودعات النفط في المنطقة العربية.
والعراق على حد تعبير ابن حوقل هو «أعظم أقاليم الأرض منزلةً، وأجلّها صفةً، وأغزرها جبايةً، وأكثرها دخلاً، وأجملها أهلاً، وأكثرها أموالاً، وأحسنها محاسنَ، وأفخرها صنائع، وأهله أوفرهم عقولاً وأوسعهم علوماً، وأفسحهم فطنة في سالف الزمان والأمم الخالية. وقال ياقوت الحموي إن سكان العراق هم أهل العقول الصحيحة والآراء الراجحة، والبراعة في كل صناعة
وفي حق العراق قال ناجي التكريتي إن العراق كان وما زال وسيبقى «عقل الوطن العربي وسيفه دون منازع» منذ القدم. وفي العصر الوسيط الذي كان فيه العرب سادة العالم، فإن الفضل لعقل العراق المبدع، ولسيفه الممشوق في مقدمة الرماح. ومواقف العراق في العصر الحديث مشرّفة يعتز بها كل إنسان.
وهل أن المقصود ببلاد الرافدين هو نفسه العراق؟ أم توجد فروق بينهما وما هي حدود كل منهما؟ وما هو أصل سكان هذه المنطقة ومصدر هجراتهم، والجغرافيا التاريخية لمنطقة الدراسة؟
أن بلاد الرافدين هي نفسها العراق الحالي وأن أصول سكانه يتكونون من مجموعتين: الجزريون (الساميون العرب) وهم الأقدم ومصدر هجرتهم جزيرة العرب، والسومريون حيث يختلف الباحثون حول أصولهم ومصدر هجراتهم. وهذه الدراسة رجحت قدومهم من عيلام المجاورة ذات البيئة المتشابهة لبيئتهم في جنوب العراق. وتم إثبات.
يقصد بحضارة بلاد وادي الرافدين (النهرين) حضارة العراق القديم، وهي إحدى الحضارات القديمة القليلة التي أطلق عليها المؤرخ الشهير توينبي مصطلح الحضارة الأصلية أو الأصيلة (Original)، وهي الحضارة التي لم تُشتق من حضارة سابقة لها بل نشأت وتطورت منذ عصور ما قبل التاريخ وأُطلق على العراق أيضاً اسم الجزيرة وأرض الفُراتين، وسكانه الفراتيّون، واقترن اسمه بالرخاء والازدهار، منذ أزمنة بعيدة. فقد ذكر «هيرودوتس» قبل ميلاد السيد المسيح بنحو 500 عام أن أرض العراق هي من أزكى البلاد تربةً وأخصبها مادةً للحنطة؛ إذ تؤتي الحبة الواحدة منها مئتي ضعف وأحياناً ثلاثمئة ضعف. وكان «الشنعاري» في العهد القديم إذا سار في أرضه الغريلية فلا يقع طائر بصره إلا على غابات مزدحمة من النخيل والغرب والصفصاف ومنذ نهاية العصر الجليدي الأخير، في حوالى 8000 – 9000 ق.م.، وإلى الوقت الحاضر كانت الجزيرة العربية تعاني جفافاً شديداً وتعرياً في التربة كان من نتيجته – كما يرى توينبي وجايلد – اتساع الصحراء، فأصبحت الأرض غير قادرة على استيعاب مزيد من السكان فبدأوا يهاجرون إلى خارج الجزيرة العربية على شكل عوائل صغيرة مسالمة ومنفردة، محدودة العدد وليس على شكل موجات كبيرة كاسحة في بداية الأمر. وأخذ هؤلاء المهاجرين يقطنون في أطراف الصحراء الأكثر خصباً، وقد ساعدوا فيما بعد على نشوء الحضارات المهمة في وادي الرافدين وفي مصر بوادي النيل في الألف الرابع قبل الميلاد حيث اختلطوا بسكانها الأصليين من الحاميين حيث تتشابه صفاتهم الجسمية واللغوية وعُرف هؤلاء المهاجرون بالساميين (أو الجزريين أو العروبيين أو الفراتيين). وكان أول من أطلق عليهم لفظ «الساميين» هو العالم النمساوي شلوتزر (Shlozer) سنة 1781م، وهم من صلب سام بن نوح الوارد ذكره في التوراة ، وشاعت هذه التسمية فيما بعد لا تشير لفظة السامية إلى جنس وإنما إلى جماعة تتكلم اللغات السامية (مثل الأكدية والبابلية والعربية وغيرها. ويرى معظم المؤرخين الأجانب أن الساميين والعرب شيء واحد، فقد ذكر سبرنغر (Springer) أن جميع الساميين عرب لأن مصدر هجرتهم واحد وهو جزيرة العرب وسكن الساميون في أوائل هجرتهم في سورية وأسسوا مستوطنات زراعية فيها على ضفاف نهر الفرات. ومنها هاجر الساميون المتحضرون إلى العراق حيث سكنوا البقعة المحصورة بين عانة وهيت معتمدين في حياتهم الزراعية على الري وأسسوا لهم وطناً في القسم الأعلى من الوادي والقسم الآخر من المهاجرين الساميين الأوائل كانوا يدخلون سومر منذ أقدم العصور عن طريق حافة الصحراء الغربية. وأحد الأسباب التي تدعو إلى هذا التخمين احتمال وجود ساميين (عروبيين) في جنوب العراق عند وصول السومريين لأول مرة، حيث إن بعض الكتابات السومرية تحتوي على كلمات استعيرت من كلام عروبي. وهناك من يرى أن أقدم موجة كبيرة من المجموعات العروبية المهاجرة إلى العراق بدأت في الربع الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد (أي بعد سنة 2750 ق.م.). ولدينا من هذه الحقبة دليل على وجود جماعة تعرف باسم الأكديين (القدامى) انتقلت إلى شمال بابل من منطقة جبل سنجار (الواقعة إلى الشرق من سورية). كما وصلت سلالة أكدية إلى السلطة في شمال بابل، وكان لآخر ملك في كيش رئيس وزراء معروف باسمه العروبي (شرّوم – كين) أي سركون (سرجون) الذي يعني الملك الصادق الذي أسس فيما بعد مدينة أكد، وله وزير يحمل اسماً سومرياً.
نستنتج أن السومريين (ثقافة أوروك) لم يكونوا أول من سكن بلاد بابل. ولعل هناك من سبقهم جماعة من الساميين (العروبيين) الممثلين بحضارة العبيد وأريدو سكنوها قبلهم بثلاثة آلاف سنة، وبأقل تقدير بألفي سنة. وتمثل ثقافة أريدو، بنظر كوردن جايلد، الطور الأول لحضارة العبيد أي أنهم كانوا الأصول الأولى للعنصر العرقي الذي انتسبت إليه بعد ذلك حضارة «أوروك» وأنهم كانوا أول من استوطن على الأرض البكر في البلاد التي حملت فيما بعد اسم «سومر». وإذا كان الأمر كذلك فإن هذا العنصر العروبي يمثل المرحلة الأولى لحركة شعوب استمرت خلال حقب التاريخ فحينما وصل السومريون إلى جنوب العراق وجدوا قرى مزدهرة تعود إلى العروبيين (الساميين) الذين جاؤوا من داخل الجزيرة العربية، وكانت تلك القرى أساس المدن السومرية وهذا يعني أن السومريين لم يكونوا قد ظهروا بعد خلال عصور العبيد والوركاء وأريدو وجمدة نصّر فيما قبل التاريخ، لأنهم أسسوا حضارتهم – في العصور القديمة والحديثة بعد عصر العبيد – بأكثر من ألفي سنة على أقل تقدير، ومن عدَّ هذه العصور سومرية كان على خطأ ووجد السومريون لغة (غير لغتهم) سائدة في المنطقة مع الألف الثالث ولكنها كانت مستخدمة قبل ذلك بمدة طويلة. وهذا يشير إلى أن السومريين كانوا وافدين جدداً في تلك المرحلة
ويرى هاري ساكز أنه في بداية العصور التاريخية، أي بعد بداية الألف الثالث قبل الميلاد مباشرةً، كان بالإمكان تمييز ثلاثة عناصر عرقية وحضارية في بلاد بابل وهم الساميون، والسومريون، وربما عنصر ثالث ملامحه غير معروفة مع وجود أعداد كبيرة من الكلمات السامية المستعملة في اللغة السومرية.
ويرى أحمد سوسة أن حضارة حسونة وسامراء وخفاجي وتل أسمر والعبيد والوركاء وجمدة نصّر ومسيلم كلها ترجع إلى الأصل السامي العربي وأن حضارة العبيد وأريدو في جنوب العراق تعود إلى 5000 عام ق.م. وقبل وجود السومريين في المنطقة الذين استوطنوها خلال المدة 3000 – 2350 ق.م. (عصور فجر السلالات) وعاشوا سوية مع الساميين كما يقول خبير الآثار السير ليوناردو وولي
ندرك مما تقدم أن سهل العراق الجنوبي لا تقل حضارته قِدماً عن الشمالي. ويتفق وجود الساميين فيه مع زمن هجرتهم من سورية إلى العراق. والسلطة كثيراً ما كانت تنتقل من السومريين إلى الساميين وعلى العكس من الساميين إلى السومريين قبل الميلاد بنحو 2800 عام وما بعده.
وجاء في تقويم ملوك سلالة أور الأولى (حوالى منتصف الألف الثالث ق.م.) أن رابع ملوك هذه السلالة كان يحمل اسماً سامياً هو أيلولم، وأن تمثال الملك السومري (لوكال زاكيزي) في نيبور لم يُكتب باللغة السومرية بل كتب باللغة الأكدية السائدة آنذاك.
واختلف الرأي حول أصل السومريين، ويستبعد الآثاري طه باقر الأصل الجبلي. ويرى هاري ساكز أنهم جاؤوا من مكان ما من شرق بلاد بابل ويقترب رأي أحمد سوسة من المنطق ويرى أنهم جاؤوا من عيلام (الأهواز) البطائحية المجاورة والمشابهة لبيئتهم الهورية وهو رأي الخبير الآثاري «هند كوك» نفسه
ومن أبرز الميادين الحضارية التي ظهرت إبان تلك المرحلة الخط المسماري الذي نُسِبَ خطأً إلى السومريين، حيث ظهر في كيش السامية وليس في سومر، أي قبل ظهور السومريين. ولم يُكتب على الطين كما في الرِقَم السومرية التي اكتشفت في الوركاء فيما بعد، بل كانت منقوشة على الحجر ويرقى تاريخها إلى 4000 ق.م. وبعد ظهور السومريين أدخلوا في لغتهم كلمات أكدية سامية.
أنثروبولوجية الساميين والسومريين بالرغم من قلة المعلومات عن سكان بابل القدماء (في الألف الرابع ق.م.) لكن الدراسات الأنثروبولوجية للهياكل العظمية التي وجدت في مقبرة أريدو والأربجية قرب الموصل والتي تنتمي إلى حضارة العبيد دلت على أن سكان العبيد وأريدو وتل حسونة هم من جنس البحر المتوسط الذين منهم الجزريون (العرب القدامى). وأن الجماجم القليلة الموجودة في بلاد الرافدين لا تختلف عن جماجم العرب المعاصرين وأكد كارلتون كون أن «أرض سومر كان يسكنها شعب ذو لغة سامية في أغلب الظن.
ويختلف السومريون عن الأكديين وبقية الساميين، فالسومريون ينتمون إلى جنس أبيض اللون لهم رؤوس مستديرة، ووجوه عريضة، وكانوا يحلقون رؤوسهم وأذقانهم أما الجماعات الأجنبية التي غزت العراق وعاشت فيه مثل الحثيين والعيلاميين والفرس فينتمون إلى الجنس الألبي الذي يتميز بأجسام ضخمة، وأنوف مقوسة سميكة.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

556 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع