قصة (زكية خاتون) - الجزء الاول

بقلم احمد فخري

قصة (زكية خاتون) - الجزء الاول

مشت زكية خاتون في زقاق الاحرار الذي يُطْلِقُ عليه سكان الحي زقاق (السعلوة) حاملة معها كيساً مصنوعة من القماش متجهة به الى بائع الخضروات. شعرت زكية ان شيئاً ما او شخصاً معيناً يتبعها بخطىً بطيئة حذرة لكنها لم تكن على يقين من ذلك. وكلما وقفت بشكل مفاجئ واستدارت الى الخلف لا تجد من يسير ورائها فتعود وتواصل سيرها باتجاه محل بائع الخضار. وقفت امام البائع وطلبت منه الكرفس والبصل والثوم والخيار والبيتنجان والقرع والفواكه والرز وما الى ذلك فنظر اليها بنظارته الثخينة التي تشبه قعر القنينة ومازحها قائلاً،

ابو سماح : ماذا دهاكِ اليوم سيدتي؟ انت تشترين الدكان باكمله. يبدو انك تعدين وليمة كبيرة لاحفادك؟

زكية : يا لك من رجل هزلي مضحك. انت تعلم جيداً انني اعيش وحدي وليس لدي اولاد ولا احفاد ولا حتى قطط او فيران. الكهول الذين بسني في هذا البلد ينتهي بهم الامر هكذا بلا قريب ولا مجيب، نقلّع اشواكنا بايدينا حتى يأتي موعدنا فنرحل كما دخلنا، وحيدين خائبين بكل صمت وهدوء.

ابو سماح : لا تقولي هذا الكلام يا زكية خاتون. انت ما زلت شابة جميلة. فانت الخير والبركة.

زكية : تقصد انني كنت شابة وجميلة في السابق اما الآن فيناهز عمري السبعين.

ابو سماح : اقسم انني كنت اظنك بالعشرينات من العمر.

زكية : يبدو ان مشكلتك اكبر مما تخيلت. فانتَ لست فاقداً للبصر وحسب بل فاقداً لعقلك ايضاً.

ضحك ابو سماح بقهقهة عالية ووضع لها الخضار بداخل كيسها ثم سألها،

ابو سماح : منذ متى وانت تسكنين بهذا الحي يا اختي زكية؟

زكية : الآن اثبتّ لي انك حقاً تعاني من الخرف فوق كل عللكَ وامراضكَ. الا تذكر انني اقتني الخضار منك دائماً ومنذ سنين طويلة؟

ابو سماح : انا لا اقصد انني لا اعرفكِ. انا اقصد كم من سنة مضت وانت تسكنين بهذا الزقاق؟

زكية : منذ اكثر من ثلاثة عقود. فلماذا تسأل الآن يا اخي؟ هل لديك خطّابة؟ اخبرني عنهم فسوف اضربهم بمقشتي.

ابو سماح : بما انك انسانة مثقفة، اردت فقط ان اعرف منك سبب تسمية زقاقنا هذا بزقاق (السعلوة)؟

زكية : انت تعرف جماعتنا المتخلفين. ولانهم يتمرغون بالجهل منذ زمن بعيد، فهم يعتقدون ان هناك كأئن غريب مخيف يسكن بهذا الحي يقوم باختطاف الاطفال ويبيعهم للعوائل الثرية بالضبط مثل الكائن الاسطوري الذي يتداولونه بقصصهم الخرافية.

ابو سماح : الا تخافين من السعلوة؟ خصوصاً، وانك تعيشين بمفردك؟ فانت غير قادرة على صد اي اعتداء عليك إذا قام بمهاجمتك مجرم او قاتل او مغتصب.

زكية : كلا. انا لا اعتقد بمثل هذه الخزعبلات. ليس هناك سعلوة ولا شبح ولا جني ولا مغتصب، فانا لست محظوظة بهذا القدر. هذه اوهام يفرضها عليهم الجهل ويغسل بها عقولهم العفنة.

ابو سماح : اقسم بالله انك انسانة قوية مثل سوفرمان.

زكية : أسمه (سوپرمان) والآن كفاك اسئلة تافهة، اخبرني كم بات حسابك؟

ابو سماح : 5300 دينار فقط.

زكية : يبدو انك اخطأت الجمع هذه المرة.

ابو سماح : هذا مستحيل انا في حياتي لم أُدخِل بجوفي لقمة حرام واحدة مطلقاً. كيف تتهميني بالغش وتطعنيني بنزاهتي؟

زكية : انت فهمتني بشكل خاطئ يا رجل يا خرفْ. انا اتكلم العكس تماماً. ارني القائمة لو سمحت.

اعطاها القائمة التي كتبها على طرف قطعة كارتونية بالية بغضب شديد فبدأت تحسبها بذهنها ثم قالت،

زكية : ارأيت يا ابو سماح؟ لقد اخطأت بالحساب. المجموع 6300 دينار يا رجل. أي انك غدرت نفسك بـ 1000 دينار. الا يقول الله، (ان بعض الظن إثم).

ابو سماح : يا سلام يا زكية خاتون. ليت كل زبائني مثلك وعلى شاكلتك من النزاهة. بارك الله فيك واثابك من فظله. انا اعتذر منك على تسرعي بالحكم.

زكية : انا لا اريد ان أُدخل في بطني مال سحت كما قلت لك سابقاً. خذ حسابك وتوكل على الله.

دفعت له المبلغ واخذت مشترياتها ثم ودعته وابتعدت. بقي ابو سماح رافعاً يده للاعلى يدعو لها بالتوفيق وطول العمر لانها احسن زبونة عنده. كان يقارنها بالكثير من المشترين الباقين. فها هو ابو مصطفى إمام المسجد المجاور قام بخداعه مرتين بخمسة آلاف دينار لكل مرة. لكن هذه الانسانة الطاهرة لم ترضى على نفسها الف دينار فقط تأكلها بالحرام. ودعها وعاد ليجلس على كرسيه المصنوع من خوص النخل يترشف قدح الشاي الذي اصبح بارداً الآن. مشت زكية في الزقاق فرآها الجزار ابو امير وصاح من بعيد،

ابو امير : صباح الخير زكية خاتون. كيف حالكِ؟

زكية : انا بخير والحمد لله، شكراً لك يا ابو امير يا طيب. كيف حال ام امير؟ هل تعافت من مرضها؟

ابو امير : اجل يا اختي العزيزة. لقد اتبعت نصيحتك وقامت بطلاء صدرها بزيت الخروع. والآن انها على احسن حال.

زكية : الحمد لله على شفائها. استمر بالطلاء لفترة اسبوع آخر حتى يزول الالم نهائياً.

ابو امير : لاحظتُ سيدتي ان طعامك قليل. ما هي المشكلة؟ ولماذا انت سعيدة دائماً؟

زكية : انا لا احتاج الى طاقة كثيرة لانني هرمت واعيش ايامي الاخيرة بكل رضى. لا اعاني من الهم والغم والمشاكل والامراض. اما السعادة فتأتي من الـ (اوكسي توسن) وليس هناك ربط بين الطعام والاوكسي توسن.

ابو امير : لا اعرف من اين تجدين هذه المصطلحات الغريبة. كل يوم تخرجين لنا بكلمات عجيبة. انا اخجل فقط ان أتلفضها لعل احداً يسيء فهمي ويعتقد أنني اقول كلاماً مخجلاً.

قهقهت بصوت عالٍ وقالت،

زكية : يا لك من مهرج. دعني اعود لمنزلي لابدأ الطبخ. استودعك الله.

ابو امير : كان الله بعونك سيدتي. الا تريدين شراء اللحم؟

هزت رأسها بالنفي ومشت في طريقها عائدة الى منزلها لتبدأ باعداد طعامها. وبينما هي تسير في طريقها سمعت وقع اقدام خلفها من جديد فالتفتت بسرعة هذه المرة لتجد طفلاً صغيراً حافي القدمين يمشي ورائها ويحمل بيده لعبة قديمة بالية على هيئة سيارة اسعاف. ابتسمت بوجهه واعطته قطعة خيار من كيسها ثم واصلت سيرها نحو بيتها المتواضع. وضعت المفتاح بثقب الباب وادارت القفل ثم دخلت للداخل. وضعت مشترياتها على طاولة المطبخ ثم جلست بغرفة الاستقبال لتأخذ قسطاً من الراحة. وبعد اقل من دقيقتين وقفت من جديد وحملت كيس المشتريات لتدخله الى المطبخ فتبدأ بطهي طعامها. فجأةً، شعرت برجل طويل يقف خلفها ومعدن بارد يلامس رقبتها. لمست تلك القطعة المعدنية لتعي يقيناً من انها نصل سكين كبير يستعمل لتقطيع اللحم أُخِذَ من مطبخها فبدأت تضحك وتقهقه بصوت مرتفع. امسك بها الرجل الطويل القامة المفرط البدانة بمنتصف عقده الثالث ثم صرخ بوجهها قائلاً،

اللص : ما الذي يضحكك يا عجوز يا نتنة؟

زكية : انت قلتها (نتنة). فانا اكاد لا املك قوت يومي وانت جئت لتسرقني. كان بامكانك ان تسرق اشخاصاً كثر بحارتنا غيري.

اللص : اتقصدين انك لا تملكين اي مصوغات او مال او اي شيء؟

زكية : اسمع يا ابني. انا كنت مدرسة اعدادية والآن اصبحت متقاعدة. مرتبي الشهري لا يتعدى 700 الف دينار. يذهب كله كلمح البصر لذلك احاول الاقتصاد به حتى آخر الشهر كي اتمكن من البقاء على قيد الحياة دون امراض إن امكن. وإن لم يكن ممكناً فانا اقلّع شوكي بيدي.

اللص : هل تجيدين الطبخ؟

قالها وهو يربطها على كرسي خشبي في الصالة قالت،

زكية : انا اطبخ طعامي منذ اكثر من نصف قرن. وطبخي لا يُعْلى عليه. دعني اخبرك بشيء، لو لم تكن انت من الفقراء المعدمين لما قررت ان تأتي لتسرق اموالي وذهبي ومجوهراتي.

اللص : أهآ... إذاً لديك اموال وذهب ومجوهرات... فلماذا قلت انك فقيرة ومعدمة يا كذابة؟

زكية : انا اتهكم على ما فعلت بي دون معرفة اي شيء عني يا عزيزي... ما اسمك؟

اللص : لا عليك باسمي. انا لا اعطي اسمي لاي احد. انه يبقى سر بيني وبين... انه يبقى سر بيني وبين نفسي.

زكية : نحن نتحاور فقط وندردش. ومن الجميل ان اعرف اسمك او اعرف صفة من صفاتك كي اناديك بها. فليس من اللائق ان اظل اناديك (يا حرامي) اليس كذلك؟

اللص : حسناً نادني (دبة حميسة).

زكية : ولماذا هذه الصفة؟ انها صفة بشعة يطلقها الناس على بعضهم البعض احياناً. هل كانوا ينادوك بها في صغرك؟

اللص : اجل، الاولاد الصغار بالحي كانوا يركضون ورائي وينادوني دبة حميسة. كانوا دائماً يفعلون ذلك وكنت اشعر بالخجل والغضب الشديد فاقوم بضربهم لكن المشهد كان يتكرر كل يوم فاتخبط في دوامة الشجار بشكل مستمر وانال الكثير من التنكيل من نساء الحي.

زكية : هل اكملت دراستك؟

اللص : كلا انا تركت المدرسة قبل امتحان السادس الابتدائي.

زكية : ماذا كنت تعمل إذاً؟

صمتَ قليلاً ثم علم بانه صار يعطيها الكثير من المعلومات الشخصية عن نفسه لذلك قرر ان يتوقف من تجاذب اطراف الحديث معها فصرخ بها باعلى صوته قائلاً،

اللص : لا عليــــــــــــك بعملي. انا هنا لغرض العمل وحسب. هيا توقفي عن الكذب واحضري لي كل ما تملكين من مال.

زكية : كل بيتي هو عبارة عن غرفة نوم واحدة وصالة واحدة ومطبخ وحمام. البيت ورثته عن ابي الذي مات منذ امد بعيد. تفضل عزيزي فتش ما يحلو لك. وان وجدت اي شيء يستحق السرقة فبامكانك ان تأخذه وانا اسامحك به دنيا وآخرة.

اللص : سنرى يا عجوز يا ثرثارة.

امسك بكيس المشتريات التي وضعته فوق الطاولة وبحث بداخله فوجد محفظتها قال،

اللص : وماذا عن هذه المحفظة؟ هل اردت اخفائها عني؟

زكية : خذها بكل سرور. حلال عليك يا ولدي. سوف تصرخ بوجهك شاكية مرارة الفقر.

فتح المحفظة واخرج بعض الاوراق النقدية منها ثم قال،

اللص : ماذا ارى؟ اهذا كل ما لديك؟ 2800 دينار؟

زكية : هذا ما تبقى لي من مرتبي. فكما تعلم اليوم هو السابع والعشرون من الشهر ولم يبقى سوى ثلاثة ايام على نزول الراتب الجديد.

اللص : مالي وهذا الحظ المائل. اختار امرأة فقيرة لا تملك مالاً بمحفظتها ولا ببيتها؟ كم كنت غبياً عندما اعتقدت اني ساتناول وجبة مشبعة اليوم. لكن طالعي السيء زجني نحوك يا فقيرة يا معدمة مثلي...

قاطعته وقالت،

زكية : لكنني اكل الطعام اللذيذ الجيد كل يوم. هل تأذن لي ان اسألك سؤالاً يا اخي دبة حميسة؟

اللص : تفضلي اسألي ما يحلو لك (شبقيتي بيها؟ هي خربانة خربانة).

زكية : إذا كنت جائعاً لهذا القدر، فلماذا لا تحل وثاقي فاقوم بطبخ طعام لذيذ لي ولك نتغدى به ونشبع بطوننا. ما رأيك يا سيد دبة؟

اللص : وهل تعتقدين انني غبي لهذا القدر كي اثق بك؟ اقوم بحل وثاقك فتقومين بالصراخ لتأتي الشرطة وتضعني بالحبس.

زكية : عزيزي دبة. انت ربطتني بالحبل على الكرسي ولم تكمم فمي لحد الآن. لو اردت ان اصرخ لصرخت واستطعت ان اجعل الجيران كلهم يسمعون صراخي لكنني شعرت بان هناك شيء واحد يجمعنا.

اللص : شيء واحد يجمعنا! وما هو هذا الشيء الذي يجمعنا يا امرأة يا عجوز؟

زكية : كلانا فقراء وكلانا خذلنا الحظ فجعلنا نشعر بالجوع يا ابني وليس امامنا الا المطبخ.

اللص : حيدر.

زكية : ماذا تقصد؟

اللص : اقصد انا اسمي حيدر.

زكية : الله، اسم جميل جداً. اتعرف ما معنى اسمك؟

حيدر : اسمي ليس له معنى. حيدر يعني حيدر فقط، ليس له معنى ابداً.

زكية : بل انه يعني الاسد او القوي او البطل.

حيدر : احقاً ما تقولين؟

زكية : اجل، وانا اسمي زكية.

حيدر : وماذا تنوين ان تطبخي لنا يا خالة زكية؟ لقد اشعرتيني بالجوع اكثر.

زكية : كل ما يحلو لك يا ولدي. فك وثاقي وسوف اذيقك وجبة شهية من صنع يدي.

حيدر : اعتقد انني استطيع الوثوق بكِ. سافك وثاقك الآن. فوجهك يوحي بالطمأنينة.

فكّ وثاقها وسمح لها ان تذهب للحمام كي تغسل وجهها ثم عادت اليه وقالت،

زكية : بما انك ستأكل عندي اليوم فانا اريد منك شيئاً.

حيدر : كنت اعلم انك ستوقعين بي وتجعليني اسلم نفسي للشرطة. كلا انا لن ارضى ان اسلم نفسي للشرطة. لا اريد الدخول الى السجن.

زكية : انا لم اقصد ذلك ابداً. اردتك ان تساعدني في الطبخ وحسب.

حيدر : لكنني لا اعرف كيف يطبخ الطعام. انا اعرف كيف آكل فقط. هاهاها

زكية : انت بالتأكيد تعرف كيف تقشر البطاطا والبصل. اليس كذلك؟

حيدر : اجل هذه امور يسيرة.

زكية : إذاً خذ هذه الحاوية وابدأ بالتقشير والتقطيع بينما اقوم انا بنقع الرز.

حيدر : سافعل ذلك يا يا خالة.

امسك حيدر بالمواد وصار يقشر البصل والبطاطا بينما راحت زكية تقطع اللحم الذي اخرجته من الثلاجة الى قطع صغيرة وتغسله ثم تضعه في قدر وتبدأ بغليه.

حيدر : ماذا كنت تدرّسين قبل التتقاعد اهو الحساب؟

زكية : كلا يا ابني، كنت ادرس الاحياء.

حيدر : وما هو الاحياء؟

زكية : انها كل ما يتعلق بالكائنات الحية. فالانسان والحيوان والنبات كلها كائنات حية.

حيدر : وهل تعتبر الحشرات من الكائنات الحية؟

زكية : بالتأكيد. انها اكثر من باقي الكائنات على الارض لان عددها كبير جداً ويصعب احصائها.

حيدر : وماذا عن الجراثيم؟

زكية : الجراثيم هي أيضاً كائنات حية.

حيدر : بعض الناس تتصرف كالحشرات. لانها لئيمة وتمتص دماء البشر.

زكية : واللهِ كلامك صحيح جداً مع شديد الاسف يا ولدي. لكن الانسان يحاول ان يفعل ما في وسعه كي يقدم الخير للجميع ويبقى على قيد الحياة حتى وإن شعر بان لحظة رحيله من هذه الدنيا قد حل.

حيدر : انتِ حقاً انسانة طيبة وذكية جداً. لا اعلم ماذا دفعني لاعتدي عليك. كم انا حمار.

زكية : انت لم تعتدي علي ابداً. بل ان الله بعثك لي كي اعتني بك لان داخلك طيب ونظيف يا ولدي. والآن كاد الطعام ان ينضج. اخرج الاطباق من الدولاب هناك وضعها على الطاولة.

فعل ما طلبت منه ثم قالت،

زكية : احضر كأسين واملأهما بالماء وضعهما بالقرب من الصحون.

فعل ما طلبته لكنها قالت،

زكية : لقد وضعت الكؤوس بمكان خاطئ. فالكؤوس يجب ان تكون الى يمين الصحون الفارغة.

حيدر : لماذا يا خالة؟ ما الفرق؟

زكية : لان ذلك هو الصحيح. انه البروتوكول.

حيدر : حسناً سافعل ما تطلبين.

غير اماكن الكؤوس ثم استمع اليها حين قالت،

زكية : اجلس الآن على الكرسي وسوف اسكب لك الطعام بصحنك.

جلس على الكرسي ورفع الملعقة ليتذوق الطعام. وبعد ان مضغ اللقمة جيداً قال،

حيدر : في حياتي، والله في حياتي لم اذق طعاماً مثل هذا. انتِ حقاً طباخة ماهرة سيدتي.

زكية : انا سعيدة لان طبخي أعجبك. بالهناء والشفاء.

حيدر : اللحم طعمه لذيذ، انه لذيذ حقاً. كيف فعلت ذلك؟

زكية : هذه خبرة سنين طويلة يا ولدي.

حيدر : اهو لحم بقر ام غنم؟

زكية : بل هو لحم غزال.

حيدر : غزال؟ ومن اين اتيت بلحم الغزال؟ هل يبيعه الجزار بالزقاق؟

زكية : كلا، انا اقوم باصطياده بنفسي.

حيدر : مدرسة احياء وصيادة غزلان كذلك! كم انت موهوبة يا خالة وتفهمين بامور عديدة.

زكية : هل تريد المزيد يا ابني؟

حيدر : اجل طبعاً، فانا جوعان ولم اذق الطعام منذ امد بعيد. اعيش على ما اجده امامي مما يرميه الناس على الارض في الشوارع.

سكبت له المزيد من الطعام بينما كان يشرب الماء قال،

حيدر : ساحضر المزيد من الماء لنشربه.

زكية : ما تفعله هو امر خاطئ يا ابني. ليس من المستحسن ان تشرب اكثر من نصف كأس ماء مع اي وجبة طعام، والا ستصاب بالتخمة بعد الاكل.

حيدر : اتمنى ان احس بالتخمة فانا لم اشعر بها منذ السقوط.

ضحكت زكية خاتون وتركته يختار اسلوب شربه للماء دون التدخل بشؤونه.

عاد وصار يلتهم الطعام من جديد بشراهة ثم صاح،

حيدر : آآآآآه يبدو انك كنت على حق. انا اشعر بتخمة مزعجة. كيف عرفت ذلك؟

زكية : هل نسيت ما قلته لك من قبل؟ انا مدرسة احياء واعرف تماماً ما يجري بداخل جسدك.

حيدر : على العموم انا شاكر لافضالك يا خالة زكية على هذه الوجبة اللذيذة. يجب ان ارحل الآن استودعك الله.

زكية : رافقتك السلامة يا ولدي. ولكن لحظة واحدة قبل ان ترحل... إذا شعرت بالجوع ثانية فلا تتردد تعال الى عندي وسوف اطبخ لك وجبة اخرى تعجبك.

حيدر : شكراً لك يا خالة. في امان الله. وسامحيني على ما بدر مني.

زكية : انتظر لحظة. اين تسكن الآن يا حيدر؟

حيدر : هذا يعتمد.

زكية : يعتمد...؟ يعتمد على ماذا؟

حيدر : على الحظ. فاحيانا اجد خرابة مهجورة خالية اضع فيها رأسي وانام. واحيانا اجد بيتاً هجره اصحابه لفترة من الزمن فاقوم بالنوم فيه وأتناول الطعام الذي اجده بداخله. بصريح العبارة ليس لدي مكان معين.

زكية : اليس لديك اسرة وبيت تأوي اليهما؟

حيدر : كلا، انا يتيم الابوين. زجوني بدار للأيتام عندما كنت صغيراً ثم هربت من دار الايتام منذ لاعيش في العراء بعدها.

زكية : وهل تسكن الخرائب والبيوت المهجورة منذ ان تركت دار الايتام؟

حيدر : اجل يا اخلة.

زكية : اسمع مني يا ابني. اجد نفسي منجذبة اليك لاني اشعر وكأنك ولدي، ولانك انسان طيب القلب لكنك لم تنل حظك من الحياة.

حيدر : وما فائدة طيبة القلب؟ فالمنحوس منحوس حتى آخر زمانه.

زكية : طيب اسمعني جيداً. لدي اقتراح سديد ربما سيعجبك يا ولدي. ما رأيك ان تعيش عندي هنا ببيتي ونتساعد انا وانت في امور الحياة؟

حيدر : هذا اقتراح جيد جداً يا خالتي لكنك تعرفين انني لا استطيع فعل شيء فانا عديم الفائدة. كيف سنتساعد سوية؟

زكية : سوف اجد لكَ مهام بسيطة عندما احتاجك. الم تساعدني في الطبخ قبل قليل وتناولنا وجبة جيدة؟ ولكن بالبداية اريدك ان تخرج معي الآن كي اشتري لك ملابس من (اللنگة).

حيدر : لكنك لا تملكين الكثير من المال. فكيف ستشترينها؟

زكية : اولاً بقي لدي القليل من المال حتى نهاية الشهر. ثانياً ملابس (اللنگة) رخيصة الثمن. وثالثاً ملابسك الحالية عفنة ويجب علينا حرقها لانها مقطعة ومشبعة بالجراثيم.

حيدر : حسنة يا خالة. دعينا نذهب الى مخزن البالة بآخر الزقاق إذاً.

خرجت زكية من منزلها واستدارت يميناً ليمشي حيدر الى يسارها فرآها ابو امير الجزار قال،

ابو امير : هل نسيت شيئاً زكية خاتون؟

زكية : اجل. جائني قريبي حيدر ليبقى عندي في الدار، والآن نحن ذاهبان الى سوق البالة كي نشتري بعض الملابس.

ابو امير : رافقتك السلامة زكية خاتون. انتِ سباقة للخير دائماً.

مشي الاثنان في زقاق (السعلوة) حتى دخلت زكية سوق البالة للملابس المستعملة يتبعها حيدر. بدأت بفحص الملابس والبحث عن الاحجام الكبيرة التي قد تلائم حجم حيدر الكبير. وعندما جرب عدة قمصان منها وسروالين وسترة غامقة اراد ان يرتديها ويبقى بداخلها لكن زكية اعترضت وقالت،

زكية : أبني حيدر، يجب ان نعود للدار وتأخذ حماماً ساخناً ترمي فيه كل قذارتك وجراثيمك ثم ترتدي الملابس الجديدة بعدها.

حيدر : حسناً كما تشائين يا خالة.

رجعا الى المنزل فأدخلت زكية ضيفها الحمام وطلبت منه ان ينظف جسمه جيداً ويستعمل الماء الساخن كي يرمي العفن ورائه. وعندما خرج من الحمام وارتدى الملابس الجديدة قالت،

زكية : يا سلام، الآن اصبحت نظيفاً جميلاً كالزهور.

حيدر : شكراً لك يا خالة زكية. هذا كله بفضلك. انت انسانة رائعة.

زكية : بل انه من فضل الله. اريدك ان تحافظ على نظافة ملابسك دائماً. فقد لاحظت انك كنت تمسح يديك الملوثتين من الطعام بملابسك وهذا لا يجوز ابداً لانك الآن تستطيع ان تدخل الحمام وتغتسل بالصابون وقتما تشاء. أعدكَ بانني ساشتري لك المزيد من الملابس عندما استلم التقاعد.

في الايام والاسابيع التالية ظل حيدر يسكن ببيت زكية وينام بغرفة الاستقبال على الارض فوق جودلية ثخينة حتى جائته زكية يوماً وقالت،

زكية : اسمع حيدوري، لقد نفذ اللحم من عندي في المجمدة. يجب ان احصل على المزيد.

حيدر : بامكاني ان اذهب الى الجزار لاشتري لك ما تريدين يا خالتي.

زكية : لا، انا لا استسيغ اللحم الذي يبيعه ابو امير. فهو قديم وليس نظيفاً كما يجب. ساصطاد لحم غزال واعود الليلة.

حيدر : إذاً ساذهب معك لنصطاد سوية.

زكية : لا يا ولدي. اريدك ان تبقى بالبيت اليوم.

لم يفهم سبب طلبها هذا لكنه وافق من باب الاحترام لها والانصياع لرأيها قال،

حيدر : حسناً يا خالة، اذهبي انت اليوم لاصطياد الغزلان وسوف ارافقك بالمرات القادمة.

خرجت زكية حاملة حقيبة يد ولم يلاحظ عليها اي سلاح تستعمله لغرض الاصطياد. ومع ذلك بقي بداخل الدار حتى اطبق عليه النعاس فتوجه الى فراشه على الارض وراح بنوم عميق. وفي صبيحة اليوم التالي ايقظته أصوات طرق بداخل المطبخ فانتصب من فراشه ليجد زكية منهمكة بتقطيع العظام وفصلها عن اللحم قال،

حيدر : يبدو انكِ كنت موفقة بصيدك ليلة امس.

زكية : اجل لكن الغزال الذي اصطدته كان صغيراً جداً الا أنني لم اجد غيره، ولان كمية لحمه ستكفينا اسبوعين على الاقل.

حيدر : وماذا ستطبخين لنا اليوم؟

زكية : افكر بطبخ البامية. لذلك اريد منك ان تذهب الى ابو سماح بائع الخضرة وتجلب لنا رأسي ثوم وكيلو باميا وكيلو رز.

حيدر : حسناً يا ام... اقصد يا خالة زكية.

زكية : ماذا كنت ستناديني يا ولد؟ هل كنت ستقول يا امي؟

حيدر : انا آسف انا آسف يا خالة. اقسم بالله انها خرجت مني سهواً عن دون قصد. سامحيني.

زكية : لا، لا تتأسف حبيبي، بالعكس تماماً. بامكانك ان تناديني يا امي فانا احب هذه الصفة. لان الله حرمني من الخلف.

حيدر : كما تشائين يا امي. انا سعيد بذلك.

خرج حيدر من الدار تغمره سعادة كبيرة لا توصف فقد عثر اخيراً على بيت يأويه وانسانة تحبه كما تحب ابنها لو كان لديها ولد وهي تعتني به وتشتري له الملابس وتعد له كل الاطعمة التي يحبها. هل هو يعيش في حلم جميل؟ هل التفت اليه الحظ اخيراً وصار انساناً محترماً؟ ولمَ لا؟ فهو فقط لم يحظى بالفرص التي يستحقها. {انظر الى نفسك يا ولد، الآن انت لن تعاني من الجوع او تتناول الطعام القذر الذي يسقط من ايدي الناس. امي تطبخ لي طعاماً لذيذاً جداً فقد ادمنت على تناول لحم الغزلان. لماذا لم يكتشفه الناس لحد الآن؟ انه حقاً الذ من لحم الغنم والبقر. ها قد وصلت محل ابو سماح}.

حيدر : صباح الخير عمي ابو سماح.

ابو سماح : صباح الخير ابني حيدر. كيف حالك وكيف حال زكية خاتون؟

حيدر : امي تريد الجميع أن يناديها ام حيدر من الآن فصاعداً.

ابو سماح : لدي سؤال يحيرني كثيراً يا حيدر. ما هي صلة القرابة بينك وبين زكية خا... اقصد ام حيدر؟

حيدر : انها قرابة من بعيد من طرف الست الوالدة رحمها الله.

ابو سماح : هل هذا يعني انك ستبقى لديها بشكل دائم؟

حيدر : اجل يا عمي. اتمنى ذلك. فأنا لم اعد اقوم بـ... لا شيء... لا شيء... انا سعيد بوجودي مع امي.

ابو سماح : ادام الله محبتكم يا ولدي. فام حيدر انسانة طيبة وكل سكان (السعلوة) يحبها ويحترمها وقد خرّجت الكثير من اولاد المحلة عندما كانت تعمل بالمدرسة.

حيدر : اجل اخبرتني بكل ذلك.

ابو سماح : خذ يا ولدي، الثوم والبامية والرز.

حيدر : شكراً عمي ابو سماح .

رجع حيدر الى المنزل ليشم رائحة نفاذة فسألها،

حيدر : ما هذه الرائحة يا امي؟

زكية : انها رائحة المعقم (ديتول). هل شممتها من قبل؟

حيدر : كلا ابداً.

زكية : اقوم باستعمالها بعد التنظيف الشامل لغرض التعقيم.

حيدر : شيء عظيم. وهل هذا يقتل الحشرات والجراثيم؟

زكية : انه بالتأكيد لا يجعلها بيئة صالحة كي تشاركنا السكن ببيتنا.

وبعد ان تناول وجبة الغداء، اراد ان يبدي اعجابه بالطعام قال،

حيدر : بدون اي مبالغة، هذه اطيب بامية اكلتها في حياتي. انت تستحقين جائزة (روبل) بالطبخ

زكية : ربما تقصد جائزة (نوبل) بالطبخ. شكراً حبيبي. سيرزقنا الله بمثل هذا الطعام من حيث لا نحتسب. والآن ارجو ان تبدأ باعداد الشاي كما علمتك وحينما يختمر على نار هادئة نتناوله سوية كي يهضم الطعام فنستطيع شربه بمزاج عالٍ.

<< بعد مرور اسبوعين من بقاء حيدر ببيت زكية خاتون <<

دخل حيدر الى البيت بعد ان اخبر زكية خاتون بانه ينوي التنزه بجزيرة بغداد السياحية. ارتدى قميصاً رصاصياً وبنطالاً اسوداً وحذاء رياضة خفيف يتماشى مع بقية ملابسه. وبعد ان سار طويلاً بالحديقة الغناء شعر بالتعب فجلس على احدى الارائك الخشبية المنتشرة هنا وهناك قال، {يا سبحان الله، كيف يتغير وضع الانسان من حال الى حال؟ بالامس فقط كنت التقط ما يرميه المارة من طعام على الارض واجد فيه ملاذاً لي في الحياة واليوم انا اسكن مع سيدة طيبة تعاملني معاملة ما كانتْ لتعاملها لي لو كانت امي الحقيقية على قيد الحياة. انا احب هذه السيدة كثيراً وسوف احملها على كفوف الراحة حتى وإن تقدم بها العمر فقد اصبحتْ امي الاصلية من الآن وصاعداً}.

هنا شعر بلسعة برد في اكتافه بينما كان جالساً على احدى الارائك فاتخذ قراراً بالعودة الى البيت. وبينما هو يسير بممرات الحديقة الغناء رأى فتاة تكاد تكون من سنه جالسة على اريكة خشبية ثانية تبكي وكان الاملاق بادياً عليها. انعصر لها قلبه وصار يفكر،

** حيدر يعثر على فتاة تبكي

{يا مسكينة، هذه الفتاة تجلس على مقعد خشبي في الحديقة، محاطة بأوراق الشجر الخضراء والأزهار الملونة، لكن كل هذا الجمال الطبيعي لا يقدر أن يخفف من حزنها. عيناها حمراوتان من البكاء، وجهها شاحب اصفر وشفتاها ترتعشان. تضع يدها على فمها تحاول كبح صوت بكائها، لكن الدموع لا تتوقف عن النزول على خدها. ترتدي بنطالاً بالياً وقميصاً بسيطًا يكاد يكون بنفس لون قميصي. يبدو ان حزنها عميق جداً، وكأن العالم قد توقف لديها، ولا يوجد شيء يمكن أن يخفف ألمها. دعني اجلس الى جانبها واحاول ان اهون عليها}.

رق لها قلبه واراد ان يمنحها المال لكنه لا يملك منه الكثير لذلك اعطاها بضع آلآف من الدنانير بالرغم من انه يعلم ان هذا مبلغ زهيد جداً. نظرت بوجهه وشكرته لكنها رفضت المال فرأى بعينيها جمالاً غير اعتيادي. لكنه يعرف انه ليس باستطاعته ان ينقذ كل فقراء العالم من بؤسهم. الا انه قرر ان يسألها،

حيدر : هل استطيع مساعدتك يا آنسة؟

رهف : من انت وماذا تريد مني؟

حيدر : انا آسف جداً عزيزتي. لم اقصد شيئاً بسؤالي. فقط اردت ان اهون عليك.

رهف : لن يهون عليّ شيئاً الآن فانا في ورطة كبيرة لانني فقدت كل شيء بحياتي، كل شيء.

حيدر : هل يمكنني ان اسمع قصتك فانا اعدك بان اكون ناصحاً فقط وليس لي مآرب اخرى.

رهف : كنت انا يتيمة الأم منذ ان كان عمري خمس سنوات. اسكن مع والدي رحمه الله في غرفة صغيرة بالجامعة اين يعمل والدي.

حيدر : هل كان المرحوم الوالد مدرساً بالجامعة؟

رهف : كلا ابداً. كان فراشاً ببوابة الجامعة ويقوم بالتنظيف عندما يخرج الطلاب من الحرم الى الساحة.

حيدر : اكملي حديثكِ.

رهف : كما قلت لك. كنت اسكن معه بغرفة صغيرة وكنت اداوم بمدرسة حكومية قريبة من مبنى الجامعة بينما يعتني بي والدي وقتما اعود ويحاول تدريسى متى ما استطاع او يحيلني الى عميد الجامعة السيد صالح السراج الذي كان يحب والدي كثيراً وغالباً كان يدردش معه. فيقوم العميد بتدريسي بدلاً عن ابي لانه مثقف جداً.

حيدر : وماذا حصل بعد ذلك؟

رهف : بمرور السنين بدأ والدي يكبر في السن وصرت اقوم انا بمهامه الصعبة المتعبة بالاضافة الى دراستي في الثانوية. وفور عودتي من المدرسة كنت اعتني بوالدي ثم اخرج لانظف الساحة وراء الطلاب المهملين.

حيدر : انت انسانة مكافحة حقاً.

رهف : في يوم من الأيام سمعنا ان العميد صالح السراج قد احيل الى التقاعد. وحل محله عميد جديد اصغر منه سناً يمتاز بحزم وقساوة ولؤم.

حيدر : وماذا حصل بعد ذلك؟

رهف : جاء العميد الجديد الى غرفتنا بحجة زيارة والدي والاطلاع على احواله الصحية لكنه كان يريد ان يستبدل والدي بفراش جديد آخر ليحل محله.

حيدر : وماذا كان رد فعلكِ؟

رهف : اخبرته بانني استطيع ان احل محل عمل والدي لانه طريح الفراش بالوقت الراهن لكنه اصر ان يمنحني فرصة قصيرة حتى اكمل السادس الاعدادي ثم علينا ان نغادر الحرم.

حيدر : وهل منحها لك؟

رهف : اجل، ليته لم يمنحنا تلك الفرصة. فقد تخرجت من الاعدادية في الشهر المنصرم ورجعت الى البيت لابشر والدي بنجاحي فوجدت الكثير من الطلاب يقفون خارج غرفتنا. وعندما سألتهم عنه قالوا بان ابي قد فارق الحياة. حزنت حزناً شديداً وعلمت بانني لن اتمكن من ان ازف اليه الخبر السعيد بنجاحي.

حيدر : اسمعي يا سيدتي...

رهف : رهف، اسمي رهف.

حيدر : اسم جميل جداً ومرهف ولطيف. انا اسمي حيدر.

رهف : شكراً حيدر. اشعر انني استطيع ان اثق بك وارتاح اليك.

حيدر : بالتأكيد. لقد شعرت انني منجذب اليك واود ان اساعدك.

رهف : وكيف ستساعدني؟

حيدر : خذي هذا المبلغ البسيط مني وسوف نلتقي وساحاول ان اجد لك حلولاً.

رهف : انت غمرتني بعطفك هذا عزيزي حيدر.

حيدر : دعيني اتركك الآن وسوف نلتقي قريباً.

رهف : شكراً لكَ مرة ثانية.

رجع حيدر يفكر بما قالته له رهف وكان يستمتع بصحبتها وكلامها الجميل ويتذكر تقاطيع وجهها التي تشبه تقاطيع الاطفال. لكنه تذكر انه رجل يكاد يكون امياً بالمقارنة بتحصيلها العلمي وانه يجب ان يبعد اي فكرة تدور بخلده نحوها فهي ابعد من ان تكون له. رجع الى الدار فرأى امه تستقبله بابتسامتها المعهودة وتقول،

زكية : لماذا خرجت مسرعاً هذا الصباح. اردت ان اسألك إن كنت تريد بعض المال لتضعه في جيبك.

حيدر : لا عليك يا خالة. لقد تدبرت امري ومشيت على اقدامي كثيراً.

زكية : خذ يا ولدي، هذه 20000 دينار ضعها بجيبك علك تشتهي تناول شيء ما وانت بالخارج.

حيدر : والله يا امي انت تدلليني اكثر من اللازم.

زكية : وما وراء الام سوى تدليل ابنها؟ هيا ضعها بجيبك واغلق فمك ولا ترغي كثيراً.

حيدر : هل تريدين مساعدتي باعداد الطعام؟

زكية : الطعام جاهز، فقط ادخل انت الى الحمام واغسل يديك كي اسكب الطعام.

حيدر : ماذا اعددت لنا اليوم.

زكية : مرقة البازلاء.

حيدر : الله هذه وجبتي المفضلة.

زكية : انت تقول ذلك على كل الوجبات التي اطبخها.

حيدر : لان جميع طبخاتك رائعة. لكنني اريد اليوم ان انام مبكراً.

زكية : كما تشاء يا ولدي. الليلة اريد ان اخرج للصيد.

حيدر : لكنك قلت بانك ستأخذيني معك في المرة القادمة، اليس كذلك؟ فانا اريد ان اتعلم فن الصيد منك.

زكية : وانا عند وعدي، لكنك قلت قبل قليل بانك متعب وتريد الخلود الى النوم مبكراً. اليس كذلك؟

حيدر : اجل، اجل، لديك الحق. انا فقط اردت ان اتعلم منك فن الصيد كي اشيل عنك بعض العبئ يا امي.

زكية : ومن قال لك انني اريد من يحمل عني اعبائي. فعندما احتاج لمساعدتك ساطلبها منك وانا متأكدة من انك ستمنحها لي. اذهب واغسل اسنانك وأوي الى فراشك حبيبي.

حيدر : وهو كذلك يا امي.

انتظرت زكية حتى اوى الى فراشه ثم اغلقت عليه النور وخرجت من باب المنزل. لم ينم حيدر على الفور وصار يفكر بعملية الاصطياد. {يا ترى اين تجد امي تلك الغزلان؟ نحن في وسط بغداد والغزلان عادة تتواجد بالغابات. فأي غابة تلك التي ترتادها امي فتمكنها من أصطياد غزلانها؟ ولو كان ذلك صحيحاً فكيف تستطيع حمل وزن غزال كامل الى البيت وهي ضعيفة البنية في سنها المتقدم؟ الآن، انا اكثر من اي وقت مضى أعقد العزم على الذهاب معها في المرة القادمة لانه امر بات يحيرني كثيراً. ولا اجد اجابات شافية على تسائلاتي. دعني انام الآن وغداً سيكون خيراً}. تسطح حيدر على الارض ونام فوق (الجودلية) بينما خرجت زكية خاتون للصيد واغلقت الباب ورائها.

وكالعادة، بتلك الليلة رجعت زكية الى البيت حاملة معها صيدها فوجدت المصباح الكهربائي مغلقاً لتتوجه مباشرة الى المطبخ وتبدأ بتقطيع صيدها الى قطع صغيرة. بعد ان غسلت قطع اللحم جيداً وعبئتها باكياس بلاستيكية، وضعتها بالمجمدة.

في صبيحة اليوم التالي استيقظ حيدر فلم يجد امه في البيت. فتح المجمدة ونظر الى الاكياس التي قامت بصفها وترتيبها بشكل منتظم. فعلم وقتها انها وفرت لهما طعاماً قد يكفي لاكثر من شهر او حتى شهرين. عاد واغلق باب المجمدة وراح يهيء لنفسه ابريق الشاي. قطّع الجبن والطماطم وأخرج الزيتون من الثلاجة وراح يصفها على طاولة الصالون. دخلت زكية للدار فنادته،

زكية : هل عندك شاي لي حيدوري؟

حيدر : اجل يا امي. لقد قمت باعداد ابريق كامل. ووجبة الافطار معها.

زكية : انا تناولت افطاري قبلك. اريد شاياً فقط لو سمحت يا ابني.

حيدر : الشاي كاد ان يختمر، اجلسي وسوف اجلبه لك (حت البركة).

جلست على الاريكة فعاد حيدر حاملاً بيده صينية معدنية عليها قوري واستكانات ليضعها امامها على الطاولة قالت،

زكية : لقد اصبحتَ الآن (اسطة) باعداد الشاي. لدي خبر عظيم سيفرحك كثيراً. فلقد وجدت عقاراً بآخر شارعنا هذا يصلح ان يكون مقهى عصري حديث أفتحه لك وتقوم بادارته بنفسك كي اطمئن عليك بعد رحيلي.

حيدر : لا تقولي هذا الكلام يا امي. انا ساتحطم لو رحلتِ عني لاني احبك حقاً. لكنني اريد ان اتعلم الصيد منك.

زكية : اترك عنك الصيد وهمومه وركز على المقهى وتأثيثه لانني دفعت اول قسط للايجار اليوم. بعد قليل سنخرج انا وانت سوية لنتفقد مقهاك الجديد.

كان هذا الكلام بمثابة صدمة كبيرة لحيدر. فمن ناحية كانت امه تصطاد الغزلان لتوفر الطعام لهما. ثم تذهب لتدفع مقدمة لمقهى حديث وترصد له الكثير من المال للاثاث وما الى ذلك. {من اين لها كل هذا المال؟ انا لست انوي ان اصيبها بالضرر مهما حصل لكنني اريد ان اعرف اين وكيف تصطاد غزلانها ومن اين جائت بكل ذلك المال؟}.

حيدر : حسناً يا امي. سنخرج بعد قليل.

<< بعد شهرين على بدئ استلام تشغيل المقهى الحديث <<

دخل حيدر البيت مع الساعة الحادية عشر ليلاً، فرأى امه غارقة بنوم عميق على اريكة الصالون، والتلفاز ما زال يعمل بصوت خافت. قبّلها من وجنتها ليراها تفتح عيناها وتقول،

زكية : هل عدت من العمل يا حبيبي؟

حيدر : كلا يا امي. انا لا زلت بالمقهى. لماذا انتِ نائمة هنا؟ ولماذا لم تدخلي الى سريرك بالغرفة لترتاحي؟

زكية : اردت الاطمئنان عليك قبل النوم.

حيدر : اطمئني تماماً يا امي. احمل في جعبتي اخباراً سارة هذا المساء. اولاً اخبار المقهى ، لقد حقق المقهى واردات غطت جميع التكاليف من ايجار ومرتبات العاملتان سحر ورهف والشيف سيف والمواصلات والمزيد من الاثاث ليصبح عدد الطاولات الاجمالي 17. ثانياً عثر لي السمسار ابو احمد على شقة جيدة متواضعة بمسافة شارعين من زقاق السعلوة. اي بامكانك ان تزوريني متى ما شئت. ما رأيك بكل هذه الاخبار؟

زكية : اخبار جميعها تثلج القلب ما عدى واحد فقط. فانا لا اريدك ان تغادر بيتي لانني تعودت عليك واتمنى ان تدفنني قبل ان تنتقل منه.

حيدر : لا سامح الله يا امي. جعل الله يومي قبل يومك يا امي الحنونة. لكنني بكل الاحوال لقيت شريكة الحياة واريد ان استقل معها فهي انسانة رائعة ساعرفك عليها.

زكية : يبدو انك تعرفها منذ امد بعيد يا محتال. متى تعرفت عليها ولماذا لم تخبرني بذلك؟ هل الأم آخر من يعلم؟

حيدر : اردت ان افاجئك بها بشكل سوف يفرحك كثيراً فهي انسانة طيبة جداً وانا على يقين بانها ستعجبك.

زكية : ان شاء الله. من هي يا ترى؟ اهي رهف المسؤولة عن تحصيل المال بالمقهى؟

حيدر : اجل انها هي بعينها. كيف عرفتِ؟

زكية : طبعاً بالرغم من سني المتقدم فقد لاحظت نظراتكم وهمساتكم لكنني لم احب ان اعقب.

حيدر : انت رهيبة جداً يا امي.

زكية : متى ستتزوجون؟

حيدر : لقد تزوجنا فعلاً. عقدنا عقداً بالمحكمة قبل زمن طويل لذلك لم نعمل عرساً او اي شيء. كانت رهف تنام بالمقهى بينما انام انا هنا حتى انتهينا من كل اجرائات الشقة والآن سننتقل اليها قريباً.

زكية : ولماذا استعجلتم بهذا الشكل. كنت اريد ان افرح بكما انا ايضاً.

حيدر : يا امي، كانت رهف مهددة بالطرد من منزلها بعد ان توفى والدها وبقائها معي في المقهى من دون ارتباط يعتبر امراً لا يرضي الله ولا المجتمع. خصوصاً وانني كنت انام بالمقهى بعض الاحيان. لذلك قررنا ان نعقد العقد كي تكون امورنا سليمة.

زكية : انا جداً سعيدة لكل تلك الاخبار. وفقكم الله يا ابني. ولكن حسب معلوماتي فإن رهف خريجة ثانوية وانت... كما تعلم...

حيدر : اجل يا امي. انا لم اكذب عليها ابداً وقد اخبرتها بكل شيء من شهادتي الى اعمالي الشريرة في السابقً وكيف داهمتك في بيتك وكيف عاملتيني بالحسنى. كل شيء كل شيء ولم ابقي تفصيلاً الا واخبرتها عنه.

زكية : هذه تركيبة السعادة الابدية يا ولدي.

حيدر : والآن هل تريدين ان تقابليها؟

زكية : اين هي؟ هل جائت معك؟

حيدر : نعم لقد جائت معي وهي تقف خارج الباب.

زكية : بمثل هذا الليل؟ ويحك يا مجنون. ادخلها، هيا ادخلها فوراً.

خرج حيدر من الباب ونادى لرهف كي تدخل فدخلت بخطىً بطيئة خجولة وبصوت هاديء جداً قالت،

رهف : مساء الخير خالتي.

زكية : مساء الخير يا كنتي العزيزة تعالي ودعيني اقبلك.

رهف : بل انا التي اردت تقبيلك منذ زمن طويل لكنني كنت اخجل منك فانت انسانة عظيمة اعتنيت بزوجي حيدر ومنحته حبك وحنانك وفتحت له عملاً وانتشلتيه من الضياع. اعلمي ان بعملك هذا انتشلتيني انا ايضاً معه ومنحتينا حياة كريمة.

رهف : لا تقولي ذلك يا ابنتي. فحيدوري شاب مكافح وبطل. ترك ورائه كل اعمال الشر والآن هو رجل اعمال ناجح وقد تزوج من اجمل فتاة في العراق.

حيدر : إنتظرا لحظة. انتما تتغزّلان بي وانا لم يسعني ان اعبر عن شيء؟

رهف : هل رأيتِ يا خالة ام حيدر؟ لقد اصيب ابنك بالغيرة.

زكية : هذا ديدان الرجال دائماً. يغارون من كل شيء.

انفجروا جميعاً بالضحك فقبلتها زكية وقالت لهما بانهما يستطيعان ان يقضيا الليلة عندها وينامان على سريرها بينما تنام هي في الصالون.

بعد فترة اسبوع جهزت جميع مستلزمات الشقة فكان يوم الخميس هو اليوم الاول الذي سيبيتون فيها العروسان وينتقل حيدر اليها بشكل دائم.

<<< بعد مرور عام كامل من افتتاح المقهى <<<

دخل حيدر ورهف المقهى في الصباح الباكر وصارا يهيئانه كي يبدأ في استقبال الزبائن. دخل الموظفون الباقون وصاروا يعملون كما يعمل النحل في الخلية. الكل يعرف موقعه الكل يمشي حسب خطته المدروسة. امسكت رهف بورقة وراحت تدون فيها اسماء المواد التي سيحتاجها المقهى كي يذهب حيدر لاحقاً ويشتريها من السوق. وبينما كان حيدر يهيئ نفسه للخروج كانت العاملة سحر تنظف الطاولات من الغبار. جلس الشيف سيف يقطع البصل والخيار والطماطم ويضعها بحاويات في الثلاجة. اقتربت رهف من زوجها وارادت اعطائه قائمة المشتريات فقبلته من وجنته وقالت،

رهف : هل انت جاهز حبيبي؟

حيدر : اجل اعطني القائمة.

رهف : اعطني قبلتي اولاً.

حيدر : هنا وامام الجميع؟

رهف : الكل يعرف انك زوجي. هيا لا تتقاعس.

حيدر : حسناً ولكن بهذه الطريقة سوف لن انجز اي عمل. اعطني القائمة ودعيني اتوكل على الله.

رهف : خذها يا حبيبي.

وضع القائمة في جيبه وخرج من المحل واغلق الباب الزجاجي ورائه. هنا ركضت سحر الى رهف وسألتها،

سحر : هل اخبرتيه بالخبر السعيد؟

رهف : كلا. اردت ان ازيد من تشوقه للخلف.

سحر : يا لك من عنيدة. قلت لك ان خبراً مثل هذا سوف يجعله سعيداً وسوف يحبك اكثر.

رهف : انه يحبني كثيراً سواءاً كنت حاملاً لطفله ام لا. فلو رأيتيه وهو الى جانبي في السرير لاصابك العجب. يمسك بي طوال الليل وكأنه يخاف علي من الهروب من جانبه. وإن اردت ان اتقلب ذات اليمين أو ذات الشمال اطلب الاذن منه فيتركني قليلاً حتى استقر.

سحر : يا الهي كم اتمنى حباً رومانسياً عظيماً مثل ذلك يا رهف.

رهف : سيرزقك الله بشاب يحبك ويحترمك لانك انسانة طيبة يا سحر. فانا عندما توفى والدي وهددني العميد الجديد بالطرد، كانت الحياة تبدوا مظلمة قاتمة بوجهي وكأنهم يقتادوني للموت. لكن الله بعث لي بحيدر كي ينتشلني من كل همومي ويجعل نفسه مركزاً لحياتي. انظري سحر لقد دخل ثلاثة زبائن للمقهى. هيا اذهبي اليهم تحركي ودعنا نسترزق.

سحر : حسناً ولكن اخبريه في المرة القادمة لا تجعليه يكتشف حملك بنفسه فيظن انك غير سعيدة بالطفل.

رهف : سافعل. هيا اذهبي الآن ودعنا نبتدئ يوم عمل جديد فنتوكل على الله.

بدأ العمل الطبيعي بالمقهى وصار زبائن يدخلون وآخرون يخرجون. البعض يطلب وجبات خفيفة فقط فينتظرون حتى تجهز ثم يقومون باخذها والمغادرة بينما يجلس البعض منهم ويستمتع بالديكور الجميل الذي اختارته رهف بنفسها في تزيين المقهى الذي صار حديث سكان بغداد جميعاً.

بعد مرور نصف ساعة على كل ذلك دخل طفل لا يبدو عليه منظر الاشخاص الذين بمقدورهم تحمل تكلفة الطعام الباهظ الثمن فركضت نحوه سحر وقالت له بحدة،

سحر : ماذا تريد يا متسول؟ هيا اخرج من هنا.

الطفل : هل انت رهف؟ اريد ان اتحدث الى رهف.

سحر : كلا انا لست رهف. قلت لك اخرج الآن.

الطفل : قلت لكِ انا لن اخرج قبل ان اتحدث الى رهف. لدي رسالة مهمة جداً لها.

سحر : إذاً قف مكانك ولا تتحرك. ساناديها من الداخل.

دخلت سحر الى المطبخ فوجدت رهف تعطي ارشاداتها للشيف سيف قاطعتهم قائلةً،

سحر : هناك طفل فقير يرتدي ملابس بالية يريد التحدث اليك.

رهف : لماذا لم تعطيه شطيرة كي يأكلها. ربما هو جائع.

سحر : لا يا رهف. اراد ان يتحدث اليك. ذكرك بالاسم.

رهف : بالتأكيد يكون من الحارة. فالكل يعرف اسمي هناك. حسناً اطلبي منه الانتظار واعطيه بعض العصير والطعام. ساكمل حديثي مع سيف ثم احضر.

سحر : حسناً.

خرجت سحر وتركت رهف تتحدث الى الشيف سيف. بعد قليل خرجت رهف الى البهو فرأت الطفل واقفاً بوسط المقهى فتعرفت عليه فوراً وقالت،

رهف : اهلاً حسوني. كيف حالك حبيبي.

حسوني : يا خالة رهف. بعثني اليك العم ابو امير الجزار وطلب منك ان تحضري فوراً الى الحارة.

رهف : انا اعمل الآن يا حبيبي. سانتظر قليلاً حتى يعود زوجي حيدر من الخارج ثم اتبعك للحارة.

حسوني : كلا. يقول العم ابو امير ان كنتك ماتت.

رهف : كنتي ماتت؟ انا ليس لدي كنة يا حسونة. ماذا تقصد؟

حسوني : اقصد ان الخالة زكية ماتت اليوم.

رهف : ماذا تقول يا ولد؟ هل هذه مزحة؟

حسوني : لا انها ليست مزحة. هناك الكثير من الناس يتجمهرون امام بيتها وقد حضرت الاسعاف والشرطة. يقول ان عليك الحضور فوراً انت والعم حيدر.

رهف : طيب طيب ابني انا قادمة. اذهب انت الآن.

خرج حسوني من المقهى ممسكاً بشطيرته وعاد الى الحارة بينما ركضت رهف الى سحر وقالت لها وهي تبكي.

رهف : سحر كارثة كبيرة حلت بنا.

سحر : ما الامر اخبريني يا ساتر يا ربي؟

رهف : لقد توفت الخالة زكية. اخبرني هذا الطفل بوفاتها.

سحر : يا الهي. رحمها الله. انها انسانة طيبة جداً.

رهف : اسمعي يا سحر. يجب ان اذهب الآن فوراً. وعندما يصل حيدر من السوق. اخبريه بما حدث ودعيه يذهب الى بيت الخالة زكية. اريدك ان تعتني بالمقهى فهو في امانتك.

سحر : اجل، اجل لا تقلقي لأي شيء. انا هنا وعيني على المحل.

ركضت رهف الى سيارتها الصغيرة الحمراء من نوع (كيا) واقتادتها بسرعة كي ترجع بها الى الحي الذي تسكن به زكية خاتون. فور وصولها المنزل رأت فوضى كبيرة. وقفت سيارتي شرطة وسيارة اسعاف امام باب البيت. والكثير من الفضوليين قد تجمهروا امام البيت يستطلعون الامر. ركض اليها ابو امير الجزار وقال،

ابو امير : حمداً لله لانك اتيتِ يا رهف. اين حيدر؟

رهف : سوف يتبعني يا عمي ابو امير. ماذا حصل؟

ابو امير : لقد توفت الحاجة زكية رحمها الله. انها انسانة تكاد تكون من الملائكة فقد كان يحبها الكبار والصغار جميعاً.

رهف : لا حول ولا قوة الا بالله. سادخل الآن لارى.

همت بالدخول الى البيت فاوقفها شرطي يقف على باب المنزل قال،

شرطي : ممنوع الدخول.

رهف : ماذا تقول يا اخي. هذا بيت زوجي.

شرطي : قلت لكِ ممنوع الدخول. امرني حضرة النقيب سالم بعدم السماح لاي احد ان يدخل.

رهف : واين نقيبك الآن؟

شرطي : سوف يأتي بعد قليل. سوف يُخْرِجونَ الجثة من المنزل فيما بعد.

فجأة خرج رجلان من عناصر الشرطة للشارع فركضت اليهما رهف وسألتهما،

رهف : ما الذي يجري؟ اين الجثة؟

شرطي : سوف لن تخرج الجثة الآن. نحن ننتظر اعضاء الفريق الجنائي.

رهف : لماذا؟ هل تعتقدون انها ماتت مقتولة؟

شرطي : لا اعلم يا اختي. ارجوكِ انتظري حتى يتحدثون معك.

بقيت رهف تنتظر بتوتر شديد حتى جائت سيارة (كيا) بيضاء من بعيد فتعرفت عليها رهف بانها سيارة زوجها حيدر فركضت اليها وقالت،

رهف : البقاء في حياتك حبيبي. لقد توفت الوالدة.

كان الحزن بادياً على حيدر والدموع تغرق مقلتيه حين سأل،

حيدر : متى توفت؟ فقد سهرنا عندها قبل ثلاثة ايام. كانت امي بحالة جيدة.

رهف : لا اعتقد انها ماتت موتاً طبيعياً. يقول الشرطي انها قد تكون جريمة قتل.

حيدر : مــــــــــــــاذا؟ هذا هراء. من يريد قتلها؟ انها الملاك الذي يمشي على الارض. لقد انقذتني ورفعتني من الارض والبستني ومنحتني المقهى وكتبته باسمي فكيف...

بتلك اللحظة خرج ضابط برتبة نقيب قال،

النقيب : من انت؟

حيدر : انا اسمي حيدر. السيدة المتوفاة تكون امي. اقصد بمثابة امي.

النقيب : يجب ان تحضر معي الى المركز.

حيدر : الا يمكنني ان اراها اولاً؟

النقيب : ستراها كثيراً يا حيدر. بالبداية يجب ان تأتي الى مركز الشرطة لغرض التحقيق.

حيدر : ولماذا التحقيق؟ هل اعتدى عليها احد؟

النقيب : سوف تعرف كل شيء بالمركز.

التفت حيدر الى زوجته وقال،

حيدر : ساذهب الان بسيارتي الى المركز يا رهف. اتبعينا الى هناك.

لكن النقيب سالم اعترض وقال بحزم،

النقيب : اترك سيارتك هنا يا سيد حيدر. سوف تأتي معنا بسيارة الشرطة.

ترى ماذا يجري؟ هل يشك النقيب سالم بان حيدر له يد في قتل زكية صالح الملقبة بزكية خاتون؟ ام انه مجرد استجواب روتيني لغرض التحقيق وحسب. ولو كان حيدر بريئاً من دم زكية، فمن يكون قد قتلها؟ سنعرف الاجوبة على تلك الاحدث في الجزء الثاني من هذه القصة المثيرة.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

639 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع