إيران تقصف كردستان ... والعراق يدفع ثمن غياب السيادة

نزار جاف

إيران تقصف كردستان... والعراق يدفع ثمن غياب السيادة

مرة أخرى، تستيقظ السليمانية على وقع الصواريخ الإيرانية.

فجر الاثنين، سقطت خمسة صواريخ في مناطق متفرقة من المحافظة، ثلاثة منها في منطقة زركويزلة، فيما سقط صاروخان في محيط كوركا جيا وبين داري زين وميراسي السفلى. لم تسجل خسائر بشرية هذه المرة، لكن القضية أبعد بكثير من عدد الصواريخ أو حجم الأضرار.
القضية هي: من يحمي سماء العراق؟ ومن يملك القرار في أرض العراق؟
فحين تطلق إيران صواريخها داخل الأراضي العراقية لملاحقة معارضيها، فإنها لا تضرب مواقع كردية فحسب، وإنما تضرب مفهوم السيادة العراقية نفسه.
وهذه ليست المرة الأولى.
منذ سنوات، تتعرض مقرات وقواعد ومخيمات المعارضة الكردية الإيرانية داخل إقليم كردستان لضربات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة. وقد دخلت هذه الهجمات خلال عام 2026 مرحلة أكثر كثافة واتساعا، حتى بات الإقليم واحدا من أكثر ساحات الاحتكاك خطورة بين إيران وخصومها. وتوثق منظمات حقوقية عشرات القتلى جراء هذه الضربات منذ عام 2017.
لكن ما ينبغي التوقف عنده هو أن طهران لا تتصرف وكأنها تخوض حربا خارجية، بل وكأنها تطبق حقا طبيعيا في مطاردة خصومها أينما وجدوا.
وهنا تكمن المشكلة.
إيران تريد أن تكون حدودها مقدسة، لكنها تتعامل مع حدود الآخرين باعتبارها قابلة للاختراق.
تطالب طهران الآخرين بعدم استخدام أراضيهم ضدها، وهذا مطلب يمكن فهمه في إطار القانون الدولي والعلاقات بين الدول. لكن هذا المبدأ نفسه يفترض أن تكون الأراضي العراقية محمية من الاستخدام العسكري من قبل إيران أيضا.
لا يمكن أن تكون السيادة قاعدة عندما يتعلق الأمر بإيران، واستثناء عندما يتعلق الأمر بالعراق.

ولا يمكن لبغداد أن تقول إن أراضيها لن تكون منصة للهجوم على الآخرين، ثم تقبل في المقابل بأن تكون منصة للهجوم على خصوم إيران.
فالسيادة لا تتجزأ.
وإذا كانت الدولة العراقية تملك الحق في منع أي قوة من استخدام أراضيها للاعتداء على دولة أخرى، فإن عليها بالقدر نفسه أن تمنع دولة أخرى من استخدام القوة داخل أراضيها.
المفارقة أن العراق يجد نفسه اليوم أمام معادلة أكثر تعقيدا: فهو لا يواجه فقط ضربات تأتي من خارج الحدود، وإنما يواجه أيضا نفوذا واسعا لفصائل مسلحة مرتبطة بطهران داخل منظومته السياسية والأمنية. وهذا يجعل الحديث عن احتكار الدولة للسلاح وقرار الحرب والسلم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
ولذلك فإن المشكلة ليست في إيران وحدها.
المشكلة أيضا في ضعف الرد العراقي على انتهاك السيادة.
فالبيانات الرسمية مهمة، والإدانة السياسية ضرورية، لكنها لا تكفي إذا تحولت إلى طقس متكرر بعد كل ضربة. بيان بعد الصاروخ، وإدانة بعد المسيرة، وتحذير للسكان بعد سقوط الحطام... ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه.
وهكذا تتحول السيادة، شيئا فشيئا، من حقيقة سياسية وقانونية إلى مجرد لغة في البيانات.
والأخطر أن هذا الاعتياد قد يشجع أطرافا أخرى على التعامل مع العراق بالطريقة نفسها.
لقد شهدت المنطقة في الأسابيع الأخيرة أمثلة جديدة على استخدام الأراضي العراقية في هجمات خارج الحدود، وهو ما دفع بغداد إلى اتخاذ إجراءات أمنية وسياسية، في وقت تواجه فيه الحكومة العراقية ضغوطا متزايدة لإثبات قدرتها على ضبط أراضيها ومنع تحويلها إلى منصة لصراعات الآخرين.
إذن، ليست السليمانية وحدها تحت الاختبار.
العراق كله تحت الاختبار.
فإذا كانت إيران تستطيع أن تطلق صواريخها داخل العراق متى شاءت، وإذا كانت جماعات مسلحة تستطيع استخدام الأراضي العراقية في صراعات إقليمية، فإن السؤال لم يعد: هل العراق دولة ذات سيادة؟
بل يصبح السؤال الأكثر قسوة:
إلى أي مدى تستطيع الدولة العراقية ممارسة هذه السيادة؟
أما إقليم كردستان، فقد وجد نفسه في السنوات الأخيرة يدفع ثمن موقعه الجغرافي والسياسي. فهو من جهة جزء من الدولة العراقية، ومن جهة أخرى يستضيف قوى معارضة إيرانية، فضلا عن وجود مصالح وقوى دولية وإقليمية متشابكة على أرضه.
وهذا يجعله ساحة حساسة للصراع، لكنه لا يجعله أرضا مباحة.
إن استهداف المعارضة الإيرانية داخل العراق يمكن أن يكون موضوعا للنقاش السياسي بين بغداد وطهران، ويمكن للعراق أن يتخذ الإجراءات التي يراها مناسبة لضبط نشاط أي جهة على أراضيه.
لكن قرار معالجة مشكلة داخلية أو حدودية لا يمكن أن يتحول إلى رخصة لدولة أخرى كي تقصف الأراضي العراقية.
وهنا ينبغي أن تكون الرسالة العراقية واضحة:
إذا كانت هناك مشكلة أمنية مع جماعات إيرانية معارضة موجودة في العراق، فإن حلها شأن عراقي ـ إيراني يتم عبر التفاوض والاتفاق والقنوات السياسية والأمنية، وليس عبر الصواريخ والطائرات المسيرة.
لأن قبول منطق الضربة الإيرانية اليوم يعني فتح الباب أمام منطق الضربة التركية غدا، أو الأميركية بعد غد، أو أي قوة أخرى ترى أن لديها مشكلة مع طرف موجود على الأراضي العراقية.
وعندها لن يبقى من السيادة سوى الاسم.
لقد آن الأوان لأن تدرك بغداد أن الصمت على انتهاك السيادة لا يحمي العراق من الحرب، بل يجعله أكثر قابلية لأن يكون ساحة للحرب.
وآن الأوان أيضا لأن يدرك الجميع أن إقليم كردستان ليس جبهة مفتوحة لتصفية الحسابات الإيرانية، وأن السليمانية ليست امتدادا جغرافيا لطهران حتى تطارد فيها خصومها متى شاءت.
إيران تستطيع أن تحمي أمنها.
لكن أمن إيران لا يمكن أن يكون على حساب أمن العراق.
ويمكن لطهران أن تواجه خصومها.
لكن لا يمكنها أن تفعل ذلك فوق أرض دولة أخرى.
فالصاروخ الذي يسقط في السليمانية لا يختبر قوة إيران فقط؛ إنه يختبر إرادة العراق في أن يكون دولة.
وهنا، تحديدا، تبدأ القضية الحقيقية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

561 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع