
بقلم
الأستاذ الدكتور
صلاح رشيد الصالحي
تخصص: تاريخ قديم
بغداد 2026
صور تمثل احداث تاريخية
من كتابHutchinson's story of the Nations" London. 1920

كان توكلتي-ننورتا الأول أول ملك آشوري يعتلي عرش بابل، والذي حكم المملكة الجنوبية لمدة سبع سنوات بعد غزوها، وذلك عن طريق نائب عينه بنفسه، وقام توكلتي-ننورتا الأول بهدم اسوار المدينة وذبح المدافعين عنها والكثير من سكان بابل، ثم شرع في حمل كنوز معبد ايساكيلا مع تمثال الإله مردوخ المقدس إلى مدينة آشور المقدسة.
كان الملك توكلتي ننورتا الأول (تُكلتِ-ننرتَ) (Tukulti-Ninurta) (1244-1208) ق.م، ابن الملك شلمانصر الأول، معنى اسمه (توكلت على الإله ننورتا)، حكم (36) عاما، هذا الملك الشاب فاق أبيه وجده في النشاط الحربي، أطلق عليه أحد الباحثين اسم (نمرود) الذي ورد في التوراة، بدأ نشاطه الحربي في المناطق الجبلية شمال آشور، ثم اتجه جنوبا فاستولى على بابل وأسر ملكها كاشتيلياش الرابع (Kaštiliašu) الكاشي كما ورد في النص: (معتمدا على آشور، وانليل، وشمش للآلهة العظمى، سادتي، وبمساعدة عشتار ملكة السماء والأرض التي سارت على رأس الجيش، أجبرت كاشتيلياش حاكم (كار- دونياش) (بمعنى بابل) على القتال، وهزمت كتائبه وقهرت جيشة، وفي وسط المعركة قبضت يداي على كاشتيلياش الملك الكاشي، وداست قدماي على رقبته الملكية وكأنها مسند قدم، واحضرته أسيرا مقيدا بالسلاسل أمام آشور، سيدي، ووضعت سومر واكد إلى نهاية حدودهما تحت سلطاني ...)، ثم حمل توكلتي- ننورتا الأول عدة القاب منها: (ملك كار- دونياش)، ملك سومر واكد، ملك سـﭘار، ملك دلمون و ميلوخا)، فيما بعد حدثت ثورة في بابل واعلن البابليون استقلالهم عن آشور، واثبت البابليين بان بلادهم ليست بلاد البرابرة الغير متحضرين والتي يمكن غزوها متى شاء الملك الاشوري مثل المناطق الحدود الشمالية لإمبراطوريته بل هي مركز حضاري قديم ومقر الإله مردوخ في معبده ايساكيلا، ويرى الباحثين أن فتح توكلتي- ننورتا الأول لبابل كان في النهاية انتصار للحضارة البابلية على الحضارة الآشورية من خلال تمزيق وحدة الهدف الآشوري.
في الصورة توكلتي- ننورتا الأول بعد انتصاره دخل ايساكيلا معبد الإله مردوخ (أو مردوك)، ويعرف باسم (معبد أساسه السماء والأرض) وحرفيا معنى اسم معبد ايساكيلا (Esagila) أو(الايساك إيلا) (è-sag-ila) بمعنى (البيت العالي) ويقع على طريق شارع الموكب بالقرب من برج بابل) وهو مقر الإله مردوخ (MERI.DUG) (بالسومرية AMAR.UTU) يبلغ طول التمثال 18 قدما وهو من الذهب الخالص)، وزوجته الإلهة صربنيتم (Sarpanitum)، واعتبر معبد ايساكيلا من اغنى المعابد في الشرق الأدنى القديم، عموما يلاحظ في الصورة الملك توكلتي-ننورتا الأول بقبعته الملكية، وملابسه الراقية ينظر إلى تمثال الإله المقدس، فهو يكن احتراما كبيرا للإله مردوخ، يرافقه الكاهن الأعظم شيشكالو (šešgallu) مرددا الادعية وعبارات التبجيل، وهناك حشد من مرافقي الملك، وكاهنان يحملان البخور لزيادة الرهبة والخشوع (أطلق على البخور مصطلح قُطران (qutrinna) (وهي كلمة عربية) كما في العبارة: (قُطرانَ ولا إصين) (qutrinna ul iṣṣin) بمعنى (لا يشتم البخور)، وأخيرا وكأي منتصر شرع توكلتي- ننورتا الأول بنقل كنوز المعبد بما فيها تمثال مردوخ اسيرا مع الملك البابلي كاشتيلياش الرابع إلى مدينة اشور المقدسة .
**********

يظهر في الصورة زورق من الخشب علية جنود بابليين، بينما صورت القوارب في المنحوتات الجدارية الاشورية وقد صنعت من القصب وعليها جنود وهم تطاردون المتمردين في الاهوار، ونبات القصب متوفر في الاهوار والمستنقعات، كما هو واضح على جهة يمين الصورة حيث تدور معركة بين سكان القطر البحري والجنود البابليين، وحاول القنان ان يصور محاولة رسو الزورق، وهناك مدافع يغمر الماء نصف جسده يحاول بعصاه (بلغة الجنوب المردي) منع الزورق من الاقتراب، اما الجنود البابليين فيرتدون عصابة على رؤوسهم مع رداء قصير يتوسطه حزام.
تأسست سلالة القطر البحري (أرض البحر) (Sea land) في عهد سمسو-ايلونا (Samsu-iluna) ملك بابل، وتقع هذه المنطقة في جنوب بلاد الرافدين ضمن منطقة المستنقعات والاهوار والمناطق الواقعة على رأس الخليج العربي، وكانت دولة مستقلة عن سلالة بابل الأمورية، ولم يكن خلفاء الملك حمورابي أقويا بالقدر الكافي أو بما يكفي لمواجهة حركات التمرد والاستقلال عن بابل، فقد واجه الملك سمسو-ايلونا ابن حمورابي متاعب كبيرة من أعداء من الشمال والجنوب، ومع هذا نجد في عهده أقدم سجل للحصان في بابل، ويُرجح أنه أُدخل على يد الكاشيين (Kaššite) (السلالة الحاكمة في بابل بعد سقوط سلالة بابل الاولى)، إذ عبر البابليون عن الحصان بانه حيوان غريب فاعطي له رمزٍ يُشير حرفيا إلى (حمار الجبل)، مما يُوحي بأنه جلِب إلى بابل على يد قبائل جبلية من الشرق وهم الكاشيين، عموما مع ضعف ملوك بابل تأسست دولة أرض البحر التي دام حكمها بين (1740-1500) ق.م، ويتصف ملوكها بالغموض وعددهم (11) ملك، وتمكن ملوك هذه السلالة التوسع جنوبا وربما امتد حكمهم ليشمل بابل نفسها ولفترة قصيرة، والملاحظ ان اسماء ملوكهم وهم: الملك ايلوما-ايلو (Iluma -ilu) (1740) ق.م: مؤسس سلالة أرض البحر (القطر البحري)، ويعتقد أنه حكم (60) سنة، معنى اسمه (الإله هو الإله الواحد) (يوحي الاسم بانه يؤمن بعبادة إله واحد)، والملك اتي-ايلي-نيبي (Itti-ili-nībī) معنى اسمه (الإله هو حسبي)، والملك أيا-گامل (Ea-gâmil)، معنى الاسم (الإله آيا كامل)، وهي أسماء بابلية سامية، وهناك ثمانية ملوك لهذه السلالة يحملون أسماء سومرية، ومع هذا تحدثوا وكتبوا باللغة الأكدية، أما مدة حكم ملوكهم فقد وردت في جدول ملوك بابل (A).
غزو الكاشيين لأرض البحر.
شرع الحثيون الأناضوليون بالزحف عبر نهر الفرات، واخترقوا دفاعات بابل، واستولوا على المدينة ونهبوها، ولا يعرف مصير الملك البابلي سمسو-ديتانا (Samsu-Ditana) (1625-1595) ق.م وهو اخر ملك من احفاد الملك حمورابي، فسلب الحثيون تماثيل الإله مردوخ، وزوجته الإلهة صربنيتم (Sarpanitum)، ويبدو أن الحثيين لم يدم وجودهم في البلاد طويلا، فانسحبوا تاركين بابل لا إله يحميها ولا ملك يدير شؤونها، قتمكن الكاشيين من فرض وجودهم في حكم بابل (اصولهم من شمال شرق بلاد الرافدين)، وفقا للمؤرخين حكم الكاشيين قرابة (576) عاما، وكان سكان القطر البحري قد حافظوا على استقلالهم حتى بعد أن غزا الكاشيون بابل، واخيرا تمكن الملك أولام مبورياش (Ú-la-Bu-ra-ra-ia-aš) حكم (1480) ق.م معنى اسمه (ابن الإله مبورياش) (ومبورياش إله كاشي)، كان ملكا على بابل وتلقب (سيد البلاد) (šar māt tâmti)، وعثر على لوحين يعودان إلى العهد البابلي الحديث نقش عليه وصف كيف هرب إيا- كامل (Ea-gamil) آخر ملوك سلالة أرض البحر إلى مملكة عيلام قبيل الحملة العسكرية التي قادها اولام مبورياش الذي انهى وجود هذه الدولة، واصبح سيدا عليها وعلى بلاد بابل.

1135 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع