من عبور الإسكندر إلى عبور الأطفال نحو الحلم

بدل رفو 

 من عبور الإسكندر إلى عبور الأطفال نحو الحلم

في قرية الشيخ حسن، عند سفح جبل الصوامع، حيث ينهض الحجر كأنه شاهدٌ أبديٌّ على تقلبات الأزمنة، مرَّ الإسكندر المقدوني ذات يومٍ بجيشه، ومضى كما يمضي العابرون في كتب التاريخ. تعاقبت بعده أممٌ وجيوش، ارتفعت راياتٌ وسقطت أخرى، لكن الأرض بقيت صامتةً وعميقة تحفظ في مسامها وقع الأقدام وتخزّن في حجارتها حكايات الذين مرّوا والذين استقروا. هنا عاش الآشوريون، ونحتوا في الجبل صوامعهم حجراً فوق حجر كأنهم يكتبون سيرة البقاء بلغةٍ لا تمحوها الرياح. ومن بين تلك الصخور خرجت الحكايات وتوالت القبائل وتبدّلت اللهجات، لكن الروح بقيت واحدة، تنبت كما ينبت العشب بين الشقوق، عنيدةً وخضراء.

الجبل هنا ليس مجرد تضاريس، بل ذاكرةٌ شاهقة. كلُّ صخرةٍ فيه تبدو كأنها صفحةٌ من كتابٍ قديم، وكلُّ دربٍ ضيّقٍ يصعد نحوه يشبه سطراً في ملحمةٍ طويلة. حين تهبّ الريح مساءً، أسمعها كأنها تروي فصولاً من تاريخٍ بعيد عن جنودٍ مرّوا، وعن قوافلَ استراحت، وعن أمهاتٍ انتظرن أبناءهن على سفوحه. ومع ذلك، يظلُّ الجبل ساكناً كأنه تعلّم من الزمن أن الثبات أبلغ من الضجيج.
وحين أجلسُ أنا في ساحة القرية، تحت شمسٍ صافية وأمام فنجان قهوةٍ بسيط، أشعر أنني أعيش طبقاتٍ من الزمن دفعةً واحدة. أمدّ بصري نحو السفح فأرى التاريخ، وألتفت خلفي فأرى المستقبل. خلفي مدرسةُ الشيخ حسن، جدرانها بلون التراب، لكنها في داخلي بلون الضوء. تبدو متواضعةً في هيئتها، صغيرةً في مساحتها، لكنها في معناها أوسع من السهول وأعلى من القمم.
هناك، في تلك الغرف البسيطة، تبدأ الحكاية من جديد كل صباح. يدخل الأطفال بخطواتٍ خجولةٍ أحياناً، وبضحكاتٍ عاليةٍ أحياناً أخرى. يحملون حقائبهم كما لو أنهم يحملون عالماً كاملاً. يجلسون على مقاعدهم الخشبية، يفتحون دفاترهم البيضاء، فتتحوّل الصفحات إلى حقولٍ تنتظر البذار. والحروف الأولى التي يخطّونها ليست مجرد أشكالٍ على ورق، بل مفاتيحُ أبوابٍ ستُفتح لاحقاً على مدنٍ وأحلامٍ وآفاقٍ أبعد من حدود القرية.
صوت المعلّم وهو يكتب على السبورة يشبه دقّات مطرٍ خفيفٍ على نافذة الروح. كلُّ كلمةٍ تُكتب هناك هي وعدٌ صغير، وكلُّ مسألةٍ تُحلّ هي انتصارٌ هادئ على الجهل. المدرسة لا تُعلّم القراءة والكتابة فحسب، إنها تُعلّم الأطفال كيف ينظرون إلى الجبل فلا يرونه حجراً فقط، بل تاريخاً ومسؤولية. تُعلّمهم أن الأرض التي مرّ عليها الغزاة يمكن أن تصبح أرضَ معرفةٍ لا تُغزى.
خلفي مدرسةٌ صغيرة، لكنها أكبر من الجبل حين يتعلق الأمر بالحلم. الجبل يحرس القرية بجسده، أمّا المدرسة فتحرسها بعقول أبنائها. منها يبدأ الطريق، لا بالسيوف كما مرّ الغزاة، بل بالكتب والدفاتر، لا بصليل الحديد، بل بخربشة الأقلام. من هناك يُصاغ وطنٌ جديد، لا يقوم على الفتح، بل على الفهم، لا على السيطرة، بل على المشاركة
أفكّر أحياناً في الفرق بين من مرّوا من هنا ومن يتعلّمون هنا الآن. أولئك عبروا وتركوا آثار أقدامٍ سرعان ما محتها الرياح، أمّا هؤلاء الصغار فيتركون أثراً في الوعي، أثراً لا يُمحى بسهولة. التاريخ الذي حملته هذه الأرض كان في معظمه صخباً عابراً، أما المدرسة فصمتٌ مثمر. الغزاة كانوا يبحثون عن أرضٍ يملكونها، أمّا المدرسة فتبحث عن عقولٍ تُحرّرها.
في الاستراحة، حين يملأ ضجيج الأطفال ساحة المدرسة، أسمع في ضحكاتهم نغمةً أقوى من صهيل الخيل الذي كان يملأ المكان قديماً. تلك الضحكات تعلن انتصار الحياة على الخوف، وانتصار المعرفة على السيف. أرى في أعينهم بريقاً يشبه ضوء الشمس حين يلامس قمة الجبل، بريقاً صافياً وواثقاً.
أجلسُ فأدرك أنني لا أحتسي قهوتي وحسب، بل أراقب معجزةً يوميةً تتكرّر بلا ضجيج. أدرك أن التاريخ الذي عبر من هنا كان عابراً مهما طال، أمّا المدرسة فباقية، لأنها لا تفتح أبوابها للغزاة، بل للأبناء. لأنها لا تحفظ أمجاد الماضي فحسب، بل تصنع أمجاد الغد. في ظلّها أشعر أنني لا أجلس فقط، بل أحرس أملاً يتعلّم كيف يكبر، وكيف يقف ذات يومٍ على سفح الجبل، رافعاً رأسه، لا ليغزو العالم، بل ليضيئه..

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

779 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع