مماطلة إيران … وغضب ترمب الذي يقترب من الانفجار

روبيرت ملحم / كاتب وصحفي

 مماطلة إيران … وغضب ترمب الذي يقترب من الانفجار

منذ قيام النظام الإيراني عام 1979، لم تتعامل طهران مع العالم بمنطق الدولة الطبيعية، بل بعقلية الثورة الدائمة والصراع المفتوح وعلى مدى عقود، أتقنت إيران لعبة الخداع السياسي، ترفع شعارات السلام وهي تبني الميليشيات، تتحدث عن الاستقرار بينما تغذي الحروب، وتجلس على طاولات التفاوض في الوقت الذي ترسل فيه السلاح والصواريخ والطائرات المسيرة إلى وكلائها في المنطقة.
هذه السياسة لم تكن مجرد أخطاء عابرة، بل مشروعاً متكاملاً يقوم على المراوغة وكسب الوقت، إيران تعلم جيداً كيف تستنزف خصومها بالمفاوضات الطويلة، والوعود الفضفاضة، والاتفاقات المؤقتة، بينما تستغل كل دقيقة لتوسيع نفوذها العسكري والأمني، ولذلك تحولت عواصم عربية بأكملها إلى ساحات نفوذ إيراني مباشر أو غير مباشر، من بغداد إلى دمشق وبيروت وصنعاء.
النظام الإيراني لم يكتف بتدمير الداخل الإيراني عبر القمع والفقر والعقوبات، بل صدر أزماته إلى الخارج، ففي العراق دعمت طهران الميليشيات التي حولت الدولة إلى ساحة صراع ومركز نفوذ تابع للحرس الثوري. وفي لبنان، اختطف القرار الوطني لصالح مشروع مسلح لا يخدم سوى أجندة إيران. أما في اليمن، فقد تحولت جماعة الحوثي إلى ذراع تهدد أمن الخليج والملاحة الدولية. وفي سوريا، شاركت إيران في واحدة من أكثر الحروب دموية في العصر الحديث دعماً لنظام فقد شرعيته منذ سنوات الى يوم سقوطه.
اليوم إيران ما زالت تتصرف بعقلية السنوات الماضية، وكأن الولايات المتحدة ستستمر في سياسة الاحتواء والصبر الطويل. وهنا تحديداً يظهر اسم دونالد ترمب، الرجل الذي يمثل بالنسبة لطهران كابوساً سياسياً حقيقياً.
ترمب ليس دبلوماسياً تقليدياً، ولا يؤمن بسياسة المجاملات الدولية، الرجل يرى أن إيران استغلت ضعف الإدارات السابقة، وتمددت بسبب التردد الأمريكي، ولذلك قرر منذ ولايته الأولى أن يواجهها بأقصى درجات الضغط، انسحب من الاتفاق النووي دون تردد، فرض عقوبات غير مسبوقة شلت الاقتصاد الإيراني، وخنق صادرات النفط، ثم وجّه الضربة الأكبر عندما أمر باغتيال قاسم سليماني، الرجل الذي كان يعتبر العقل المدبر للتوسع الإيراني في المنطقة.
تلك العملية لم تكن مجرد اغتيال عسكري، بل رسالة مباشرة للنظام الإيراني، الولايات المتحدة في عهد ترمب مستعدة للذهاب إلى أبعد الحدود، ومنذ تلك اللحظة أدركت طهران أن الرجل لا يتعامل بمنطق الخطوط الحمراء التقليدية، بل بمنطق القوة الصادمة.
ورغم ذلك، لم تتعلم إيران الدرس فما زالت تكرر الأسلوب نفسه، مماطلة في الملف النووي، تصعيد عبر الميليشيات، وتهديدات بإشعال المنطقة كلما شعرت بالضغط. إنها سياسة تقوم على الابتزاز السياسي والأمني، وكأن النظام الإيراني يعتقد أن العالم سيخاف دائماً من الفوضى التي يصنعها.
لكن ترمب لا يبدو رجلاً يخاف من التصعيد، بل على العكس، يعتبر أن القوة وحدها هي التي تجبر الخصوم على التراجع. ولذلك فإن أي محاولة إيرانية جديدة لاختبار صبره قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة لا تستطيع طهران تحمل نتائجها.
إيران اليوم ليست في موقع القوة الذي تحاول تصويره، الاقتصاد الإيراني ينهار تحت وطأة العقوبات والفساد، العملة فقدت قيمتها، البطالة والفقر يضربان الشارع الإيراني، والغضب الشعبي يتصاعد مع كل أزمة جديدة، حتى داخل إيران نفسها بدأ كثيرون يتساءلون، لماذا تصرف مليارات الدولارات على الميليشيات الخارجية بينما يعيش الشعب الإيراني تحت ضغط اقتصادي خانق؟
ومع ذلك، يواصل النظام الإيراني الهروب إلى الأمام عبر التصعيد الخارجي، لأنه يدرك أن بقاءه مرتبط بصناعة الأزمات فالنظام الذي بني على فكرة العدو الخارجي لا يستطيع العيش في أجواء الاستقرار، ولذلك يحتاج دائماً إلى التوتر والحروب والشعارات الثورية ليستمر.
في المقابل، يبدو ترمب مصمماً على إعادة رسم صورة أمريكا كقوة لا تتسامح مع التحديات الإيرانية، فهو يدرك أن أي تراجع أمام طهران سيفسر كضعف، ليس فقط في الشرق الأوسط بل أمام العالم كله، ولهذا فإن عودته تعني على الأرجح عودة سياسة الضغط الأقصى، ولكن بصورة أكثر عنفاً وحدة، هل تستطيع إيران فعلاً تحمل مواجهة مفتوحة مع إدارة يقودها ترمب؟
الواقع يقول إن طهران تعتمد على سياسة حافة الهاوية، لكنها تخاطر هذه المرة أمام رئيس أمريكي لا يحب التراجع، ولا يخشى اتخاذ قرارات صادمة، وإذا استمرت إيران في لعبة المماطلة والتحدي، فقد تجد نفسها أمام عاصفة سياسية واقتصادية وربما عسكرية غير مسبوقة.
لقد اعتادت إيران أن تلعب بالنار عبر وكلائها وخطاباتها الثورية، لكنها ربما لم تدرك بعد أن النار التي يشعلها ترمب قد لا تترك لها مساحة للهروب هذه المرة.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

806 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع