
نزار السامرائي
قراءة في تاريخ إيران الجمهورية / ٧
انطلق البرنامج النووي في منتصف عقد الخمسينيات من القرن الماضي، في بدايات الخروج الأمريكي من الحدود الجغرافية للولايات المتحدة إلى العالم، عندما أطلق الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور برنامجه السياسي الذي سُمي "بمشروع أيزنهاور" ذي النقاط الثمان، والذي يتضمن تقديم مساعدات اقتصادية وفنية وعسكرية لدول الشرق الأوسط بمواجهة الاتحاد السوفيتي في البداية الساخنة للحرب الباردة وقد جاء مشروع أيزنهاور ليقتفي خطوات مشروع مارشال الذي أطلقه الرئيس الأمريكي هاري ترومان لمساعدة دول أوربا من أزمتها الاقتصادية التي نجمت عن الحرب الثانية.
وكان من بين فقرات مشروع أيزنهاور مشروع حمل اسم "الذرة من أجل السلام"، فوقع الاختيار على مدينة بو شهر المطلة على الخليج العربي، للمباشرة بهذا المشروع الذي سيتحول إلى نواة لأزمة إقليمية ستجر على المنطقة ويلات لا طاقة لها بحملها، وتقول بعض المصادر إن المشروع الإيراني كان بالأصل مقررا أن يقام في العراق، تتويجاً لعلاقات بدأت تشق طريقا لنمو يوصف بأنه مؤكد على أسسٍ ربما كانت تؤشر لبداية مزاحمة أمريكية للنفوذ البريطاني في الشرق الأوسط، بدأت أولى مؤشراتها في الانقلاب الذي أسقط الدكتور مصدّق في إيران، في خطة أعدتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، مما أشر أول تصدع في جبهة التحالف الغربي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت العلاقات المتينة بين العراق والدول الغربية قد وصلت الذروة بعد توقيع اتفاقية حلف بغداد، ولكن سقوط الحكم الملكي في العراق في 14 تموز 1958، دفع بالولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، فقررت حجب المفاعل عن العراق وتحويله إلى إيران.
ومنذ ذلك التاريخ شاركت الولايات المتحدة وأوربا وبعض الدول المرتبطة بالمحور الأمريكي، بدعم البرنامج النووي الإيراني بفعالية لافتة، ففي إحدى زيارات شاه إيران إلى الولايات المتحدة قبل سقوطه بعدة سنوات، بحث بجدية مع الإدارة الأمريكية تزويد بلاده بعدة مفاعلات للأبحاث أو تحت لافتة توليد الطاقة الكهربائية، حتى أن صحيفة واشنطن بوست نشرت حينذاك مقالا افتتاحيا تساءلت فيه عن أسباب الهوس الذي يمتلكه الشاه في هذا التوجه لامتلاك أسباب القوة، والذي قد يَجرُ إلى سباق تسلح إقليمي منفلت، وقد يدفع دول المنطقة للحصول على التقنية النووية في حالة وقائية مما تستشعره من خطر إيراني محتمل، ولن يكون بوسع الولايات المتحدة التحكم بمساراته اللاحقة، ولكن سقوط نظام الشاه في شباط 1979 نبه الغرب إلى أن برامجها للتعاون في مجال الذرة قد يكون محفوفا بمخاطر إذا ما وقع بأيد لا تحسن التعامل معه في حال احساسها باحتمال وجود خطر يُهدد سيادتها الوطنية واستقلالها.
ولكن الحال لم يستقر على هذا المسار وفقا لما كان الشاه يريده له، فقد اندلعت ثورة الشعب الإيراني في نهاية صيف 1978، والتي لم تتوقف حتى أرغمت الشاه على مغادرة بلاده على أمل ألا يكون غيابه طويلا، ودارت عجلة الأحداث على نحو متسارع بشكل دراماتيكي، وأرسلت واشنطن رئيس أركان قواتها الجوية الذي "نصح" قادة القوات المسلحة بعدم مواجهة الثورة بالعنف، نتيجة لتغير في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط لا سيما الدول المنتجة للنفط.
وعندما وصل الخميني إلى السلطة في إيران، ونتيجة فسخ التعاقدات التسليحية الغربية مع إيران بما فيها عقود الطاقة الذرية، أصدر الخميني فتوى دينية أملتها ظروف الفوضى السائدة في إيران في ذلك الوقت، جاء فيها أن الأسلحة محظورة بموجب الفقه الإسلامي والأخلاق، ولكنه سرعان ما تراجع عن تلك الفتوى وأجاز العودة إلى برنامج مخصص للبحوث النووية، ومع أن هذه الفتاوى تؤكد حقيقة أن الإيرانيين طالما أعطوا قضاياهم السياسية طابعا مقدساً، وكجزءٍ من التعبئة الجماهيرية أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وتقلب المشروع النووي بين اجتهادات في الفتوى الدينية المتقلبة هي الأخرى بين المنع الشرعي، والاباحة المقدسة لامتلاك أسباب القوة تحت شعارات هي الأخرى لم تعرف الثبات تبعا للحاجات الآنية لتسويق برامج النظام في الساحة العربية.
ودخل المشروع النووي الإيراني مرحلة جديدة بعد أن وضعت حرب الثماني سنوات أوزارها، فقد حصل تحول استراتيجي في نظرة إيران إلى تعاملها مع دول المحيط الإقليمي، فبعد هزيمتها في الحرب، توصل الإيرانيون إلى اعتماد استراتيجية بديلة، عند ذاك تحركت في خيال مسؤوليها طموحات إضافية تتلخص في امتلاك قوة المستقبل أي السلاح النووي، الذي لا يمكن شراؤه من السوق الدولية، بل يمكن للدول التي تمتلك الأموال الكافية والعقول اللازمة لبدء مشروع نووي وطني، فوضعت كل مقدراتها في هدف انجاح مشروعها النووي.
وتحركت إيران بسرعة لاقتناص الفرصة الذهبية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي تحول إلى عدة دول تعاني من انفلات أمني وانعدام أي توجه سياسي، وغير قادرة على التحكم بمصير الأسلحة والمصانع التي كانت تنتجها أو تمتلكها كجزء من منظومة الاتحاد السوفيتي المنهار، حتى أصبح كل شيء متاحا للبيع بانتظار قدوم السماسرة الذين يدفعون أكثر، فنجحت إيران في شراء حلقات حساسة لبرنامجها التسليحي لم يكن متاحا شراؤها من الاتحاد السوفيتي، لا سيما في مجال نقل معدات تخضع لمقاييس غير تجارية، وبعد قيام الكيان الروسي كوريث للاتحاد السوفيتي، دخلت العلاقات الروسية الإيرانية مرحلة جديدة من التعاون في مختلف المجالات وخاصة في المجال النووي، فقد تعاقد البَلَدان على إقامة أكثر من مفاعل للبحوث النووية مع وحدات لتخصيب اليورانيوم وانتاج الماء الثقيل، وسط صمت غربي عما كان يجري تحت أنظار الوكالة الدولية للطاقة الذرية والولايات المتحدة وأوربا.
ويبدو أن برنامج إيران النووي قد حقق تقدما ملموسا في الفترة الفاصلة بين انتهاء حرب الثماني سنوات وشن العدوان الثلاثيني على العراق مطلع 1991، ودخول معظم الدول العربية على خط التنفيذ الحرفي لتلك العقوبات، وتصورها أن بلدا أجنبيا مهما بلغت درجة التصادم معه يبقى أقل خطرا من بلد عربي مجاور، يمتلك مشتركات قد تجعل منه أكثر تأثيرا من بلد أجنبي بينه وبينها فواصل جغرافية وتاريخية وعقائدية، وكان هذا هو الزرع القديم لحصاد عشرات السنين من معاناة عربية في مواجهة الخطر الإيراني، ومع دخول أكثر من طرف دولي في دعم الطموحات النووية الإيرانية، لحسابات اقتصادية بالمرتبة الأولى، مثل المحور الصيني الباكستاني، ففي الوقت الذي ساهمت الصين في توفير كثير من الحلقات التكنولوجية لهذا المشروع، دخلت باكستان عن طريق عبد القدير خان الذي زود إيران بمعادلات تخص تخصيب اليورانيوم وكيفية انتاج أجهزة التخصيب، وعندما أزاحت المعارضة الإيرانية الستار عن حقيقة ما يجري في إقامة مفاعلات نووية خارج معرفة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كان ذلك البرنامج يقطع أشواطا بعيدة، نتيجة لانشغال العالم بابتكار أشد وسائل الضغط على العراق بهدف إضعافه، وربما أخذت غفلة العالم أو تغافله عن خطط عسكرة إيران زمناً كان كافيا لتتحول إيران إلى هاجس يؤرق ليل قادة الدول الغربية ونهارهم.

671 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع