الوجاهة الزائفة: حين صار السؤال "كيف تظهر؟" لا "من تكون؟"

ابراهيم فاضل الناصري

الوجاهة الزائفة: حين صار السؤال "كيف تظهر؟" لا "من تكون؟"

في مجتمعاتنا، كان للوجاهة أصولٌ متوارثة لا تقبل الجدل: تُمنح لمن يستحقها، وتُحجب عمّن لا يُرضي شروطها. كانت الوجاهة كالماء الجاري، لا ينبع إلا من منابعه الصافية: العلم الراسخ، والخلق القويم، والموقف المشهود، والعطاء الذي لا يُنكَر، والنسب الطاهر إن كان، لكنه ليس وحده الدعامة. وكانت اختباراتها قاسيةً في عفوية: هل يثبت فلان في الشدة؟ هل يستشيرونه في النوازل؟ هل يأتمنون على أعراضهم وأموالهم؟ فإن تم له كل ذلك، أو جلّه، امتدت إليه الأكفّ احتراماً، ورفعوا له المجلس مكانةً، وسكتت الألسن عن ذكره إلا بخير. أما من تسلق السلم المقلوب أو صعد بالمكر، فكان الجزاء اجتماعياً سريعاً: العزل والنبذ والنسيان.

غير أن الواقع اليوم، وبكل سخرية التاريخ، يقدم لنا مسرحاً غريباً: الوجاهة أصبحت صنعة، مثل صناعة الأخشاب المُضغوطة تزينها طبقة رقيقة من القشرة الجميلة. لا تلبث أن تنكشف عند أول اختبار حقيقي. ما أسرع ما انقلبت المعادلة! صرنا نمنح الوجاهة لمجرد امتلاك سيارة عالية الفئة، حتى لو كان صاحبها يئن تحت وطأة القروض ولا يجد ثمن وجبة عشاء لذيذة. ونمنحها لساكن الحي الفخم، حتى لو كان دخله لا يكفل له سوى غرفة نوم واحدة والأخرى مؤجرة. ونمنحها لمن يرتدي الثوب ذا الماركة، حتى لو صار ثمن القماش فاتورةً تطارده في أحلامه. وصارت وجاهة المرأة في المجالس بما تحمله من حقيبة أصلية أو تقليد فاخر، ووجاهة الرجل في ساعته ونظارته ومن أي محل اشترى قهوته. كل ذلك، وبكل أسف، يحدث تحت سمع المجتمع وبصره - وهذا هو الفاجعة الكبرى: لم يعد المجتمع يرفض، بل أصبح هو صانع السوق لهذه الوجاهات الهزيلة.
إن الناظر في "الأصول الاجتماعية الموروثة" يجدها واضحة: الوجاهة الحقة رهن بالإيثار، لا بالاستئثار. كانت القبيلة لا تقدم إلا من فدى بنفسه ماله، ومن قدم غيره على نفسه، ومن كان موضعه "سيد القوم خادمهم". لكننا نعيش اليوم أزمة "انقلاب الموازين": نكرم الذي يستقدم طباخاً لوليمة، ولا نلتفت للذي يطبخ بيده لأيتام الحي. نقرّ لمن يشترى وجاهته بالذهب والديون، ونتجاهل العفيف الذي قنع بالقليل فحفظ ماء وجهه. وحتى في الحياة الافتراضية، صارت الوجاهة "إعجابات" و"مشاركات"، كأنها لعبة فيديو، يتفنن فيها فارغو المحتوى بامتلاء الصور.
وللحق، لم تكن الوجاهة يوماً مجانيةً بكسل، ولا هبةً للمتسولين بالظهور. كانت ومازالت -في أصولها الصحيحة- مشقةً وعناءً وتضحية. لذلك تجد اليوم من "يستدين للوجاهة"، وفي قمة المفارقة، يفضح إفلاسه بشيء من توفير نعيشه معاً: نرى سيارة فارهة بجانب منزل متواضع، وندرك أن صاحبها رفع سقف الحلم وأنزل أرضية العقل. نرى حفل زفاف يقارب الإنفاق فيه ميزانية مستشفى حي بأكمله، ثم نعرف لاحقاً أن العرسان بدأوا حياتهم بدين ثقيل. في الماضي، كان يقال: "حسبك من وجاهتك أن يأمنك الناس على بضائعهم وأسرارهم". أما اليوم، فحسبك من وجاهتك أن "ينبهر بك الناس لمدة ساعتين في مناسبة".
ولعل أخطر ما في صناعة الوجاهة الزائفة أنها تأكل أخضر المجتمع ويابسه. إنها تُنتج جيلاً من "العلاقاتيين" لا "الإنتاجيين". وتُربّي أبناءنا على أن المظهر بوابة المكانة، لا على أن العمل بوابة الثقة. وهي تحمل في طياتها نقيض ما تدّعيه: فالوجاهة الزائفة هشةٌ كزجاج، مع أول نقد أو انكشاف ينهار البنيان، ويصبح صاحبها أكثر تعاسة من قبل أن يبدأ لعبة التصنع. ولعل أطرف ما يحدث، وأعمق ما يؤسف، أن أصحاب الوجاهة الحقيقية أصلاً -من العلماء وذوي المروءات- تجدهم بيننا غرباء، لا يسعى إليهم الساعون، ولا يُستشارون في الأمور، لأنهم لا يملكون سيارةً ملفتة، ولا يسكنون قصراً مشيداً، ولا يظهرون في حلقة تلفزيونية كل ليلة. ومع ذلك، هم -في علم الاجتماع الصحيح- المرجع، وهم الملاذ، وهم الوجاهة الباقية.
إذن، لماذا نقبل ونحن الصامتون؟ لماذا نساهم في حفلة النفاق الكبرى؟ لأن الفرد يخاف أن يكون وحده الحقيقي وسط جماعة التزوير. يخاف أن يُتهم بالفقر أو القصور، فيتسابق معهم إلى الهلاك الاستعراضي. لكنني أرى أن العلاج يبدأ بالشجاعة الفردية أولاً: بجرأة أن تبتسم وأنت ترتدي حذاءك القديم في حفل يتباهون بأحذيتهم الجديدة، وبأن ترد بكل هدوء على سؤال "أين تسكن؟" بعنوانك المتواضع دون خجل، وبأن تعيد تعريف النجاح أمام أطفالك بأنه الأخلاق لا الأمتعة. ثم يحتاج الأمر ثقافةً مدنية تعيد الاعتبار لمن ينتجون فعلاً، وتفضح من يستعرضون فعلياً. وليس معناه أن نقلّب المجتمع إلى دير للرهبان، بل أن نرد الأمور إلى نصابها: الوجاهة مكافأة، وهدية للباذلين، وإجلال للمحسنين، وليست حقاً مكتسباً بالادعاء.
في الخلاصة، الوجاهة الزائفة تشبه الطلاء الرديء: يبدو جميلاً في بداية اليوم، ينتهي تقشراً ومهانة عند أول مطر. وإن المجتمعات التي تبيع جوهرها بماء الوجه الخادع، هي مجتمعات تموت رويداً، ولا تقوم لها قائمة إلا بالعودة الصادقة إلى سؤال الأجداد: "من هذا الرجل؟" لا "كيف يبدو الرجل؟". وحينها سيسقط كل مدّعٍ كاذب، ويعود النظام العادل الأصيل: الوجاهة للوجيهين، والاحترام للمحترمين، والمكانة لمن أوفوا بالحقوق وأقاموا الحدود ونصروا الضعفاء. ومازال في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- بقية يعرفون مصادق الماء قبل مصادق الثرى.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

820 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع