قصة زكية خاتون / الجزء الثاني

بقلم احمد فخري

قصة زكية خاتون / الجزء الثاني


من لم يتسنى له الاطلاع على الجزء الاول فبامكانه متابعته من خلال هذا الرابط

https://algardenia.com/maqalat/71350-2026-04-14-09-12-06.html

دخل النقيب سالم وبصحبة ثلاثة رجال من عناصر الشرطة المسلحين ممسكين بحيدر ومتوجهين به الى مكتب النقيب فيأمر رجاله بالمغادرة واخلاء الغرفة ثم يجلس على كرسيه. وقف حيدر امام المنضدة فسأل النقيب،

حيدر : هل تشك بانني انا من قتل امي يا سيادة النقيب؟ ايعقل ذلك؟

النقيب سالم : انا كمحقق، ينتظر مني ان اشك بكل شيء يا سيد حيدر. اما انت فعليك ان تتحلى بالصبر حتى نكمل التحقيق بالكامل كي نعرف جميع ملابسات الجريمة.

حيدر : انا لم افهم حتى الآن مبتغاكم، هل وجدتم ادلة واضحة تدل على وقوع جريمة قتل ضد المرحومة امي؟ ام انك فقط تتصيد بالماء العكر؟

النقيب سالم : حاول ان تنتقي كلماتك بحكمة اكبر سيد حيدر. ما هذا الهراء مياه عكرة ومياه ضحلة؟ لقد وقعت جريمة لا نعرف جميع حيثياتها. لاحظ اننا لم نتأكد بعد من صلة القرابة التي بينك وبين والدتك. فهل لديك ادلة واوراق وشهادات تثبت ذلك؟

حيدر : بالحقيقة يا سيادة المحقق زكية صالح او زكية خاتون كما يسميها البعض ليست والدتي. انا اعتبرها مثل امي لانها انسانة عظيمة وقد عاملتني معاملة طيبة بالرغم من ان اول لقاء بيننا كان سيئاً وتصرفي معها كان طائشاً للغاية لكنها احتضنتني وساعدتني واسكنتني بيتها ثم انتشلتني من المستنقع القذر الذي كنت اعيش بداخله لتمنحني الحب والحنان الذي لا يتوقعه أي انسان سوى من ام حنون. قامت بعدها بتوفير مشروع (مقهى باريس) الذي ارتزق منه حالياً انا وزوجتي.

النقيب سالم : حسناً اخبرني عن اللقاء الطائش الذي ذكرته وكيف وقع بينكما؟ اريد القصة كاملة وبالتفصيل الممل.

حيدر : القصة طويلة سيادة النقيب، ساخبرك عنها في وقت لاحق.

النقيب سالم : لدينا كل الوقت. تحدث فالعلاقات مهمة جداً بمثل هذه القضايا. انا اسمعك سيد حيدر.

حيدر : بالحقيقة انا رجل عشت جل حياتي يتيماً سيادة النقيب. ربيت بالشوارع واكلت ما كان يرميه الناس من الفضلات ومن قلب المزابل وعلى ارصفة الطرقات. لذلك لم يتسنى لي ان أتلقى تربية اخلاقية حميدة مثل باقي بني البشر فكان سلوكي مشيناً. كنت اعتقد ان جميع بني البشر اشرار لانهم انانيون ويهتمون بانفسهم فقط ولا يبالون بالفقراء مثلنا لذلك تشكلت لدي فكرة الحقد على الاغنياء او حتى لمن هم افضل مني درجة اجتماعية.

النقيب سالم : وانت بدأت تهاجم هذه الفئة من الناس لانهم سلبوك حقوقك، اليس كذلك؟

حيدر : اجل. وكانت مع شديد الاسف زكية خاتون هي اولى ضحاياي التي قررت مهاجمتها.

النقيب سالم : حسناً طيب. بما انها اولى الضحايا. اخبرني بالتفصيل ماذا وقع بينكما؟

بدأ حيدر يحدثه عن اليوم الذي تتبع فيه خطواتها حين كانت تسير بالزقاق ثم دخل بيت زكية خاتون ووضع السكين على رقبتها ليطلب منها المال وكيف عاملته بالحسنى وطبخت له الطعام ثم سمحت له بالبقاء في منزلها وصارت تنظفه وتشتري له الملابس وتعلمه كل شيء من الالف الى الياء. حدّث نقيب الشرطة عن كل شيئ ما عدى فكرة الصيد التي كانت تتبعها زكية خاتون في الحصول على اللحم في منزلها. لكن النقيب كان في غاية الذكاء. بدى وكأنه يقرأ ما بين السطور حين سأله،

النقيب سالم : كم كان مرتبها الشهري؟

حيدر : شهرياً كانت تقبض 700 الف دينار.

النقيب سالم : لكن هذا المبلغ ضئيل جداً. هل كان يكفي لايجار المنزل والطعام والدواء والملابس وفوق كل هذا وذاك جئت انت كحمل اضافي ثقيل فوق نفقاتها؟

حيدر : بالحقيقة البيت الذي تسكن به زكية خاتون كانت قد ورثته عن ابيها الذي مات منذ زمن بعيد لذلك لم تكن تدفع الايجار. زكية كانت انسانة متعففة جداً ولا تأكل الكثير من الطعام. تتسوق على قدر حاجتها وتطبخ لنفسها فقط. وبعد ان ظهرت انا بالصورة صارت تطبخ وجبات الطعام لي ولها.

النقيب سالم : لكنها اسست لك مقهى (روما) لاحقاً. اليس كذلك؟

حيدر : بل اسمه مقهى (باريس) سيادة النقيب. اجل قالت لي بانها ادخرت بعض المال لليوم الاسود فوظفته لتؤسس به المقهى.

النقيب سالم : اكمل حديثك.

حيدر : ليس هناك المزيد ما يحكى. امي ساعدتني وفتحت لي المقهى ومكنتني من الزواج من رهف وهذا كل ما في الامر. انا لا اعرف اي احد بهذه الدنيا من الممكن ان يكنّ لها اي ضغينة. فلماذا يقتلوها؟

النقيب سالم : من قال لك انها قُتِلَتْ؟

حيدر : الـ... الكل كان يتحدث عن عملية قتل. وانا كنت اعتقد بانك تستجوبني لذلك السبب حصراً.

النقيب سالم : رجالنا الآن يحققون بداخل البيت ويقومون بتفتيش كل شبر منه. الطبيب الشرعي يفحص رفاة السيدة زكية ولن أستطيع ان استخلص أي استنتاجات مجدية قبل ان استلم التقارير التقنية والجنائية التي قد تستغرق اياماً واحياناً اسابيع.

حيدر : وهل ابقى انا لديكم رهن التوقيف بهذه الاثناء؟

النقيب سالم : لا طبعاً، بهذه المرحلة، انا ادردش معك وحسب. سوف استدعيك لاحقاً إن احتجت اليك للمزيد من التوضيحات او الاستجواب لكن عليك ان تبقى متواجداً في بغداد ولا تغادرها ابداً. الآن انت حر طليق. يمكنك المغادرة.

حيدر : شكراً لك سيادة النقيب.

استدار حيدر وهم بالخروج لكن النقيب ناداه من جديد وقال،

النقيب سالم : انتظر لحظة قبل ان تخرج.

حيدر : ما الامر؟ هل نسيت شيئاً؟

النقيب سالم : لا، ولكن استدعي زوجتك كي تدخل عندي لو سمحت.

حيدر : هل رهف هنا؟

النقيب سالم : اجل لقد أُحضِرَتْ للمركز وهي في الخارج الآن.

حيدر : ساستدعيها إذاً.

خرج حيدر فوجد زوجته رهف تقف مع باقي سكان الحي الذين تجمهروا بوسط مركز الشرطة فذهب مباشرة اليها وامسك بيدها فسألته،

رهف : ما الذي يجري هنا؟

حيدر : تعالي معي، دعينا ندخل على النقيب بمكتبه لانه يريد أستجوابك.

طرق حيدر الباب ثم دخل ومعه رهف قال،

حيدر : جئتك بزوجتي سيادة النقيب.

النقيب سالم : اتركها واخرج انت يا حيدر لو سمحت. دعني اتحدث اليها على انفراد.

حيدر : هي فقط؟ لماذا؟ اقصد حسناً ساخرج وسأغلق الباب ورائي اليس كذلك؟ ساخرج.

النقيب سالم : لو سمحت، نعم واغلق الباب ورائك.

خرج حيدر واغلق الباب فاشار النقيب بيده لرهف كي تجلس على الكرسي امام منضدته وسألها،

حيدر : اسمك الكامل، سنك وعنوانك؟

رهف : اسمي رهف عبد الفتاح الجبوري، العمر 22 سنة اسكن بشقة في شارع سراج الدين. بنفس المنطقة.

النقيب سالم : ماذا تعرفين عن السيدة زكية صالح؟

رهف : اعرف انها ليست والدة زوجي حيدر لكنها انسانة في غاية الطيبة وقد احتضنته منذ زمن بعيد وجعلته يترك الاعمال الملتوية واسست له مشروع المقهى ثم قامت بكل شيء جيد بغاية الكرم من اجلنا.

النقيب سالم : منذ متى وانت تعرفينها؟

رهف : ليست لفترة طويلة، فقد التقيت حيدر في الجزيرة واقصد هنا جزيرة بغداد السياحية ثم عرفني عليها عندما عملت بمقهى باريس. فقام حيدر بمساعدتي كثيراً وقتها ثم تزوجنا وصرت اسكن بداخل المقهى اثناء تأسيسه حتى عثرنا على الشقة التي انتقلنا اليها مؤخراً.

النقيب سالم : هل كانت علاقتك مع زكية خاتون جيدة؟

رهف : اجل كانت جيدة جداً لانها انسانة لطيفة مثقفة تحب عمل الخير للجميع. لقد ساعدت الكثير من الناس والكل يحبها في حي السعلوة.

النقيب سالم : حي ماذا؟ هل قلتِ حي السعلوة؟

رهف : اجل حي السعلوة. انها فقط تسمية لذلك الحي لان بعض السكان المتخلفين كانوا يعتقدون ان هناك وحش اسطوري يقوم بخطف الاطفال من الحي واخفائهم الى الابد. انت تعرف بعض الناس في مجتمعنا سيادة النقيب. يؤمنون بمثل هذه الخزعبلات.

النقيب سالم : اجل، اجل، افهمك. والآن بامكانك المغادرة وارسال حسين الطائي صاحب محل الخضروات ثم ابو امير الجزار.

رهف : حسناً ابو سماح ثم ابو امير بهذا الترتيب.

النقيب سالم : شكراً لك اخت رهف.

خرجت رهف من مكتب النقيب واخبرت ابو سماح وابو امير الدخول الى مكتب النقيب تباعاً، ثم اقتربت من زوجها وقالت له،

رهف : دعنا نعود الى المقهى حبيبي فهو مغلق.

خرج الزوجان من مركز الشرطة واشارا لسيارة اجرة كي تعيدهما الى المقهى المغلق. انهم يعلمون جيداً بان باقي عمال المقهى قد أُخذوا للتحقيق بمركز الشرطة للادلاء بشهاداتهم. لذلك فتحت رهف الباب الزجاجي وباشرت باعداد المقهى لاستقبال الزبائن بينما دخل حيدر غرفة الادارة وصار يهيئ فواتير المواد الغذائية كي يراجع بعض الحسابات.

<<< بعد مرور اسبوعين من التحقيق المكثف<<<

كانت تمر تلك الايام بشكل سوداوي على الجميع لان جثمان السيدة زكية لازال في ثلاجة الطب العدلي تخضع للتشريح والفحص الدقيق مع باقي الادلة التي اخذت من منزلها. جلست رهف تطوي المناديل الورقية الحمراء بالمقهى وتصفّها فوق الطاولات كي تبدأ يوم عمل جديد حين اقترب منها زوجها حيدر وقال،

حيدر : اكاد اصاب بالجنون يا رهف. لم نسمع من النقيب سالم اي خبر بخصوص تقرير الفحص الجنائي. ولا نعلم إن تأكدوا من ان موت المرحومة كان مقصوداً او وفاة طبيعية حتى يسلمونا جثمانها فنواريه الثرى. الانتظار صار يوترني كثيراً.

رهف : حبيبي انا متأكدة من انهم يفعلون كل ما بوسعهم كي يعثروا على الحقيقة ولا يمكننا فعل شيء خلاف ذلك سوى الصبر والانتظار. سوف لن يؤخروها ثانية واحدة اكثر مما ينبغي بعد ان يكملوا جميع تحرياتهم. بعدها سندفنها بقبر يليق بمكانتها وسنزورها في الاعياد. لا تقلق حبيبي، اصبر.

حيدر : اخبرني الشيف سيف ان صدر الدجاج كاد ينفذ من الثلاجة وبما انها مادة مطلوبة واساسية في عمل الشطائر لذلك ساقوم بجلب كمية كبيرة منها اليوم من سوق الجملة. لقد اتصلت بهم تلفونياً بالامس وقالوا...

قاطع كلام حيدر مع زوجته دخول النقيب سالم الى المقهى وبصحبة رجلان من عناصر الشرطة. اقتربوا من حيدر فنظر حيدر بوجه النقيب وابتسم ثم قال،

حيدر : يبدو ان تقرير البحث الجنائي قد خرج وآن الأوان ان تسلمونا الجثمان سيادة النقيب.

لكن النقيب فاجأه حين تحدث بشكل رسمي وقال،

النقيب سالم : سيد حيدر فايق محمد، جئت الآن لاقبض عليك بتهمة جريمة القتل المركبة. تفضل معنا.

حيدر : جريمــــــــــة قتل مركبة؟ هل انت تمزح سيادة النقيب؟ ما هذا الهراء؟ هل يعقل ان اقتل امي؟ هل تصدق ان اقوم بقتل زكية خاتون؟

صرخت رهف من مكانها وقالت،

رهف : كيف تقول ذلك سيادة النقيب؟ كان حيدر يحبها كثيراً. ومن المستحيل ان يقتل امه.

نظر النقيب الى احد رجال الشرطة وقال،

النقيب سالم : ثبت الاصفاد خلفه يا شوقي.

امسك العريف شوقي بمعصمي حيدر من الخلف وراح يربطهما بالاصفاد الحديدية وسط اعتراضات رهف وصرخاتها التي صارت تأزم الاجواء بداخل المقهى. العملية لم تتطلب سوى دقائق معدودات حين اخذوا حيدر وأخرجوه الى خارج المقهى ليدخلوه سيارة الشرطة الرسمية وينطلقوا به نحو المركز. نظرت رهف الى مساعدتها سحر وقالت لها،

رهف : سحر ارجوكِ حاولي ان تُمَشّي امور المقهى بشكل طبيعي. انا ساتبعهم الى المركز.

سحر : لا تقلقي يا رهف. كل شيء سيكون على ما يرام هنا. انتِ فقط اذهبي للمركز وطمئنينا بالهاتف فيما بعد. نحن ايضاً نريد ان نعرف ماذا يجري.

في مخفر الشرطة دخل ركب الشرطة ممسكين بصيدهم الثمين ليقتادوه الى غرفة التحقيق بينما وقف رئيس المخفر العقيد ناظم ينظر بريبة لما يجري فسأل النقيب قائلاً،

العقيد ناظم : هل ستبدأ التحقيق معه الآن يا سالم؟

النقيب سالم : اجل سيدي.

العقيد ناظم : انا ساراقب التحقيق من خلال المرآة.

دخل العناصر مع حيدر غرفة التحقيق واجلسوه على كرسي حديدي خلف طاولة حديدية ثم ثبتوا اصفاده على حلقات فولاذية فوق سطح الطاولة ثم غادروا خارج الغرفة ليتركوه وحيداً. بعد مرور نصف ساعة كاملة دخل عليه شرطي يحمل اوراقاً وقلماً يتبعه النقيب سالم الذي كان يمسك بملف اسمر فجلس امامه وبدأ حديثه حين قال،

النقيب سالم : اليوم 1 ايلول الساعة 10:16 نبدأ التحقيق مع... اسمك وسنك؟

حيدر : حيدر فايق محمد، 26 سنة.

النقيب سالم : سيد حيدر، اريد ان اسدي لك نصيحة مهمة قبل البدء بالتحقيق. نصيحتي هي ان تقول كل شيء بصدق ولا تخفي عنا اي شيء لانك إذا كذّبت الآن فسوف تتراكم عليك التهم وستفقد كل مصداقيتك ازاء المعلومات التي ستلف حول عنقك حبل المشنقة. هل تنوي قول الحق؟

حيدر : اجل سيادة النقيب.

النقيب سالم : والآن قل لي كيف كنت تقتل الاطفال.

حيدر : اطفــــــــــــال؟ اي اطفال سيدي؟ انا لم اقتل لا اطفال ولا بالغين. انا تخيلت التهمة متمحورة فقط حول قتل المرحومة امي زكية.

النقيب سالم : تقرير البحث الجنائي يقول التالي: اولاً وفاة السيدة زكية صالح كان إثر سكتة قلبي وتعد وفاة طبيعية...

قاطعه حيدر وقال،

حيدر : حمداً لله. انها لم تمت مقتولة.

صرخ النقيب باعلى صته وقال،

النقيب سالم : لـــــــــــا تقاطعنـــــــــي. دعني اكمل قرائة التقرير ثم تفتح فمك وتجيب على الاسئلة.

حيدر : طيب سيدي انا آسف.

النقيب سالم : اكرر ما قلته، اولاً، وفاة السيدة زكية صالح كان اثر سكتة قلبي وبذلك يكون موتها طبيعياً. ثانياً، بعد البحث المكثف بداخل بيتها عثرنا في القبو على مقبرة جماعية كبيرة تضم كماً هائلاً من عظام بشرية للكثير من جثث الاطفال الذين تبلغ اعمارهم ما بين 3 الى 7 سنوات. لم تكن هياكل عظمية كاملة بل كانت مقطعة ومرتبة بشكل منتظم. هذه العظام كانت مدفونة بقبور مكعبة منتظمة ومغلفة بخرسانة كونكريتية حتى ولّت تحاكي الرفوف.

** قبور الاطفال

لتنتشر بكل زاوية من زوايا القبو. انظر الى هذه الصورة يا حيدر؟ منظر يقشعر له البدن. هل رأيتها من قبل؟

حيدر : اجل ولكن كنت اعتقد انها...

النقيب سالم : ماذا كنت تعتقد؟ هيا اخبرني ماذا؟ هل تعلم ان عدد الاطفال المدفونين بداخل تلك القبور كان 87. والعدد قابل للازدياد. والآن يا حيدر، ما تعليقك على كل ذلك؟

بقي حيدر ساكتاً ينظر بوجه النقيب والدموع تنهمر من عينيه. صرخ النقيب بوجهه وقال،

النقيب سالم : لا تبكي. تكلــــــــــــــم، هل انت نادم على ما فعلت؟ كيف سولت لك نفسك ان تقتل كل أولئك الاطفال الابرياء؟ هل انت وحش من وحوش مصاصي الدماء (دراكولا)؟ ماذا فعلت باحشاء الاطفال؟ هل احرقتها؟ ام قمت باطعامها للكلاب والقطط؟

حيدر : سيدي ارجو منك ان تستمع الى ما ساقوله جيداً الآن فانا مستعد لان اعترف لك بكل شيء. لان ثقل ذلك السر كاد يسحقني ويدمرني من الداخل. ساحدثك بالقصة كاملة من الفها الى يائها. اريد منك فقط الاستماع لما ساقوله لانها الحقيقة الكاملةً والله شاهد على ما اقول.

النقيب سالم : تفضل سيد حيدر، كلي آذان صاغية. تفضل اعترف.

حيدر : كما اخبرتك في المرة السابقة انني عندما دخلت بيت السيدة زكية للمرة الاولى لغرض سرقة مالها. لم يكن لدي هدف سوى المال. لكن كما وضحت لك وقتها انها جابهت اسائتي بطيبة قلب وود وحب واحترام وحنان. اطعمتني وسقتني وخففت عني اعبائي ثم احتضنتني وآوتني ببيتها. كانت تغمرني بعطفها وكرمها وابدت لي مشاعر الامومة التي لم التمسها من اي انسان قبلها حتى صارت تكسيني وتعلمني فاصبحت احبها كثيراً ولا انظر نحوها سوى الى الأم التي حُرِمْتُ منها طوال حياتي. ومن خلال الطعام الذي كنت اتناوله ببيتها كنت أكل اللحوم التي طالما حُرِمْتُ منها عندما كنت اعيش مشرداً في الشوارع. اذكر وقتها اني سألتها كيف تستطيع أن تنفق على طهي اللحوم كل يوم، لمّا كان مرتبها التقاعدي لا يتجاوز 700 الف دينار فقط؟ قالت بانها لا تشتري اللحم من الجزار لانه باهظ الثمن لكنها تصطاد الغزلان.

النقيب سالم : الـــــــــــغزلان؟ هل قلت الغزلان؟

حيدر : اجل سيدي، قلت الغزلان. وعندما سألتها عن المكان الذي تصطاد منه تلك الغزلان قالت بانه مكان قريب على شكل غابة. لم يكن ذلك الامر قابلاً للتصديق لانني اعلم جيداً بأن بغداد ليس فيها غابات. لكنني لم اكن لاعترض على ما قالته لان اللحم كان طعمه لذيذاً جداً حتى انني لم اكن قد تذوقت لحوماً اخرى في الماضي كي اقارنه بلحم الغزلان والذي كنت اتناوله ببيتها كل يوم لذا رضيت واقتنعت بتفسيرها.

النقيب سالم : حسناً اكمل كلامك.

حيدر : كلما سألتها باوقات لاحقة عن الغزلان كانت تتجنب الاجابة عن مكان الصيد واقصد الغابة او المكان الذي كانت تصطاد منه او انها لا توافق على أصطحابي معها عندما تذهب برحلات الصيد. كانت تقول دائماً، "ستذهب معي بالمرة القادمة". لكنها من الواضح كانت لا تريدني ان اعرف المكان او الكيفية.

النقيب سالم : وكل هذا الوقت وانت لم ينتابك الفضول كي تعرف؟

حيدر : بالعكس سيدي، كان الفضول يمزقني ارباً. وقد عقدت العزم على ان اتبعها يوماً دون علمها كي اتعرف على الاقل عن مكان الغابة التي تصطاد منها.

النقيب سالم : وهل عرفت؟

حيدر : اجل عرفت وليتني لم اعرف. كان ذلك بعد مرور عدة شهور من سكني عندها ببيتها. تظاهرت بانني متعبٌ جداً واريد ان انام بتلك الليلة فطلبتْ مني ان ارتدي ملابس نومي وادخل فراشي ثم تخرج هي بعدي للصيد. لم اخلع ملابسي كما طلبت مني بل دخلت الفراش ببنطالي وقميصي وتظاهرت بالنوم. انتظرتها حتى خرجت من البيت واغلقت الباب ورائها. نظرت من الشباك خلسة فرأيتها تتجه جنوباً. تسللت خلفها من باب البيت ببطئ شديد وخرجت خلفها لاتتبع خطواتها تاركاً بيني وبينها مسافة كبيرة حتى لا تكتشف امري. ظلت تسير بزقاق (السعلوة) حتى وصلت الى مكان كنا نطلق عليه اسم (الهور).

النقيب سالم : من الذي كان يطلق عليه ذلك الاسم؟

حيدر : انا وباقي الاطفال الفقراء الايتام المشردين من امثالي. كنا نسميه الهور لان الكثير من المياه الآسنة كانت تتجمع فيه ويجلس حوله الاطفال الجائعين المشردين. كانت هناك سيدة كبيرة السن تتواجد هناك دائماً بمحض ارادتها يُطلِقُ عليها الايتام اسم (بيبي نورية).

النقيب سالم : حدثني عن (بيبي نورية) تلك.

** بيبي نورية مع الايتام

حيدر : انها انسانة عجوز يبلغ عمرها حوالي التسعين سنة او اكثر وهي طيبة القلب للغاية تحب جميع الايتام وتعطف عليهم. كانت (بيبي نورية) تساعدنا بقدر المستطاع لكنها كانت مسنة وقليلة الحيلة. تقدم لنا النصح وتعتني بمرضانا وتضمد جرحانا وتقص علينا القصص الشيقة. كانت بمثابة جدتنا التي لم نعرف غيرها من قبل. لكنها كانت بنفس الوقت صارمةً جداً مع من يرتكب منا المعاصي. فقد كانت تنصحنا بعمل الخير لان الله لا ينسى اعمالنا الشريرة والطيبة على حد سواء.

النقيب سالم : اين تسكن هذه المرأة؟

حيدر : لها غرفة صغيرة بسطح احدى المنازل بآخر زقاق (السعلوة). لكنها كانت تقضي جل اوقاتها معنا نحن الايتام واحيانا كانت تبيت معنا بالبرد الشديد حتى الصباح الباكر. خصوصاً إذا مرض احدنا واحتاج الى عنايتها.

النقيب سالم : تبدو وكأنك تتحدث عن الام تريزا.

حيدر : انها فعلاً الام تريزا (النسخة العراقية).

النقيب سالم : حسناً واصل حديثك عن زكية خاتون.

حيدر : قلت لك انني تتبعت امي زكية ومشيت ورائها من بعيد حتى وصلت الهور حين التقت بـ (بيبي نورية).

النقيب سالم : تقصد ان هناك معرفة مسبقة بينهما؟

حيدر : اجل يبدو ان بيبي نورية وامي زكية كانتا تعرفان بعضهما البعض. لم اتمكن من معرفة نوع الحديث الذي دار بينهما لانني كنت اقف على مسافة بعيدة عنهما لكنهما كانتا تومئان برأسيهما دلالة على الاتفاق ثم بعدها اخذت امي زكية طفلاً صغيراً من بين الايتام لا يزيد عمره عن السنتان. حملته ورجعت به الى بيتها.

النقيب سالم : هل استمريت انت بمتابعتها؟

حيدر : كلا. سبقتها الى البيت كي لا تكتشف امري لانني عرفت سرها. دخلت البيت ووصدت قفل الباب ورائي. ثم بعد قليل سمعتها تدخل وتتحدث بصوت خافت مع الطفل. كانت تحاول علاجه لكنه كان يعاني من سكرات الموت ويبكي كثيراً. انزلته الى القبو فتبعتها هناك. ومن خلال شق باب القبو الذي كنت انظر من خلاله رأيتها تنهال عليه بساطور لتقتله ثم تبدأ بتقطيعه.

النقيب سالم : ما هـــــــــــــذا؟ يا الهي. هل تقول الحق؟ قامت بتقطيعـــــــــه؟

حيدر : اجل قتلته وصارت تقطع اشلائه الى قطع صغيرة. تضع البعض منها في مجمدة البيت بالمطبخ وتقوم بوضع العظام في حاوية معدنية كبيرة (طشت). وبعد ان غلفت كل اللحوم المستخلصة منه باكياس بلاستيكية وضعتها في المجمدة اخذت الـ (طشت). وصارت تدفن محتواه في احدى المقابر المكعبة الجديدة التي بنتها من الخرسانة في القبو.

هنا بدأ النقيب يضحك ويقهقه بصوت عالٍ ويصفق ثم يقول،

النقيب سالم : سلمت يداك يا حيدر. كان ذلك اداءاً رائعاً يا ممثل يا شاطر. قصة خيالية جميلة. كيف تمكنت من تأليفها بهذه السرعة؟

حيدر : لم أؤلف شيئاً سيدي. والله العظيم هذه هي الحقيقة كاملة. ولكن، الا تريد ان تعرف باقي القصة؟

النقيب سالم : امتعنا سيد حيدر. هيا انا استمع اليك. يبدو ان للقصة بقية. تفضل تكلم، اتحفنا.

حيدر : عندما رأيت ما رأيت، كان يراودني شعور بالغثيان. لانني كنت شاهداً على حدث مؤثر جداً يدفعني للصراخ من شدة غضبي لكنني لم اصرخ وتمالكت اعصابي.

النقيب سالم : اكمل.

حيدر : بقيت مشدوها انظر الى منظر اكياس لحم ذلك الطفل وهي تُصَفّ وتتكدس بداخل المجمدة. واحدث لنفسي نادماً واقول بانني في السابق كنت اتناول لحم البشر طوال الشهور التي خلت. كان اهون علي ان اتقيأ واموت بتلك اللحظة على ان اواصل حياتي التي كنت اعيشها معها. انسحبت ببطئ شديد ورجعت الى فراشي كي اتظاهر بالنوم. لكن بتلك الليلة لم يغمض لي جفن ابداً من هول المنظر. انتظرت حتى بزوغ الفجر بفارغ الصبر وقررت ان ارجع الى (بيبي نورية) لاتحدث اليها.

النقيب سالم : وهل ذهبت فعلاً باليوم التالي؟

حيدر : اجل. في الصباح الباكر، قلت لامي زكية ان معدتي ليست على ما يرام وانني لا اريد تناول الافطار بذلك اليوم. خرجت وتوجهت مباشرة الى (الهور) وسألت الاولاد الايتام هناك عن (بيبي نورية) قالوا بانها في غرفتها بآخر الشارع. ذهبت الى غرفتها وايقضتها من النوم ثم سألتها عما دار بينها وبين امي زكية قالت، "جائتني زكية البارحة لتطمئن على الاولاد فاخبرتها بان هناك طفلاً يتيماً مسكيناً كان يحتضر ولم يعد يستجيب للعلاج كان اسمه وسيم. اخذته زكية ووعدت بدفنه على نفقتها الخاصة بعد ان يموت دون ان تعمل الكثير من الجلبة. فنحن لا نريد الكثير من (السين و الجيم) من قبل السلطات.

النقيب سالم : وبدلاً من ان تدفنه، قامت بتقطيعه ووضعت لحمه بالمجمدة للاستهلاك المحلي بينما دفنت عظامه في القبر الكونكريتي؟ اليس كذلك؟

حيدر : اجل هذا ما حصل فعلاً. ثم اغلقت القبر بالخرسانة.

النقيب سالم : هل اخبرتَ (بيبي نورية) عن كل ذلك؟

حيدر : كلا. لم استطع ان ابوح لها باسرار امي زكية.

النقيب سالم : لماذا؟

حيدر : انا لم ارغب بان افضح كل شيء قبل ان اتحدث مع امي زكية واواجهها بما عرفت. لذا قررت ان ارجع للبيت واتحدث معها بشكل صريح وكامل.

النقيب سالم : وهل تحدثت معها فعلاً؟

حيدر : كلا. لم يطاوعني قلبي سيادة النقيب. كنت اشعر وكأنني اضع امي زكية امام محاسبة اخلاقية لاحاكمها فيها ثم ادينها. فمن وجهة نظرها كانت تفعل ما تفعل من منطلقين، الاول هو انها تستغل لحم الطفل الذي سيموت بكل الاحوال لفقر حالها. والثاني هو انها توفر للطفل دفناً كونكريتياً حتى وإن لم يكن قبراً تقليدياً. ومن الناحية العملية فهي توفر لي ولها طعاماً.

النقيب سالم : هل واصلت تناول لحم الاطفال بعد ذلك؟

حيدر : بالتأكيـــــــد لا، طبعاً لا، نهائياً لا. لم اضع ذرة واحدة من ذلك اللحم بعد ان رأيت ما رأيت.

النقيب سالم : طيب جئنا الى النقطة الاهم يا حيدر. لماذا لم تبلغ السلطات بما رأيت إذا كنت بريئاً من دم الاطفال؟

حيدر : سيادة النقيب. ضع نفسك مكاني. فانا انسان فقير. لا لست فقيراً بل كنت معدماً وتحت الصفر. دخلت على المرأة كي اسرقها. وبدلاً من ان تواجهني وتزجني بالسجن قامت بايوائي وتنظيفي واطعامي وارجاعي للحياة الطبيعية. هل استطيع ان ابلغ عنها؟ ايعقل ذلك؟

النقيب سالم : لكنك عندما سكتّ عن الحق كنت شيطاناً اخرس.

حيدر : هذا صحيح. كانت هناك امواج تتلاطم بداخل عقلي وروحي وكنت اتمزق قلباً وقالباً. وما جزاء الاحسان الا الاحسان.

انتصب النقيب من مقعده وخرج لمدة ساعتين من غرفة التحقيق ثم عاد اليه وقال،

النقيب سالم : كل قصتك هذه جميلة ومحبوكة سيد حيدر فقط لو استطعنا التأكد من صحتها. لكن جزءاً كبيراً ومهماً منها مفقود. فالسيدة التي تسميها (بيبي نورية) قد عثر عليها قبل قليل متوفاة في غرفتها لانها كانت تعاني من سرطان القولون وهذا يجعل تأكيد كلامك عن نفيه امراً صعباً للغاية. والآن وبعد كل ما قدمت من قصص. هل انت بكامل قواك العقلية تعتقد انني ساصدق قصتك الخيالية هذه؟ كيف تستطيع سيدة سبعينية ضعيفة مثل زكية صالح ان تحمل اجساد اطفال لمسافات طويلة وتقطعهم ارباً بالساطور ثم تخزن لحومهم بداخل مجمدتها؟ والطامة الكبرى هي انك كنت لا تعلم ولا تدري بكل ما يدور تحت انفك حتى أكتشفت الحدث لاحقاً. وحتى لو فرضنا جدلاً انك تقةل الحق فإن عدم الابلاغ عما رأيت من عمليات استهلاك للحم البشر يعتبر جريمة قانونية واخلاقية بحد ذاتها. لذلك سوف تحال القضية الى النيابة العامة لغرض تحويلها لاحقاً الى المحكمة. هل لديك اقوال اخرى يا سيد حيدر؟

حيدر : سيدي هل تأذن لي ان اتحدث مع زوجتي رهف. انها بالخارج.

النقيب سالم : اجل، اجل سوف تتحدث اليها. أُغلق المحضر.

خرج المحقق سالم ينتابه شعورين متضاربين متعاكسين تماماً. الاول هو الشعور بالارتياح لانه حل القضية ليوجه الاتهام لحيدر بعد ان سمع منه قصة خيالية مشكوك بامرها تبرر جريمة لا يمكن تصديقها. والثاني شعوره بالغثيان لكل تلك الاحداث الخالية من الانسانية والتي يكره ان تتكرر على مسامعه حتى بداخل قاعة المحكمة لاحقاً. فنظريته عن الموضوع تتلخص بان حيدر وزكية خاتون كانا يتعاونان سوية على خطف الاطفال وقتلهم ثم استهلاك لحومهم فيما بعد. غادر النقيب غرفة التحقيق وامر باعادة الموقوف حيدر الى مكتبه ثم امر رجاله بادخال زوجته رهف كي تقابله بداخل مكتبه. دخلت رهف ببطئ شديد لا تعرف ماذا سيحل بزوجها وكيف ستجري الامور لكنها سمعت من النقيب يأذن لهما بـ 10 دقائق فقط.

دخلت زوجته عليه وبلهفة كبيرة قالت،

رهف : حيدر حبيبي، أصحيح ما يقال؟ هل قتلت كل أولئك الاطفال؟

حيدر : كلا ابداً يا عمري. انا لم اقترف اي جريمة بحياتي. انا بريء يا رهف. يجب ان تصدقيني.

رهف : انا اصدقك ولكن كيف، كيف؟ وماذا عن الادلة؟

حيدر : لا اعلم. يجب ان تبحثي لي عن محامي جيد لانني قد اعدم ظلماً وعدواناً وانا بريئ. انا لم اقتل احداً بحياتي.

رهف : ساجد لك محامياً وسانقذك من هذه الورطة. سننتظرك انا وابنك كي تعود لنا سالماً.

حيدر : ماذا قلـــــــــــت؟ هل قلت انك... هل انتِ حامل يا رهف؟

رهف : اجل حبيبي، انا حامل وسوف تخرج وتربي ابنك بنفسك لانك ستكون افضل اب في الدنيا وستمنحه حنانك وطيبة قلبك.

حيدر : وكيف سنثبت برائتي إذا كان...

قاطعه دخول النقيب الى المكتب حين قال،

النقيب سالم : المقابلة انتهت. يا عريف، انزل المتهم الى التوقيف استعداداً لترحيله.

خرجت رهف من مكتب النقيب وهي تبكي بكاءاً مراً فمشت بالشارع تفكر بكل مجريات القضية. رجعت للمقهى لجد سحر تنتظرها بفارغ الصبر. جلست معها وصارت تقص عليها ما كان يدور بذلك اليوم. عقبت سحر قائلةً،

سحر : يجب ان تعثري على محامي مقتدر يستطيع ان يقف معنا ويخرج حيدر من هذه الورطة. انا متأكدة من انه بريء ولا يمكن ان يفعل كل ما نسب اليه من تهم. فهو انسان رقيق دمث الاخلاق طيب القلب لابعد الحدود.

رهف : سافكر كيف احاول انقاذه ولكن يجب ان يكون لنا شخص قوي يسندنا، يساعدنا ويقف الى جانبنا فنحن غبيات بمثل تلك الامور.

سحر : الم تقولي بان والدك كان يعمل بالجامعة؟

رهف : ابي رحمه الله كان فراشاً ببوابة الجامعة. وكان عميد الكلية السيد صالح السراج يحبه ويعطف عليه لانه كان انساناً متواضعاً لا يعير اهمية للمستويات الاجتماعية. ***

سحر : إذاً، لماذا لا تذهبي اليه الآن وتحاولي ان تطلبي منه النصيحة؟ فهو انسان مثقف يستطيع ان يزن الامور ويضعها بنصابها.

رهف : بالرغم من انه متقاعد الآن لكنني متأكدة من انه سيتمكن من ترشيح محامي جيد يدافع عن حيدر لانه هو بنفسه كان لديه دكتوراه بالقانون.

بنفس ذلك اليوم ركبت رهف سيارتها وانطلقت بها الى منطقة المنصور كي تزور منزل عميد الكلية السابق السيد صالح السراج. ضغطت على زر الجرس ففتحت لها مدبرة المنزل وادخلتها غرفة الاستقبال. وبعد قليل دخل عليها الدكتور صالح السراج ورحب بها ترحيباً كبيراً وكأنه قد رأى ابنته قال،

صالح السراج : عزيزتي رهف كيف حالك؟ لقد قلقت عليكِ كثيراً منذ ان رأيتك آخر مرة، لماذا هذه القطيعة يا ابنتي؟ ماذا تفعلين الآن واين تسكنين؟

رهف : لديك الحق بكل ما قلته سيادة العميد ولكن اموراً كثيرة قد تغيرت واستجدت.

صالح السراج : الا زلت تناديني سيادة العميد؟ انا الآن متقاعد ولم يبقى مما عملت اي شيء يذكر يا ابنتي. الآن انا اعيش حياة هادئة بطيئة استمتع باستقبال اولادي واحفادي عندما يزوروني فقط لمّا اخطر ببالهم.

رهف : انت لا زلت الخير والبركة سيادة العميد. انا لا يمكن ان انسى افضالك عليّ وعلى المرحوم والدي عندما ساندتنا ووقفت الى جانبنا بكل المجالات. فانت كنت السند القوي والبنيان المرصوص.

صالح السراج : هذا كان واجبي الاخلاقي والانساني. لا تنسي ان والدك كان صديقي الذي كنت احبه واحترمه كثيراً.

دخلت عليهم مدبرة المنزل بصينية ملئى باقداح الشاي والكيك لتضعها على الطاولة بعد ان استلمت اشارة من العميد صالح. فسمعها تبدأ الحديث وتقول،

رهف : بالحقيقة جئتك اليوم سيادة العميد لانني في حاجة ماسة لمشورتك ونصحك. انا احتاج الى محامي بارع يستطيع ان يقف الى صفي والى صف زوجي حيدر.

صالح السراج : زوجك؟ هل تزوجت ولم تخبريني يا شقية؟

رهف : اجل وانا آسفة جداً لكن الامر حدث بسرعة كبيرة وتزوجنا. والآن انا حامل وزوجي متورط بقضية قد يستلم فيها حكم الاعدام إن لم نجد له محامياً بارعاً يدافع عنه. فهو بريء من التهم الموجهة اليه.

صالح السراج : إذاً تناولي الشاي وحدثيني عن كل شيء من البداية. لا تتركي اي تفصيل مهما كان دقيقاً كي نستطيع انقاذه.

بدأت رهف تقص على الدكتور صالح عن كل شيء باصغر وادق التفاصيل حتى صارت الصورة واضحة وضوح الشمس لديه. وعندما اتمت سرد التفاصيل وانتهت بالتحقيق لدى الشرطة قال،

صالح السراج : هناك امران استطيع مساعدتك فيها. الاول هو تعريفك على الدكتور جمال الخياط، وهو واحد من ابرع المحامين الجنائيين في العراق. كان جمال تلميذاً المعياً عندي درسته لسنين طويلة ثم تخرج عام 1999 وصار مستشاراً قانونياً كبيراً.

رهف : والامر الثاني استاذ؟

صالح السراج : الثاني هو كريم احمد يونس. انه الآن يعمل رئيس الفريق الجنائي في الطب العدلي بالقاهرة.

رهف : هل قلت بالقاهرة في مصر؟

صالح السراج : اجل بمصر. عمل بمصر لاكثر من 30 سنة والآن جاء للعراق ليزور اهله وذويه بعد غياب طويل. كلاهما واقصد المحامي جمال الخياط والدكتور كريم احمد يونس سيكونان سنداً لنا في الدفاع عن زوجك حيدر.

رهف : ولكن يا سيادة العميد، من قال انهما سيوافقان على العمل معنا؟ انت لم تسألهما بعد؟

صالح السراج : هؤلاء الرجال هم بمثابة اولادي يا رهف. تخيلي ان كريم عندما جاء من مصر الى بغداد لزيارة اهله وذويه بعد غياب طويل. قام بزيارتي اولاً قبل ان يذهب الى بيت والدته. اما جمال فهو يأتي الى عندي كل يوم جمعة كي يخسر معي بلعبة الطاولي. انا واثق من انهما سيساعداننا بكل ما استطاعوا من قوة. لانهما رجال اشراف لازالوا متمسكين بالقيم النبيلة التي كانت سائدة بزمن الماضي الجميل.

رهف : سيادة العميد، انا لا اعرف كيف اشكرك. متى نبدأ؟

صالح السراج : الآن فوراً. يقول المثل (دق على الحديد وهوه حامي).

اخرج هاتفه النقال من جيب ردائه المنزلي الاحمر المطعم ببقع سوداء وعمل اتصالين ثم ارجع الهاتف الى جيبه ليسألها،

صالح السراج : هل بامكانك العودة غداً مع الساعة الثامنة مساءاً كي نجتمع نحن الاربعة هنا ببيتي ونبدأ العمل الفوري؟

رهف : بالتأكيد سيادة العميد. ساذهب الآن الى المقهى كي انجز بعض الاعمال ثم اعود اليك غداً حتى نقابل هذين الرجلين المحترمين.

صالح السراج : ستقابليهما عندي ولكن اريد ان احذرك من امر جداً مهم.

رهف : تفضل سيادة العميد. ما هو؟

صالح السراج : مهما حصل ومهما دار بيننا. ارجوك ثم ارجوك، اياكِ ان تذكري لهما فكرة الاتعاب ابداً لانهما حساسين جداً وسوف لن يقبلا منا فلساً واحداً. فهم يتمنون منذ امد بعيد ان يقدما لي خدمة جليلة يردوا بها افضالي كما يقولون. مع انني لم افعل لهما شيئاً سوى انني كنت عميداً لهما بالجامعة وقمت بتدريس احدهم فقط وهو د.جمال الخياط.

رهف : حسناً استاذ، اعدك بانني سوف لن اذكر شيئاً من ذلك القبيل.

باليوم التالي رجعت رهف الى بيت العميد ودقت الجرس ففتحت لها مدبرة المنزل لتدخلها الى غرفة الاستقبال فرأت رجلين محترمين يرتديان بدل رسمية سوداء تبدوا عليهما النعمة بشكل واضح واقفين مع د. صالح. وقف د. صالح ورفع يده الى رهف وقال،

العميد صالح السراج : حمداً لله لانك جئت بالموعد. دعيني اعرفك على اولادي الاعزاء فقد درستهم وربيتهم كما لو كانوا من لحمي ودمي. ها هو الدكتور جمال والدكتور كريم.

رهف : اهلاً وسهلاً بكما يا سادة يا كرام تشرفت بمعرفتكما.

العميد صالح السراج : ليس هناك وقت كثير للمجاملات لان وقتنا ضيق جداً والمواضيع عديدة ومتشعبة لذلك دعونا نغطس بالتفاصيل. انا طبعاً شرحت لجمال وكريم كل ملابسات القضية كما اخبرتيني البارحة لذلك يجب ان نبني خطة دفاعنا كالتالي: اولاً إذا اردنا ان نثبت برائة زوجك حيدر من التهمة الموجهة اليه، فعلينا ان نتأكد من ان الذي ارتكب جريمة القتل هو شخص آخر غير حيدر. وبتلك الحالة تكون السيدة زكية خاتون هي التي يشار اليها بالبنان لانها المرشحة الاولى منطقياً.

رهف : لكن زكية خاتون قد ماتت فعلاً ولا يمكن استجوابها او اخذ اي معلومات منها. وكذلك بيبي نورية هي الاخرى وافتها المنية ولن نقدر ان نحصل على افاداتهما ولن يبقى لدينا سوى حيدر الذي لا تنفع افاداته واقواله لانه بنظرهم لن يكون شاهداً موثوقاً يثري القضية بسبب تقاطع المصالح.

الدكتور كريم احمد : عزيزتي رهف، في مهنتنا المعقدة، هناك الكثير من الاموات يستطيعون التحدث الينا. ربما ليس بالكلمات ولكن بالآثار والادلة الجنائية. هناك طرق علمية حديثة ستمكننا من البحث والتمحيص بكل ما تقدم كي نجعل قضيتنا اكثر وضوحاً. ولكن الاهم الآن هو حصولنا على توكيل موثق منه كي يخولنا التحرك بشكل رسمي كي نطلع على الادلة التي سبق وان حصلت عليها النيابة العامة والطرق التقنية التي اتبعوها في الحصول على الادلة التي ادانوا بها زوجك حيدر. لذلك تفضلي اعطيه هذه الاوراق كي يوقعها بداخل هاتين الملفين. الاول للدكتور جمال والثاني لي انا.

رهف : بالتاكيد حضرات السادة.

العميد صالح السراج : سننهي هذا الاجتماع الآن على ان نكون على اتصال دائم مع بعضنا البعض باي وقت حتى لو كان بعد منتصف الليل. فقضايا مثل هذه لا تنتظر كثيراً وستحاول النيابة العامة الصاق التهمة بحيدر لان قضية اكل لحم البشر اصبحت اليوم على كل لسان. وافضل طريقة لاطفاء نيران غضب الجمهور هو ايجاد كبش فداء حتى وإن كان بريئاً. هذا ديدانهم ونحن نعرف ذلك جيداً. لذا يا اولادي، اريد ان نعمل سوية مثل خلية النحل كي نحقق اهدافنا وننقذ ابنتي رهف وزوجها من هذه الورطة.

المحامي جمال الخياط : غداً ساذهب للنيابة العامة واقدم ملف التوكيل للسيد النائب العام ونسخة منه الى نقيب الشرطة سالم الجنابي كي يسهل علينا المهام.

والدكتور كريم احمد : اما انا فسوف ازور فارع الصوفي نائب المدعي العام لانه يكون عديلي وسوف اقوم بنقاش مطول معه.

العميد صالح السراج : على بركة الله. اريد منكما هذه المهمة كي تنتهي العملية بحفلة كبيرة وانتصار مجلجل.

المحامي جمال الخياط : وهو كذلك استاذنا الكبير.

رهف : اكرر شكري وامتناني لكل ما تفعلونه من اجلي يا سادة يا كرام.

<<< بعد مرور اربعة أشهر <<<

عقدت اول جلسة لمحاكمة المتهم حيدر فايق بمحكمة جنايات الرصافة/بغداد. وقف الحاجب وصرخ باعلى صوته (محــــــكمة). فدخل القاضي سامي وتوت ومستشاره فؤاد عبد خلف فجلسوا وجلس كل من في قاعة المحكمة. نظر القاضي الى نائب المدعي العام فارع الصوفي وقال، "ليتفضل نائب المدعي العام بالافتتاحية وسرد بنود الاتهام".

وقف نائب المدعي العام امام الجمهور وقال، "اقف اليوم امامكم لاتلو عليكم احداث جريمة نكراء شنيعة لم تمر على القضاء العراقي منذ ان تأسست الدولة العراقية ولا حتى على مسامع الشعب العراقي. فقد قام رجل عراقي مشرد بقتل ما يقرب من 87 طفلاً بدم بارد ودفنهم بمقبرة جماعية داخل قبو لسيدة مسنة متقاعدة آوته وكسته واطعمته وارجعته الى الحياة كي يعود ليصبح مواطناً صالحاً بالمجتمع. وبدلاً من كل ذلك ظل يمارس اعماله الاجرامية الشيطانية باختطاف الاطفال الفقراء الايتام وقتلهم وتقطيعهم ارباً اربا ثم دفن رفاتهم بقبور كونكريتية في داخل قبو منزل تلك السيدة الكريمة دون علمها. وزاد من بشاعة جريمته بان صار يخبرها بانه يشتري لها اللحم فيقوم باطعامها من لحم الاطفال الذين يقتلهم. لذلك فالنيابة العامة تطالب بانزال اقصى العقوبات على هذا الوحش الآدمي كي يكون عبرة لمن اعتبر. سيكون للنيابة ثقة عمياء وغير محدودة بعدالتكم كي تقتصوا من هذا المجرم الماثل امام الجميع".

القاضي سامي : والآن محامي الدفاع ليتفضل.

وقف المحامي د.جمال امام الجمهور وقال، "حضرات الهيئة القضائية السادة الحضور بهذه القاعة الكرام زميلي نائب المدعي العام. انا اتفق مع زميلي النائب بان هذه واحدة من اسوأ الجرائم التي دخلت قاعات المحاكم في العراق لما فيها من بشاعة وقبح يندى له الجبين، وذلك بقتل اطفال ابرياء كل ذنبهم كان فقرهم ويتمهم وجوعهم ومرضهم. وانا اشد على يد السيد النائب العام واتفق معه على اننا جميعاً نريد ان نرى الفاعل الحقيقي لتلك الجرائم كي ينال عقوبة الاعدام على ما اقترفت يداه. ولكن سيداتي سادتي، يجب ان يكون الشخص الذي ارتكب تلك الجرائم هو من يتلقى العقوبة لا شخص بريء ليس له فيها ناقة ولا جمل. سيقوم الدفاع خلال الفترة القادمة بتقديم الادلة والبراهين التي تبرئ ساحة موكلي السيد حيدر فايق محمد من جميع التهم المنسوبة اليه. هذا والله خير الحافظين".

القاضي سامي : المدعي العام يستدعي الشاهد الاول.

بدأت المحكمة تستمع الى الشهود الواحد تلو الآخر وكانوا يختلفون بين سكان حي السعلوة والموظفين الذين يعملون بمقهى باريس واناس آخرون ذو صلة مباشرة بالقضية ممن كانوا يعرفون زكية خاتون وحيدر.

رفعت الجلسة بعد ظهر ذلك اليوم الى يوم السبت الموالي لكي يستمعوا الى المزيد من الشهود والادلة.

يوم السبت انعقدت الجلسة من جديد فطلب الادعاء العام الطبيب الشرعي للادلاء بشهادته حين سأله،

المدعي العام فارع : يا دكتور فارس، حدثنا عن جثث الضحايا التي عثرتم عليها في قبو السيدة زكية صالح.

دكتور فارس : قمنا بفحص جميع البقايا العظمية لجثث الاطفال من المقابر الخرسانية لكننا لم نصل الى اي نتيجة لان العضام كانت مقطّعة بشكل احترافي ومصفوفة بشكل منتظم حتى لا تشغل حيزاً كبيراً بداخل القبر. مما يدل على ان الذي فعل ذلك كان يعرف ان المزيد من العظام ستدفن مستقبلاً. والسبب هو ان الدفن الفوضوي سيتطلب المزيد من القبور وبالتالي المزيد من المساحة.

المدعي العام فارع : يا د. فارس، هل وجدتم اي بصمات اصابع بداخل المقابر؟

دكتور فارس : كلا، جميع رفاة الاطفال كانت قد تم التعامل معها باليد بارتداء قفازات مطاطية لذلك لم نعثر على اي بصمات اصابع.

المدعي العام فارع : وماذا عن البصمات بداخل القبو وباقي غرف المنزل؟

دكتور فارس : اجل وجدنا الكثير من بصمات لايدي صغيرة من الارجح ان تكون للاطفال الضحايا قبل قتلهم وعثرنا على بصمات المتهم حيدر فايق محمد وزكية صالح المعروفة بزكية خاتون بكل ارجاء المنزل.

المدعي العام فارع : هل تستطيع ان تستنتج من ذلك ان الفاعل هو المتهم حيدر فايق محمد؟

هنا وقف محامي الدفاع وقال،

المحامي جمال : اعتراض سيدي الرئيس، السؤال يستدعي لاستنتاج غير مبني على ادلة. فالمتهم حيدر لم ينكر انه كان يسكن ببيت السيدة زكية صالح لذلك من البديهي ان تكون بصماته منتشرة بكل مكان بالمنزل.

القاضي سامي : اعتراض مقبول. يشطب السؤال من المحضر.

المدعي العام فارع : كم عدد جثث الاطفال الذين عثرتم عليهم بشكل اجمالي؟

دكتور فارس : من الصعب التكهن بذلك العدد لكننا قدرناه بـ 87 بعد ان حصدنا عدد عظام الحوض التي عثر عليها.

المدعي العام فارع : الادعاء يكتفي بهذا القدر.

وقف المحامي د.جمال الخياط واقترب من د. فارس ليسأله،

المحامي جمال : يا د.فارس، هل يمكننا من بقايا العظام ان نقدر السنة التي دفنت بها تلك الرفاة؟ بمعنى آخر، متى دفنت تلك الجثث؟

دكتور فارس : كلا، علمياً، ذلك مستحيل وغير ممكن. فالعظام كلها تتشابه والزمن لا يترك بصمة زمنية على العظام.

المحامي جمال : انت تقول ان العظام كلها تتشابه والزمن لا يترك بصمة زمنية على العظام. لذلك نحن لا نستطيع ان نجزم متى دفنت تلك العظام. اليس كذلك؟

دكتور فارس : اجل من المستحيل معرفة ذلك.

المحامي جمال : شكراً لك د.فارس. بامكانك العودة الى مكانك.

هنا سأل القاضي قائلاً،

القاضي سامي : هل لديك المزيد من الشهود؟

المحامي جمال : اجل سيادة القاض، لدي خبير واحد فقط. انا استدعي د.كريم احمد يونس.

وقف الدكتور كريم ومشى الى منصة الشهادة. ادلى القسم على القرآن وجلس على الكرسي فاقترب منه المحامي جمال وسأله،

المحامي جمال : يا د.كريم، حدثنا عن نفسك ومؤهلاتك ووصيفتك الحالية لو سمحت.

الدكتور كريم : اسمي د.كريم احمد يونس. عراقي الجنسية خريج جامعة بغداد واعمل رئيس هيئة الطب جنائي بجمهورية مصر.

المحامي جمال : هل جئت خصيصاً لهذه القضية؟

الدكتور كريم : كلا، جئت لزيارة وطني العراق وطُلِبَ مني الادلاء بشهادتي من خلال خبراتي بالبحث الجنائي كرئيس الفريق الجنائي في الطب العدلي بالقاهرة.

المحامي جمال : يا د.كريم، قبل قليل سألت الدكتور فارس الذي قام بتشريح رفاة الاطفال عن امكانية معرفة عمر تلك العظام لكنه اكد لنا التالي: لقد قال، "لا ليس ذلك ممكناً. فالعظام كلها تتشابه والزمن لا يترك بصمة زمنية على العظام". فيا د. كريم، هل توافق رأي الدكتور فارس؟

الدكتور كريم : بالحقيقة فإن طب التشريح بالقاهرة متطور جداً إذ نستخدم اساليب وتقنيات حديثة تمكننا من الوصول الى تلك النتيجة بشكل دقيق جداً بحيث نستطيع معرفة زمن الوفاة من العظام بنسبة نجاح تصل الى 98%.

المحامي جمال : هل لك ان تشرح لنا بالتفصيل كيف تتم العملية إذاً؟

الدكتور كريم : نعم، يستطيع علماء الطب الشرعي من تقدير سنة الوفاة (أو نطاقها الزمني) حتى بعد مرور 90 ​​عامًا على الدفن، وإن كانت الدقة أقل مقارنةً بالوفيات الحديثة. وتلعب حالة العظام والبيئة داخل القبر الخرساني (التي قد تحافظ على الرفات أو تُتلفها) دورًا حاسمًا.

المحامي جمال : يا دكتور كريم ارجوك اخبرنا بالتفصيل عن تلك التقنيات.

الدكتور كريم : إليكم ما يمكن أن يفعله علم الطب الشرعي الحديث وما هي المعدات المستخدمة:

1. التأريخ بالكربون المشع (الكربون-14)

هذه هي الطريقة الأكثر مباشرة لتقدير الوقت المنقضي منذ الوفاة من خلال العظام.

ونسأل انفسنا كيف يعمل الجهاز؟ انه يقيس مستويات الكربون-14 المتبقية في الكولاجين أو الأجزاء المعدنية من العظام لاستنتاج متى توقف النسيج عن تبادل الكربون مع البيئة.

جهاز: مطياف الكتلة المعجل (AMS).

يُستخدم في المختبرات لقياس الكربون14 بتراكيز ضئيلة.

2. تحليل النظائر المستقرة.

الهدف: توفير معلومات حول الأصل الجغرافي والنظام الغذائي، مما يساعد على تضييق نطاق البحث عندما تكون بيانات الكربون المشع وحدها غامضة.

الجهاز: مطياف الكتلة لنسب النظائر (IRMS).

3. التصوير المقطعي المحوسب الدقيق (Micro-CT)

الهدف: فحص التدهور البنيوي الدقيق في العظام. يمكن أن تكشف التغيرات في العظم التربيقي (الإسفنجي) عن التقدم النسبي في العمر والتأثيرات البيئية. غير مُتلف للعينات، ومفيد لمقارنة كثافة العظام مع عينات معروفة العمر.

المعدات: ماسح ضوئي عالي الدقة للتصوير المقطعي المحوسب الدقيق.

4. أساليب البروتينات والتعلم الآلي.

الهدف: قياس أنماط تحلل البروتين في العظام لنمذجة الفترات الزمنية بعد الوفاة (PMI) التي تمتد لعقود.

التقنية: كروماتوغرافيا سائلة مقترنة بقياس الطيف الكتلي الترادفي (LC-MS/MS).

استخدمت دراسة أجريت عام 2024 هذه الاستراتيجية لتمييز العظام المدفونة منذ 15-20 عامًا، مما يشير إلى إمكانية تحديد فترات زمنية أطول مع تحسين البيانات المرجعية

5. التصوير الطيفي والتصوير الطيفي التكميلي

يمكن لتقنية التحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء المتوسطة ورسم خرائط الأشعة السينية المشتتة للطاقة الكشف عن التجوية الكيميائية والتغيرات المعدنية المرتبطة بمدة الدفن. تحد الخرسانة من الأكسجين والنشاط الميكروبي والرطوبة، وهي عوامل قد تحافظ على العظام بشكل جيد. إذا بقي الكولاجين، فمن المرجح أن يوفر التأريخ بالكربون المشع (خاصةً على العاج أو المينا) هامش خطأ يتراوح بين 2 و 3 سنوات حول تاريخ الوفاة الفعلي. ويمكن لتقنيات البروتينات والتصوير المقطعي المحوسب الدقيق أن تدعم أو تُحسّن التقدير.

باختصار: نعم، يمكن لمختبرات الطب الشرعي تقدير سنة الوفاة من عظام مدفونة لعقود. تجمع أكثر الطرق فائدة بين ما يلي: التأريخ بالكربون المشع (AMS) لتقدير السنة التقويمية.

المحامي جمال : د. كريم شكراً لك على اثراء معلوماتنا بآخر تقنيات البحث الجنائي. بالرغم من ان معلوماتنا التقنية لا تؤهلنا من استيعاب كل ما عرضته علينا لكنني فهمت منك ما يلي: نستطيع استخدام اجهزة متطورة حديثة كي نحدد عمر تلك العظام. هل هذا صحيحي؟

الدكتور كريم : نعم هذا صحيح.

المحامي جمال : شكراً لك د. كريم. والآن بامكانك الرجوع الى مكانك. والآن سيادة القاضي اريد توجيه سؤال من خلالكم الى الدكتور فارس. يا د. فارس لدي سؤالين لا ثالث لهما: هل عندكم بمختبراتكم هذه الاجهزة المتطورة؟ وإن كانت عندكم، فسؤالي الثاني هو: هل لديكم الخبرة التقنية الكافية لاستعمالها واستنباط النتائج الدقيقة منها؟

وقف د. فارس من مكانه وقال، "لدينا هذه الاجهزة لكننا لم نستعملها لغياب المعرفة التقنية".

هنا نظر المحامي د.جمال وقال للقاضي،

المحامي جمال : سيادة القاضي، ارجو من عدالتكم الاذن للدكتور كريم احمد يونس اجراء تلك الفحوصات بالتعاون مع د. فارس في استخدام الاجهزة التقنية المتوفرة لدى مركز الطب الجنائي وتزويدنا بالنتائج عند الانتهاء منها.

القاضي سامي : امرنا باجراء الفحوصات التقنية اللازمة التي طلبها الدفاع. ترفع الجلسة حتى تُسْتَخْلَصْ نتائج الفحوصات.

<<< بعد مرور اسبوعين <<<

عقدت جلسة المحكمة بعد استلام تقارير المختبر الجنائي. دخل الجميع القاعة وبقوا واقفين ينتظرون حتى دخل القاضي سامي وتوت ومستشاره فؤاد عبد خلف فجلسوا وجلس بعدهم كل من في قاعة المحكمة. عقدت الجلسة بعد ان وقف الحاجب وصرخ باعلى صوته (محــــــكمة). بدأ القاضي سامي بالسؤال،

القاضي سامي : ابدأ هذه الجلسة بسؤال السيد المدعي العام عن تقرير الطب الشرعي اثر اتباع الاساليب التقنية الحديثة. هل استجد معكم شيئاً؟

المدعي العام فارع : نعم سيدي القاضي. الآن استدعي د.فارس كي يقرأ التقرير التقني.

وقف الدكتور فارس من مكانه وجلس على كرسي الشهود فاقترب منه نائب المدعي العام وسأله،

المدعي العام فارع : بلغنا ان تقريركم التقني قد اصبح جاهزاً. الا اخبرتنا بالنتائج؟

د. فارس : بعد ان تعاونا مع د. كريم قمنا بفحص رفاة الاطفال الذين عثر عليهم بداخل القبور بمنزل السيدة زكية صالح وكانت النتائج كالتالي:

1 عثرنا على 15 بقايا عظام تصل اعمارها 31 سنة.

2 عثرنا على 11 بقايا عظام تصل اعمارها 28 سنة.

3 عثرنا على 20 بقايا عظام تصل اعمارها 25 سنة.

4 عثرنا على 13 بقايا عظام تصل اعمارها 23 سنة.

5 عثرنا على 26 بقايا عظام تصل اعمارها 20 سنة.

6 عثرنا على 4 بقايا عظام يصل عمرها ثلاث سنوات.

7 عثرنا على 1 بقية عظام يصل عمرها سنتان.

8 عثرنا على 1 بقية عظام يصل عمرها سنة واحدة.

المدعي العام فارع : شكراً لك د. فارس.

القاضي سامي : هل يرغب الدفاع باستجواب الطبيب الشرعي؟

المحامي جمال : نعم سيدي القاضي.

اقترب المحامي د.جمال من الطبيب الشرعي وسأله،

المحامي جمال : في تقريركم الاولي قلتم انكم حصلتم على رفاة 87 طفل. واليوم يخبرنا تقريركم ان عدد الرفاة قد ارتفع الى 91 رفاة. هل هذا صحيح؟

د. فارس : اجل هذا صحيح. ففي التقرير الاولي كنا نحاول تقدير عدد الضحايا من خلال عظام الحوض فقط لكن التحليل كروماتوغرافيا المقترنة بقياس الطيف الكتلي الترادفي (LC-MS/MS) صحح معلوماتنا ليجعلها 91. وطبعاً كروماتوغرافيا هي اصح وادق من عملية حصر عظام الحوض.

المحامي جمال : هل لديك ادنى شك بصحة المعلومات التي تحصلتم عليها من التقنيات الحديثة؟

د. فارس : كلا، المعلومات دقيقة وقد قام الدكتور كريم مشكوراً بعمل دورة طوعية خاصة لاطبائنا كي يمارسوا استعمال هذه التقنيات الحديثة.

المحامي جمال : شكراً لك دكتور فارس. بامكانك الرجوع الى مقعدك.

وقف المحامي امام القاض وقال،

المحامي جمال : سيدي القاضي، حسب التقرير الذي حصلنا عليه من دار الايتام بالشواكة وحسب البطاقة الوطنية لموكلي المتهم حيدر فايق محمد التي تؤكد ان عمره 25 سنة وسبعة اشهر. وهذا يدل بشكل قاطع انه لم يرتكب اي من جرائم القتل التي نسبت اليه لان جلها وقع قبل ولادته والبقية وقعت عندما كان صغير السن. هناك فقط ضحيتان وقعت اثناء اقامة حيدر لدى منزل زكية صالح. وتلك الضحيتان تؤكدان تطابق صحة افادته عند محضر التحقيق لدى النيابة العامة. وبالاستنتاج فإن الشخص الوحيد الذي قام بتلك الجرائم الشنيعة هي زكية صالح. لان ذلك يشير الى عامل السن بالاضافة الى سكنها ببيت والدها منذ امد بعيد وذلك يتطابق مع شهادات سكان الحي بالاضافة الى عقد الطابو لبيتها. لذلك اطالب عدالتكم بتبرئة موكلي واسقاط جميع التهم المنسوبة اليه.

عم الضجيج في القاعة بعد ذلك الطلب من محامي الدفاع فقام القاضي بالطرق بشدة بمطرقته واعلن،

القاضي سامي : المتهم حيدر فايق محمد بريئ من التهم المنسوبة اليه. يخلى سبيله فوراً إن لم يكن محجوزاً بتهم اخرى. رفعت الجلسة.

ركضت رهف الى زوجها واحتضنته وصارت الدموع تتطاير بالاجواء. اقترب الدكتور صالح السراج من رهف وهنأها ببرائة زوجها ثم التفت الى حيدر وقال،

الدكتور صالح : اليوم اشعر اننا حققنا العدالة كاملة. اهنئك يا ابني على البرائة.

رهف : عمي سيادة العميد، لساني يعجز عن شكرك. فلولاك لاعدموا زوجي ظلماً وعدواناً.

الدكتور صالح : الحمد لله الذي اظهر الحق على يدي اولادي الابطال جمال وكريم. اشكركما يا احبابي.

المحامي جمال : لا شكر على واجب. نحن لم ولن نستطيع ان نرد لك افضالك علينا يا د.صالح. فانت استاذنا وتاج مرصع باماس فوق رؤوسنا.

هنا قال د.كريم باللهجة المصرية،

والدكتور كريم : لا شكر على واجب. (انت مش هتاكل علينا الحلوان يا استاز حيدر).

حيدر : حلوانكم برقبتي د. كريم و د. جمال و د. صالح.

رهف : الآن عرفت من اين اتى اسم الزقاق . يبدو ان زكية خاتون كانت هي السعلوة.

*** تمت ***

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

794 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع