بغداد … وعدٌ مؤجَّلٌ بالنجاة

د.سعد العبيدي

بغداد … وعدٌ مؤجَّلٌ بالنجاة

تمهّل الوقت كمن يطيل المهادنة قبل الرحيل؛ وحين فرغ من رزم حوائجه مضى نحو المطار بقلبٍ لم يحسم وداعه بعد. خلوّ الشوارع قبيل أذان المغرب للإفطار أسبغ على بغداد سكينةً عابرة؛ بدت الطرقات وقد خفَتَ ضجيجها، فمضى فيها مرور المتأمّل حتى بلغ جسر الجادرية. هناك انبسطت المدينة أمامه، تحمل تناقضاتها كما يحمل دجلة صفاءه وكدره معًا: قبابٌ تلوح في الأفق، وبيوتٌ متعبة تتكئ على بعضها، وفي القلب عماراتٌ حديثة ومجمّعاتٌ سكنية ترتفع بخطوطٍ مستقيمة وواثقة. بدت تلك الأبنية كأنها وعدٌ مؤجّل بالنجاة، أو محاولةٌ لإعادة ترتيب الفوضى في هيئة هندسةٍ أنيقة؛ واجهاتٌ زجاجية تعكس وهج المغيب، ومرافق توحي برفاهٍ طال انتظاره. ومن هذا المشهد تحديدًا تولّد السؤال:
أهي قطيعةٌ مع رثاثةٍ تراكمت طويلًا، أم رقعةٌ جديدة في ثوبٍ أنهكته السنوات؟ أهي حاجةٌ إلى سدّ فجوةٍ سكنيةٍ تتّسع كل عام، أم رغبةٌ في ترميم صورةٍ حضريةٍ متعبة، أم استغلالٌ لا يبتغي سوى كسب المال؟ وفيما تظلّ هذه الأسئلة معلّقة، تتكاثر الأبراج كمرايا تعكس طموح العاصمة وقلقها في آنٍ واحد.
وفيما تظلّ هذه الأسئلة معلّقة، وتتوالد الأبراج، تكشف النظرةُ المتأنية لها طبقةً أخرى من الحكاية؛ أقلَّ لمعانًا وأكثر قسوة. فليس كلّ ما ارتفع انسجم، ولا كلّ ما أضاء اتّسق. إذ لم يأتِ بعضُ هذه المجمّعات ثمرةَ رؤيةٍ عمرانيةٍ شاملة أو تخطيطٍ منسجم، بعد أن توزّع على جسد المدينة كما تتوزّع الندوب؛ علاماتٍ ظاهرة على تحوّلاتٍ متعجلة، واختلالاتٍ عمرانيةٍ وبصريةٍ لا تخطئها العين. أراضٍ كان يُفترض أن تكون رئاتٍ خضراء، وحدائقَ ومتنزهاتٍ ومساحاتِ تنفسٍ جماعي، تحولت إلى كتلٍ إسمنتيةٍ مغلقة. اختفى الأخضر تدريجياً بفعل قراراتٍ نفعيةٍ ملتبسة وشبكاتِ مصالحَ معقدة. كما لا يخلو المشهد البصري الناتج من ارتباك: حيٌّ سكنيٌّ هادئ تطوقه عماراتٌ شاهقة تنتهك الخصوصية. مجمعٌ صُممت بناياته على علوٍّ متقارب، تتوسطه عمارةٌ تنفلت صعودًا يكسر الإيقاع. نشازٌ عموديٌّ يخلخل التوازن ويخدش صفاء الأفق. لا علاقة واضحة بين الارتفاعات، ولا حوار بين الكتل، ولا احترام لخط السماء الذي يشكل ذاكرة المدن وروحها، بسببها أصبحت العمارة في بعض جوانبها لا تؤدي دورها الثقافي والجمالي بقدر ما تحولت إلى استعراضٍ استثماري، غاب فيه النسيج الحضري وفقدت المدينة وحدتها البصرية. خلل امتد إلى انقطاع المباني عن محيطها، واختلال المقياس الإنساني، حيث تبدو الفراغات إما قاحلةً أو مختنقةً. كذلك يتراجع الحوار مع المناخ والذاكرة المحلية؛ موادٌ وواجهاتٌ تُفرض على بيئةٍ قاسية، فغدت العمارة أو قسم منها عبئاً بدلاً من أن تكون استجابةً ذكية. ومع تغليب الربحية المفرطة، بدت بعض المجمعات كجزرٍ معزولةٍ عن الشارع وحياة المدينة، لا يقتصر أثرها على تشويه المشهد البصري، وإنما يكشف خللاً أعمق في تصور وظيفة العمارة؛ فحين تنفصل عن سياقها العمراني والإنساني، تتحول إلى تراكمِ كتلٍ لا إلى نسيجٍ حي. والمفارقة الأشد إيلاماً أن الاستثمار في المجمعات، الذي يُفترض أن يكون أداةً لحل أزمة السكن وتحسين نوعية الحياة، قد يتحول إلى عامل تشويهٍ بصريٍّ ووظيفي، يضيف طبقاتٍ جديدةً من الفوضى والازدحام والقصور في الخدمات، وانقطاع العلاقة بين الناس ومحيطهم. خاصةً وان بغداد، في واقعها الحالي، لا تحتاج إلى عماراتٍ أعلى فحسب، وإنما إلى فكرةٍ أعمق عن المدينة: إلى تخطيطٍ يحترم التاريخ والمناخ والهوية، وإلى عمارةٍ تنمو من المكان لا تُفرض عليه، وإلى مساحاتٍ عامةٍ لا تُبتلع باسم التطوير. فصورةُ العاصمة، أيِّ عاصمة، هي انعكاسٌ مباشرٌ لنوعية الحياة، وذاكرة الأجيال، وإحساس الناس بانتمائهم.
ولعل الصورة الأصدق لأهلها، وهم يقفون على هذا الجسر، أنهم يقفون بين الإسمنت والأحلام المعلَّقة، يتساءلون: أيُّ مدينةٍ نريد؟ وأيُّ عمارةٍ تليق بمدينةٍ كانت يوماً معياراً للحضارة، لا مجردَ سوقٍ مفتوحٍ للارتفاعات المتنافسة؟
***


  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

900 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع