
عائشة سلطان
حياة بريئة غير مستعملة!
«متحف البراءة» رواية صدرت عام 2008 للروائي التركي الحائز على جائزة نوبل للآداب أورهان باموق، أحداث الرواية تدور في سبعينيات القرن الماضي وبداية الثمانينيات، حول متحف شخصي أسسه الروائي التركي وأطلق عليه هذه التسمية «متحف البراءة» ليس انحيازاً للشاعرية فقط، ولكن لأنه أراد أن يجعله رسالة تخلد فكرة فلسفية عميقة تنتصر للذاكرة والحب والزمن الجميل والأشياء اليومية التي حدثت واستعملت لأول مرة!
حاولت زيارة المتحف أثناء زيارتي الأخيرة لإسطنبول لكن الطريق إليه لم يكن ميسراً، ومن كانوا معي لم يريدوا هدر الوقت بحثاً عن متحف يؤرخ لقصة حب مكررة، بينما كنت مصرة على الوصول إليه لأنني بخلاف أصدقائي كنت أريد أن أتنفس هواء زمن مختلف داخل المتحف، وأتلمس قصة حب بدت لي وكأنها نسجت على تخوم مدينة من خيال، كنت أريد أن أرى تلك الحياة وتلك الحكاية التي لم تكن مكررة ولا كغيرها.
يضم المتحف حياة ومقتنيات عصر يمتد من عام 1950 وحتى عام 2000. وحين نقول حياة فإن هذا هو التعبير الدقيق عن نوعية وتفاصيل المحتويات المتوزعة على ثلاثة طوابق: لوحات شهيرة، وأشياء يومية صغيرة مرتبطة بقصة الحب الواردة في الرواية بين فسون وكمال، أعقاب السجائر، فناجين القهوة، فساتين وأحذية وحقائب تمثل أسلوب الحياة والموضة في إسطنبول في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين.
يكتظ متحف البراءة بمقتنيات الحبيبة بطلة الرواية «فسون» التي جمعها «كمال» «أورهان باموق» من كل مكان تنقلت فيه: أقراطها، وأحذيتها، وملاقط شعرها، وأثوابها، زجاجات عطرها، أدوات التجميل ورخصة قيادتها، وكذلك مقتنيات والدتها نسيبة ووالدها السيد طارق. وبالمثل، يضم أشياء تعود إلى كمال نفسه ووالده، وكثيراً من أبطال الرواية.
تشير مفردة البراءة إلى لحظة نقية في بداية الحب وبداية أي حياة وأي فترة زمنية، لم تفسد ولم تتلوث بعد بالكذب وخيانات الناس وصدمات الزمن، أما المتحف فمحاولة لتجميد لحظة حياتية محددة، تلك الحياة البكر التي عاشها بطل وبطلة قصة حب عابرة ربما، لكنها جسدت الحب في لحظة زمنية، كان كل شيء فيها مختلفاً ويحدث للمرة الأولى، حياة طازجة لم تستعمل سابقاً ولم تتكرر بذات البراءة.. حياة كانت بريئة لأنها غير مستعملة، وحين تكررت تلوثت ككل شيء!

1433 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع