قصة رائحة الدم - الجزء الأول

بقلم احمد فخري

قصة رائحة الدم - الجزء الأول

جلس الركاب في صالة المغادرة بمطار بغداد الدولي ينتظرون البدأ برحلتهم. وبعد تأخير دام ساعتين ونصف، نودي على الركاب ليصعدوا الطائرة تباعاً. كان عدد الركاب كبيراً وجميع المقاعد مشغولة. لذلك كان ضجيج المسافرين اكثر من المعتاد. خُطّطَ للرحلة كي تغادر بغداد الى لندن هبوطاً بمطار (صبيحة) في اسطنبول للتزود بالوقود. جلست السيدة وداد حميد مع زوجها عبد الستار البيرماني عضو البرلمان العراقي في قمرة الدرجة الاولى. لم يكن هناك مسافرين غيرهم بتلك القمرة بينما اكتضت مقاعد الدرجة الثانية. فجأة ارتفع صوت المحرك منذراً بالبدئ بالرحلة فصارت الطائرة تزمجر كالتنين ثم تحرك جسمها العملاق على المدرج ببطئ شديد ثم صارت تتسارع شيئاً فشيئاً حتى بدأت تهرول بشكل مرعب فارتفع انفها لتبدأ بتسلق طبقات الجو بجبروت كبير مخترقة جميع طبقات السحاب. امسكت وداد بيد زوجها وقالت له،

وداد : عبّودي انا خائفة جداً. ربما ستسقط بنا الطائرة فنموت جميعاً.

عبد الستار : اطمئني يا وداد الطائرة لن تسقط لانك جالسة فيها.

وداد : لماذا تقول ذلك؟ هل لانني علوية؟

عبد الستار : كلا، لاننا لسنا محظوظون بما فيه الكفاية. فلا الجنة ولا جهنم سيستقبلونك هناك.

وداد : وهل انا شريرة بهذا القدر عبّودي؟

عبد الستار : لو لم تكوني شريرة لما حرمك الله من الانجاب.

وداد : كم انت قاسي القلب! ان ذلك الامر لا بيدي ولا بيدك. ومن قال ان العيب مني اساساً؟ ألم تخبرني ام ستوري بان العيب فيك انتَ؟

عبد الستار : يبدو ان ام ستوري تفهم بالامور الطبية اكثر من الاطباء. فهي مجرد قارئة فنجان، لكنها تلعب بعقول السذج من امثالكِ.

وداد : على العموم يجب ان نستمر بالمحاولات ولا ندع اليأس يتسرب الى قلوبنا. لاحظ انك لم تقترب مني منذ فترة طويلة.

عبد الستار : لم اقترب منك لان اشغالي كثيرة وفكري مشغول بامور الدولة.

وداد : هل تريد ان تقنعني ان همك كله ينصب في مصلحة العراق؟ ام ربما انت مشغول بتكديس الاموال كعادتك!

عبد الستار : لا تتكلمي بهذ الطريقة. فانا لم اخذ قومسيونات كما يأخذ غيري من النواب.

وداد : وماذا عن الـ 17 مليون دولار الاخيرة؟ هذا ناهيك عن الاشخاص الذين تسببت في تحطيم حياتهم وآخرين ماتوا لتحصل انت على ذلك المبلغ؟

عبد الستار : عزيزتي وداد، هناك من يبتلع المليارات ولا يحاسبه القانون. وانت تطارديني على بضعة ملايين؟ اما من تضرر او فقد حياته جراء ذلك فنحن نسميها أضرار جانبية لا اكثر ولا اقل. الم تري كيف اخرجوا من اموال مدفونة لدى تلك النائبة الساقطة، حتى عثروا على ملابس داخلية قد صاغتها النائبة من الذهب الخالص. لذلك فإن تلك الاموال التي اخذتها انا كقومسيون كنت استحقها بجدارة. وهي لا تقارن بما يأخذه غيري من اعضاء الكتل الباقية.

وداد : رحم الله تلك الايام التي كنت تعمل بها ببسطية صغيرة في منطقة البياع تبيع ملابس النساء الداخلية. كان دخلك اليومي وقتها لا يتجاوز 25 الف دينار. بقيت تعمل هناك لسنين طويلة حتى طردك التجار بسبب تحرشك باحدى الزبونات فانتقلت الى حي العامل لتفتح بسطية هناك ثم بعدها انتقلت الى السيدية لتبيع المكانيس وادوات التنظيف. بعد ذلك انتقلت الى الشرطة الرابعة بعد ان اتهموك بسرقة اموال احد السواح.

عبد الستار : انتِ دائماً تذكريني بتلك الايام الخوالي التي اردت ان انساها. فقد كانت ايام الكفاح. ربما ساكتب يوماً كتاباً اعنونه (نضالي).

وداد : ومع ذلك فانت اليوم لا تزال تعمل لمصلحة الحكومة، وإلا لماذا نحن ذاهبون بهذه الرحلة الى لندن؟

عبد الستار : اجل. انا ذاهب لاتباحث مع وزير الطاقة البريطاني وبعض رجال الاعمال كي نشتري منهم محطات توليد كهرباء. لذلك ساكون مشغولاً طوال فترة الرحلة.

وداد : مشكلة الكهرباء اصبحت امراً ازلياً في العراق. واصبح العراقيون يتندرون عليها كما كانوا يتندرون على صدام وعائلته بالماضي. فاصحابك من الكتل ليس من مصلحتهم ان يتنفس الشعب العراقي.

عبد الستار : يا امرأة كوني متفائلة فهناك انفراج كبير في السياسة العراقية. على العموم هذا هو سبب مجيئي الى لندن لكي نوفر الكهرباء للمواطنين 7/24.

وداد : دعنا نغير الموضوع حبيبي. ودعني اسألك: عندما نصل الى لندن، هل تريدني ان ابقى جالسة بالشقة وحدي طوال الوقت لانك ستكون منشغلاً باجتماعاتك؟

عبد الستار : بامكانكِ الذهاب للتسوق كما يحلو لكِ. لديك بطاقة اميركيان اكسبريس الذهبية، اقتني بها ما شئت. ناهيك عن كمية كبيرة من الاوراق النقدية التي وفرتها لك، تصرفي بها كما يحلو لك. يعني (بلية وجع گلب).

وداد : طيب حبيبي كلام جميل.

عبد الستار : والآن دعيني اغلق جفنيّ قليلاً لارتاح فانا لم اذق طعم النوم ليلة امس لانني نادراً ما اقوى على النوم ليلة السفر.

اغلق عبد الستار عينيه وغرق بنوم عميق بينما راحت وداد تنظر من شباك الطائرة وتتأمل طبقة السحاب التي صارت تبدو كالسجادة البيضاء المبثوثة تحت جناح الطائرة. استمرت الرحلة بضع ساعات اخرى حتى هزت وداد يد زوجها لتوقظه فتقول،

وداد : استيقظ يا عبّودي، الطائرة ستسقط بنا وسنموت جميعاً.

فتح عيناه وشعر بالاهتزازات التي تحدثت عنها زوجته قال،

عبد الستار : اطمئني يا وداد، انها مطبات هوائية. فهي لن تُسقِطُ الطائرة. دعيني انام ارجوكِ. فانا اكاد اموت من التعب.

وداد : لكنني خائفة يا عبّودي. اريدك ان تبقى مستيقظاً لتتحدث معي.

عبد الستار : حسناً ها قد زال النوم من عيني. بماذا تريدين التحدث؟ تفضلي، انا اسمعكِ.

وداد : هل ستتركني طوال الوقت عندما نكون في لندن؟

عبد الستار : قبل اسبوعين، اي عندما كنا في بغداد، قلتُ لكِ انني ساكون مشغولاً بالاجتماعات مع الوزراء ورجال الاعمال البريطانيين لكنك اصريتِ على مرافقتي في الرحلة. وعدتيني وقتها بعدم النق وتركي اعمل عملي. وعلى هذا الاساس وافقتُ على اخذك معي الى لندن؟ هل حصل ذلك ام لم يحصل؟

وداد : حصل ولكن، من المؤكد انك ستجد ولو يوماً واحداً فقط تقضيه معي اليس كذلك؟

عبد الستار : كلا، ذلك لن يحصل ابداً. انا ساكون مشغولاً طوال الوقت. وعلى هذا الاساس وافقت على اخذك معي بهذه الرحلة اللعينة. اليس كذلك؟

وداد : اجل، اجل، لا تغضب حبيبي. انا فقط اتحدث اليك كي نبدد الوقت. الامر لا يتطلب تشنجك وغضبك.

عبد الستار : دعيني الآن وشأني ارجوكِ. اريد ان انام قليلاً فانا متعب للغاية. لا تنسي اننا سنهبط بمطار اسطنبول. قبل ان نواصل الرحلة الى لندن.

وداد : لكنني اشعر بالجوع.

عبد الستار : انتِ جالسة بالدرجة الاولى. اطلبي ما شئت من طعام او شراب وسوف يلبي المضيفون والمضيفات طلباتك ودعيني انام بسلام ارجوكِ.

وضع قناع العين فوق وجهه وصار يشخر بصوت مرتفع.

وداد : حسناً نام حبيبي. سوف لن ازعجك ثانية.

بعد مرور بضع ساعات بدأت الطائرة تهبط فشعرت وداد باهتزازات قوية فامسكت بيد زوجها من جديد وقالت،

وداد : عبد، عبد، استيقظ يا عبد. هناك خلل بالطائرة.

ازال القناع من وجهه وفتح عيناه ثم قال،

عبد الستار : اطمئني، ليس هناك خلل. نحن نهبط بمطار صبيحة في اسطنبول.

وداد : ومن هية صبيحة؟

عبد الستار : كيف لي ان اعلم؟ هل انت متزوجة من السيد گوگل ليعطيك كل الاجوبة؟ صبيحة هو اسم المطار وحسب. الا ارحتِ فمك من اللغو يا امرأة؟

وداد : كم سنمكث في اسطنبول؟

عبد الستار : ساعتان ونصف.

وداد : هل سنتجول بمدينة اسطنبول خلال ذلك الوقت؟ فانا سمعت ان لديهم سوق كبير مشهور يسمونه السوق المغطى.

عبد الستار : هذا غير ممكن. الوقت لا يسمح بذلك. سنبقى بالمطار فقط وسنتجول بصالة الترانزيت.

وداد : هل يتحدثون العربية هناك؟

عبد الستار : كلا، يتكلمون التركية، والانگليزية.

وداد : لكنك تستطيع التحدث اليهم بالانگليزية. اليس كذلك؟

عبد الستار : انا دكتوراه بالاقتصاد على الورق فقط، انت تعلمين انني لم اتخرج من الابتدائية اساساً. وحصلت على شهادتي من سوق مريدي. فهل تريديني ان اتحدث بالانگليزية؟ انا لا اعرف اكثر من (يس) و (نو).

وداد : وكيف ستتحاور مع الوزراء هناك إذاً؟

عبد الستار : لديهم مترجمين يا امرأة، مترجمين.

وداد : حسناً. هل تأذن لي بسؤال اخير؟ اعدك بانه سيكون الاخير.

عبد الستار : تفضلي، خير، ماذا تريدين؟

وداد : هل بامكاني شراء مجوهرات من هذا المطار؟

عبد الستار : اشتري ما شئت طالما انك تحتفظين بالوصولات. لانها قد تسبب لنا مشاكل عند الوصول الى مطار لندن.

وداد : حسناً، ارجع الى نومك حبيبي.

عبد الستار : اي نوم هذا؟ نحن نهبط وسوف نغادر الطائرة بعد قليل.

وداد : طيب افعل ما شئت إذاً.

هبط المسافرون بالمطار ليسيروا بالممرات الطويلة حتى دخل الجميع صالة الترانزيت. فدخلت وداد مباشرة على احدى محلات المجوهرات وصارت تتبضع منها فابتسم زوجها وقال بداخله، {دعها تلهو بتلك المجوهرات وتتركني بسلام}. بقيت وداد تستعمل لغة الاشارة فتطلب من البائع انزال الاطقم الكاملة من الحلى وتستعرضها لزوجها، فيومئ برأسه معلناً موافقته. حتى انتهى الامر بها ان اشترت بضاعة دفعت فيها 46 الف دولار. ابرزت وداد بطاقتها الائتمانية فمسحها البائع ثم اعادها اليها مع الوصل. وقبل ان تمسك تستلم الوصل منه، اختطفه منها زوجها ووضعه بجيب سترته قال،

عبد الستار : سيسألونا عن هذا الوصل في هيثرو.

وداد : وما هو الهثرو؟ هل هو يوم القيامة؟

عبد الستار : كلا يا جاهلة انه المطار.

وداد : الم تقل اننا سنذهب الى لندن؟

عبد الستار : اجل انه اسم المطار في لندن يا غبية.

قهقهت قليلاً وقالت،

وداد : انت تعرف انها اول رحلة لي الى لندن.

عبد الستار : انها اول رحلة لك خارج العراق.

وداد : هذا صحيح. لكنك تأتي الى هنا كثيراً. وتتركني وحدي في العراق.

عبد الستار : ذلك عملي. ماذا تريديني ان افعل؟ فعندما يكلفني السيد الوزير بالسفر فانا البي اوامره والا طردني من عملي.

وداد : لكنك تسافر كثيراً الى لندن. ربما 5 او 6 رحلات سنوياً وتقضي فيها اكثر من شهر كامل كل مرة.

عبد الستار : هذا هو مجال عملي. هل تريديني ان أُطرَدْ من عملي؟

وداد : حفظك الله ورعاك ورفع شأنك اكثر واكثر. ربما ستصبح رئيساً للجمهورية باحدى الايام.

عبد الستار : لا، هذا مستحيل لانه مخالف للدستور العراقي. فانا عربي.

وداد : على العموم انا راضية بما قسمه الله لنا.

وبعد ان انتظروا ساعتان و45 دقيقة. عادوا الى الطائرة ليأخذوا اماكنهم فأقلعت بهم الطائرة من جديد متجهة الى بريطانيا. وفور وصولهم مطار لندن نزل الزوجان واخذوا امتعتهم من الحزام الدوار ليخرجوا بها الى خارج المبنى الرابع للمطار. أستقلوا من هناك سيارة اجرة سوداء متجهة الى شارع (اجوير رود) بقلب لندن. وعندما وصلوا العنوان نزلوا من السيارة وحملوا امتعتهم ليدخلوا بها العمارة ذات السبع طوابق فسألته،

وداد : باي طابق نحن؟

عبد الستار : شقتي في الطابق الاول. اشتريتها بسعر بخس جداً. فقط ملون وربع باوند استرليني.

وداد : وما هو الباوند الاسترليني ؟ هل هو يشبه الدولار مثلاً؟

عبد الستار : تقريباً نفس الحجم لكنه اكثر منه بقليل.

وداد : كم غرفة لديك في الشقة؟

عبد الستار : ستريها بنفسك. كفاك اسئلة. لقد أهلكتيني واعييتيني.

وداد : هل سننام على الفور؟

عبد الستار : كلا سنذهب بعدها الى الكاباريه.

وداد : الكاباريه؟ اليس ذلك مكان الفواحش؟

عبد الستار : انا امزح معك يا امرأة. لقد قضينا وقتاً طويلاً بالرحلة ونحن متعبون. سننام مباشرة.

علمت وداد انها اثقلت على زوجها بالاسئلة وقد يثير ذلك غضبه، وربما قد ينتهي به الامر ان يضربها ضرباً مبرحاً كما كان يفعل بالماضي لذلك آثرت ان تلتزم الصمت ولو لفترة قصيرة. دخلوا الشقة فصدمها منظر الاثاث الجميل وحجم الشقة الواسع فكان لديها الف سؤال وسؤال الا انها التزمت الصمت وسارت معه حتى دخلا غرفة النوم فراح عبد الستار يخلع ملابسه فيرتدي دشداشته البيضاء الحريرية. تبعته زوجته لتدخل الفراش الى جانبه. لكنها فور رقودها اكتشفت ان زوجها بدأ بالشخير فاستدارت الى الجهة الثانية ونامت هي الاخرى وهي تندب حظها.

استيقظت باليوم التالي فلم تجد زوجها الى جانبها لأنه قال بان لديه اجتماعاً مهماً في صبيحة اليوم التالي بمنطقة وستمنستر. انتصبت وداد وتوجهت الى الحمام لتغتسل ثم بدأت بجولتها الاستقصائية كي تتعرف على ارجاء المنزل الفاره المتعدد الحجرات حتى وصلت المطبخ فشمرت عن ساعديها وبدأت تجهز لنفسها افطاراً دسماً. جلست على الطاولة الكبيرة الواقعة بوسط المطبخ وصارت تلتهم طعامها بشهية مفتوحة. وبعد ان انتهت من الافطار غسلت الصحون ثم توجهت الى الصالة تنظر من الشباك فشاهدت الامطار تهطل بغزارة. اتخذت قراراً بالذهاب الى (فوكسفورد) كما اوصتها جارتها في بغداد. ارتدت ملابسها وتهيأت ثم رشت على نفسها عطوراً باريسية ثمينة لا تعرف اسمائها ثم امسكت بمفتاح الشقة ووضعته بحقيبتها اليدوية وخرجت لتغلق الباب ورائها. نزلت الى الطابق الارضي فرأت بواباً شاباً واقفاً امامها يمسك بشمسية قال،

البواب : انا بواب العمارة، اسمي احمد.

وداد : من اي بلد انت يا احمد؟

احمد : انا عراقي يا سيدتي.

وداد : شيء جميل.

احمد : هل ترغبين بسيارة اجرة يا سيدتي؟

وداد : اجل بسرعة.

البواب : الى اين ترغبين الذهاب؟

وداد : الى (فوكسفورد).

لوحَ بيده فاقتربت منهم سيارة اجرة سوداء تقليدية تشتهر بها مدينة لندن تدعلى (بلاك كابي). ركبت وداد السيارة بينما تحدث البواب احمد مع السائق وقال، "خذها لاوكسفورد ستريت لو سمحت".

هنا سأل السائق،

السائق : باي جزء من الشارع؟

نظر البواب الى وداد وسألها،

احمد : الى اي جزء من الشارع تريدين الذهاب يا مدام؟

وداد : اريد محلات (سلڤر جرزي).

قال البواب للسائق، "خذها الى (سَلفْ ريدجيز)".

سأل احمد وداد وقال،

البواب : هل لديك عنوان بنايتنا هذه يا مدام؟

وداد : كلا.

البواب : إذاً خذي هذه البطاقة واحتفظي بها لان فيها عنوان البناية.

وداد : ولماذا احتاجها؟

البواب : لكي تعطيها لسائق التاكسي الذي سيرجعك الى هنا بعد ان تنتهين من التسوق.

انطلقت سيارة الاجرة السوداء آخذةً وداد الى منطقة التسوق الرئيسية. سارت السيارة وسط زحام خانق في شوارع لندن بتلك الساعة من اليوم. وبعد ما يقرب من ربع ساعة وقفت امام المحلات الاكثر شهرة وعراقة في لندن محلات (سَلفْ ريدجيز). دخلت من احدى البوابات الزجاجية المتعددة للمتجر فاصيبت بالذهول. دخلت الى ركن يدعى "وندر روم" في الطابق الأرضي فشاهدت اكشاك دائرية كثيرة عرضت عليها تشكيلة واسعة من المجوهرات الفاخرة والساعات والعطور والاكسسوارات، الى جانب بعض التحف الفاخرة الغير مألوفة في المتاجر الثانية. كانت تلك القاعة مميزة بإضواء وأجواء خاصة، كذلك تمتاز بهدوء ملحوظ بالرغم من كثرة الرواد. ظلت وداد تسير وتكرر في ذهنها، {والله كان لديك الحق يا ام ستوري، المحل من اجمل ما رأت عيني. ولو ان عيني لم ترى سوى مولات بغداد لكن هذا المحل يفوق كل التخيلات}. اقتربت منها فتاة شقراء شابة لا يزيد عمرها عن 20 سنة وتحدثت اليها بالنكليزية قائلة، {هل تحبين ان تجربي عطرنا الفريد من نوعه؟} لكن وداد لم تفهم ما قالته الفتاة فابتعدت عنها ومشت حتى رأت فتاة اخرى سوداء البشرة تحمل بيدها مواد تجميل قالت بالنگليزية، {هذا المسحوق سيقوم بتنظيف بشرتك فتشع نضارة وجمالاً اسمه گلتر جيل}. هنا ايضاً لم تفهم ما قالته تلك البياعة فابتعدت عنها حتى وصلت الى بياعة اخرى يبدو من تقاطيع وجهها انها شرقية فسألتها،

وداد : هل تتحدثين العربية؟

فاجابتها بلهجة مصرية مميزة قالت،

البائعة : طبعاً يا مدام. انا اعمل بهذا المتجر منذ فترة طويلة. دعيني اريك ما لدينا من عطور. ولكن قبل كل شيء اريد ان اعرف نوع العطر الذي تستعملينه حالياً. وهل العطر لك انت ام ستشترينه كهدية لشخص معين؟

وداد : اجل انه لي انا طبعاً.

البائعة : ماذا تفضلين من عطور؟

وداد : دعيني ارى ما لديكم اولاً.

البائعة : نحن نبيع كل انواع العطور. لدينا دولجي اند كابانا، ارماني، هرميز، ايڤ سان لوران، هيوكو بوص، بربري، استي لودر، الي صعب.

وداد : وما هي الاحجام؟

البائعة : لدينا 30، 50، 80، 100، و200 ملي.

وداد : انا اريد 200 ملي طبعاً.

البائعة : بعض العطور لا تتوفر بحجم 200 ملي. فقط 100 ملي كحد اقصى.

وداد : إذاً اريد اثنان من الـ 100 ملي.

البائعة : حسناً اي واحدة منهم؟

وداد : جميعهم.

البائعة : لكن ذلك سيكلف مبلغاً كبيراً جداً سيدتي. هل هذا يناسبكِ؟

وداد : وهل تعتقدين انني جئت الى هنا لكي اتسول منكِ؟ قلت لك جميعهم واكبر حجم.

البائعة : حسناً انا اعتذر منك يا مدام. ساضع لك كل العطور التي ذكرتها وباكبر الاحجام.

وداد : اسرعي لو سمحت فلدي الكثير من المشتريات لازلت سابحث عنها في الاقسام الباقية.

البائعة : اجل، اجل ساقوم باعداد العطور التي طلبتيها.

وضعت البائعة 17 عطراً في كيس كبير سلمتها لوداد ثم قالت،

البائعة : المبلغ الاجمالي سيكون 1850 باوند استرليني.

وداد : المبلغ لا يهم. اضيفي فوقه 100 باوند بخشيش لك انتِ.

البائعة : شكراً لك سيدتي لكن الادارة لا تسمح لنا بتقاضي المال من الزبائن بشكل شخصي.

وداد : إذاً خذي بطاقة ائتماني واسحبي منها ثمن العطور.

اخذت البطاقة من وداد ووضعتها بالجهاز ثم ارجعتها وسلمتها كيساً كبيراً يحتوي على 17 عطراً مختلفاً.

اخذت الكيس وابتعدت باتجاه كشك دائري آخر لترى ساعات نسائية ذهبية وساعات مرصعة بالماس واخرى بالذهب الابيض. اختارت تشكيلة منها كلفتها 37000 باوند. اكملت تجوالها بالطابق الارضي ثم صعدت للطوابق العلوية حيث تباع فيها الملابس. حاولت اختيار قياسات كبيرة لكنها لم تجد اي ملابس تناسب حجمها فاصيبت بالاحباط. خرجت من المتجر وهي محملة باكياس تسوق كثيرة. لوحت لسيارة اجرة سوداء كي تعيدها الى المنزل. اعطته العنوان فتفحّصه واعاده اليها ثم انطلق عائداً بها. وصلت العمارة فرأت البواب الشاب يفتح لها باب السيارة ويقول،

احمد : مرحباً بك سيدتي.

وداد : خذ كل هذه الاكياس واحملها للشقة بينما احاسب سائق التاكسي.

ركبت المصعد فتبعها البواب وصعدا معها للطابق الاول. فتحت الباب بمفتاحها ودخلت ليسير البواب خلفها ويُدخِلِ الاكيس معه قالت،

وداد : ضع الاكياس في غرفة الاستقبال على الارض يا احمد.

وضع الاكياس على الارض كما امرته ونظر بوجهها ففتحت محفضتها واخرجت منها ورقة بخمسين باوند، اعطتها اليه كبخشيش. اغدق عليها الشكر والمديح وعرض عليها خدماته بكل الاوقات فشكرته وطلبت منه ان يخرج من الشقة ويغلق الباب ورائه.

نظرت الى مشترياتها وهزت برأسها كما يفعل الهنود وهي تبتسم قالت، {يبدو انني لم اشتري ما فيه الكفاية. ولكننا مازلنا باقون في لندن وسوف اعود غداً لاشتري المزيد طالما ان عبّودي منشغل باعمال (الشفط واللفط) لذلك ساستغل وقتي بامور تفيد برستيجي. اولاً، علي ان اخذ حماماً ساخناً الآن فانا اتصبب عرقاً. بعدها اجرب العطور التي اشتريتها للتو. لكنني مصرة على شراء كل ما يكفيني كي لا اندم عند رجوعي الى بغداد}. دخلت الحمام واستحمت ثم خرجت بعد ان جففت بدنها لتبدأ بفتح علب العطور وتشمها الواحدة تلو الاخرى حتى بدأ انفها يتشبع بالعطور وصارت غير قادرة على التمييز بينهم. هنا تغير مزاجها وقالت، {لقد خدعتني تلك البائعة المصرية. باعتني عطوراً مزيفة تحتوي على ماءاً ملوناً ليس فيه اي رائحة. ساذهب غداً واقلب واطيها على عاليها}. اخذت العطر الذي جربته اول مرة وصارت ترش به نفسها بسخاء حتى غطت به جميع اعضاء جسدها. قالت، {سوف يغرم بي عبّودي عندما يشم رائحة عطري فيقوم بمضاجعتي فاحبل لكي انجب له ولي العهد. يا سلام، كم انا ذكية، اعتقد ان هذا هو الشيء الذي يطلقون عليه اسم (الذكاء الاصطناعي)، اجل انا اساير التقدم العلمي. سوف يفخر بي حبيبي عبّودي}.

لجأت للفراش كي تأخذ قيلولة قصيرة. لكنها افرطت في النوم بحيث انها لم تستيقظ حتى الساعة السادسة بعد الظهر. دخلت المطبخ وفتحت الثلاجة لتخرج بعض المواد التي باشرت بطهيها. بقيت بالمطبخ لاكثر من ساعتين حتى سمعت باب الشقة ينفتح ويدخل زوجها عبد الستار فسمعته ينادي،

عبد الستار : وداد، وداد، اين انت يا وداد؟

وداد : انا هنا حبيبي. لقد اعددت لك وجبة تاكل جميع اصابعك ورائها. عملت لك تبسي بيتنجان ومرقة شيخ محشي.

عبد الستار : انا جوعان جداً. هل الطعام جاهز؟

وداد : اجل، اجل انه جاهز. اخلع ملابسك وارتدي دشداشتك ثم اجلس على الكرسي وسوف اجهز السفرة فوراً.

خلع ملابسه بغرفة النوم وارتدى الدشداشة ثم رجع وجلس خلف الطاولة وصار يتهيأ لتناول وجبته المفضلة. احضرت زوجته الطعام ووضعته امامه فصار يأكل بشهية كبيرة. وبينما هو يأكل بدأ يشم شيئاً غريباً قال،

عبد الستار : ما هذه الرائحة القوية النفاذة.

وداد : انه عطري الجديد الذي اشتريته اليوم من السوق. هل اعجبك؟

عبد الستار : اجل انه عطر رائع لكنك بالغت في استعماله يا عزيزتي.

وداد : اردتك ان تحس به فيعجبك.

عبد الستار : اجل اعجبني كثيراً لكن ارجوكِ ثم ارجوكِ من الآن فصاعداً، استعملي القليل منه فقط فهو نفاذ جداً وكثرته تنقلب الى امر عكسي.

اصيبت وداد باحباط شديد عندما سمعت زوجها ينتقد الشيء الجميل الذي اعدته له. فحدثت نفسها وقالت، {يا ترى ماذا سيقول لو انه دخل السرير معي وشم باقي اعضاء جسدي؟ فلقد رشيت به اكثر من نصف قنينة العطر}. قررت وقتها ان تقوم باخذ دوش سريع بعد وجبة الطعام كي تزيل عنها آثار العطر وتضع القليل منه فقط بعد الحمام. وبعد ان فرغوا من تناول الوجبة قال،

عبد الستار : ساجلس بغرفة الاستقبال بينما تعدين الشاي.

وداد : اكيد حبيبي.

تركت الصحون بمكانها على الطاولة كي لا تتأخر على زوجها واسرعت للمطبخ لتعد له الشاي. وعندما اختمر حملته ودخلت به غرفة الاستقبال. اخذ زوجها قدحاً وشربه ثم طلب قدحاً آخر. وبعد ان شرب قدحان قالت له بهدوء،

وداد : من المؤكد انك تعبان من كثرة الاجتماعات التي قمت بها هذا اليوم لذلك من الافضل ان تنام مبكراً كي تستعدّ للعمل غداً.

عبد الستار : ليتني استطيع فعل ذلك ولكن، لدي اجتماع آخر في مدينة گلاسكو غداً صباحاً. لذلك ساسافر بالقطار هذه الليلة كي اصبح هناك في الصباح الباكر لانني لا اريد ان اتأخر عن الاجتماع.

اصيبت وداد باحباط جديد لانها كانت تنوي ان تقضي ليلة حمراء مع زوجها. الا انها تداركت الامر وقالت بدبلوماسية كبيرة،

وداد : حسناً حبيبي، عملك هو الاهم. ولكن اخبرني اين تقع مدينة كسكو هذه؟

عبد الستار : مدينة گلاسكو تبعد عن لندن 600 كم. انها بالشمال.

وداد : طيب حبيبي. تذهب وتعود بالسلامة. هل اعد لك حقيبتك؟

عبد الستار : اجل جهزي حقيبتي لانني ساقضي خمسة ايام هناك ثم ارجع الى لندن بعدها.

وداد : يا الهي، خمسة ايام؟

عبد الستار : اجل خمسة ايام، الم اخبرك ذلك عندما كنا في بغداد؟ اذكر انني قلت لك بانني ذاهب برحلة عمل لكنك اصريت ان ترافقيني الى لندن؟

وداد : اجل انا آسفة يا عبّودي.

عبد الستار : والآن دعيني اشرب قدحاً آخر من الشاي بينما تعدين لي حقيبتي. لقد وضعت بدلتي الحالية على السرير. اريدك ان تبعثيها للتنظيف وتخرجي لي البدلة الزرقاء لارتديها.

وداد : طيب سافعل ذلك.

صبت له قدحاً ثالثاً من الشاي وذهبت الى غرفة النوم لتلبي طلبات زوجها. وبينما هي تفرغ بدلته الرمادية من محتواها. كي تحولها الى البدلة الزرقاء. لاحظت شعرة شقراء على كتف البدلة الرمادية. قربت السترة الى انفها فشمت رائحة عطرٍ نسائي زكي ليس واحداً من عطورها. فبدأ دماغها يعمل مئة الف معلومة بالثانية. صار الشك يراودها قالت، {إذا كان عبد الستار في اجتماع هذا الصباح فمن اين جائت هذه الشعرة الشقراء يا ترى؟ وكذلك من هي صاحبة ذلك العطر الزكي؟ هل من الممكن ان يكون...؟ لا لا لا مستحيل. عبودي لا ينظر الى غيري فهو مغرم بجمالي ولن يخونني ابداً. انا اعرف تماماً ما وقع له. فبينما كان جالساً في الاجتماع، جائت احدى الموظفات وارادت ان تضع له فنجان قهوة على الطاولة فانحنت لتسقط من رأسها الشعرة على سترته. ولكن كيف وصله العطر يا ترى؟ العطر لا ينتقل الا بالاحتكاك المباشر. لا، لا، انا غلطانة. من المؤكد ان هناك تفسير منطقي لكل ما يجري. سوف لن اثير غضبه بسؤال تافه. فانا اذكر المشكلة التي وقعت بيننا قبل ثلاثة اشهر بسبب الغيرة وكادت ان تسبب لنا الانفصال. سوف اتجاوز هذه الادلة وابعث البدلة للتنظيف. ما اغباني، نسيت حقيبة السفر. سوف يغضب مني كثيراً إذا تأخرت عليه}. بدأت وداد تسرع باعداد الحقيبة ثم اخرجت من الدولاب البدلة الزرقاء التي طلبها ووضعتها على السرير ثم راحت تنقل قلمه ونظارته ومحفظته ومفاتيح الشقة لتضعها في البدلة الزرقاء. وعندما انتهت من اعداد كل شيء رجعت اليه وقالت،

وداد : كل شيء جاهز الآن. متى سترحل؟

عبد الستار : الآن فوراً.

وداد : حسناً حبيبي. بالسلامة ان شاء الله.

ارتدى البدلة الزرقاء وامسك بالحقيبة فسحبها خلفه. قبّل زوجته وقال،

عبد الستار : اغتسلي وازيلي عنك العطر المفرط.

وداد : سافعل عبودي، لا تقلق.

هنا قالت لنفسها، {يبدو ان الدوش سوف لم يزيل العطر تماماً. يبدو انه عطر اصلي}. قبلها زوجها قبلة باردة من وجنتها وخرج من الشقة ساحباً ورائه حقيبة السفر.

ركضت وداد الى النافذة ونظرت من خلالها لترى زوجها يغادر العمارة ثم يرفع رأسه للاعلى لينظر اليها ويبعث لها بقبلة هوائية ثم يركب سيارة تكسي سوداء فيبتعد عن الانظار.

جلست وداد على الاريكة البيضاء الفارهة وصبت لنفسها قدحاً من الشاي وراحت تترشفه. لكن فكرة الخيانة لا تزال تعشش برأسها فتتسائل عن تلك الشعرة وذلك العطر الذي شمته من على سترة زوجها. وبالآخر قالت، {إذا كانت شكوكي خاطئة فليس من المحتمل ان تكون نفس السكرتيرة موجودة بتلك المدينة التي سيسافر اليها عبّودي. لذلك سوف لن ابعث البدلة الى التنظيف وسابقي على الادلة لغرض المقارنة لاحقاً. انتِ فعلاً ذكية يا وداد وتشبهين ذلك المحقق رأفت الهجان. لا، لحظة، لحظة، رأفت لم يكن محققاً بل كان جاسوساً. لا لم يكن جاسوساً ضد بلده لكنه كان جاسوساً ضد الاعداء. اووووووف مالي ومال الجواسيس. انا ساكشف الخيانة مهما كلف الامر. اولاً سابدأ بالبواب احمد. ساستدرجه واحاول ان اعرف منه كل المعلومات}. ارتدت ملابسها ونزلت للطابق السفلي فرأت غرفة كتب عليها بلغتين، [بواب العمارة Janitor ]. طرقت الباب فسمعته يقول كلاماً بالانكليزية لم تفهمه فنادته وقالت،

وداد : يا احمد انا وداد من الشقة 113.

فتح الباب وهو يرتدي بيجامة مقلمة. وقف امامها وقال،

احمد : انا آسف يا مدام. كنت نائماً في غرفتي. هل تأمرينني بشيء؟

وداد : اجل اريد ان ادردش معك قليلاً.

احمد : تفضلي يا مدام تفضلي، البيت بيتك.

وداد : لا، سوف لن ادخل هنا. اريدك ان تأتي انت معي الى شقتي. اريد التحدث اليك بامر خطير.

احمد : يا ساتر يا ربي، اجل بالتأكيد. دعيني ارتدي ملابسي وسالحق بكِ بعد قليل.

وداد : طيب انا سانتظركَ. لا تتأخر عليّ.

احمد : ابداً. ساكون عندك خلال دقائق.

رجعت وداد الى شقتها بالطابق الاول وجلست تنتظر قدوم البواب. وبعد قليل سمعت الجرس ففتحت له ليدخل واقتادته الى غرفة الاستقبال. وقف بوسط الغرفة فطلبت منه الجلوس على الاريكة وجلست امامه قالت،

وداد : هل تود شرب الشاي؟

احمد : كلا يا مدام شكراً. شربته قبل قليل.

وداد : هل تود تناول الطعام، هل انت جوعان؟

احمد : كلا يا مدام شكراً. بماذا اردتِ ان تتحدثي معي؟

وداد : اردت ان اسألك عن زوجي عبد الستار. انت طبعاً تعمل هنا منذ امد بعيد اليس كذلك؟

احمد : اجل اعمل بهذه العمارة منذ سنتين او اكثر بقليل.

وداد : وطبعاً ترى وتسمع كل ما يدور بالعمارة. يعني كل شاردة وواردة، اليس كذلك؟

احمد : انا لا اقحم نفسي بشؤون سكان العمارة. اعمل عملي والجأ للنوم حتى اليوم الموالي.

وداد : اجل لكنك تعرف زوجي اليس كذلك؟

احمد : بالتأكيد اعرفه فهو انسان طيب وكريم للغاية.

وداد : كم هو كريم؟

احمد : لم افهمك، ماذا تقصدين؟

وداد : اقصد هل يعطيك بعض المال؟

احمد : اجل طبعاً انه رجل كريم جداً.

وداد : وهذا ما اردت ان اعرفه. هل يمنحك المال كلما تراه ام انه يمنحك مبلغاً مرة واحدة خلال وجوده بلندن؟

احمد : زوجك يا مدام في غاية الكرم.

وداد : كم يمنحكَ؟ اقصد ما هي المبالغ التي يعطيكَ اياها؟

احمد : احيانا يعطيني 5 باون واحيانا 10 ومرة واحدة فقط اعطاني 20 كاملة.

وداد : 20 كاملة؟ يا له من كرم حاتمي؟ حسناً، ما رأيك بـ 500؟

احمد : هل ستتحدثين معه كي يمنحني 500 باوند؟

وداد : كلا. انا من سيمنحك هذا المبلغ يا احمد. هل يعجبك ذلك؟

احمد : يعجبني؟ بل انني ساقوم بتقبيل يدك الف مرة. ولكن لماذا تعطيني هذا المبلغ الكبير، فانا في خدمة جميع سكان العمارة بكل الاوقات دون مقابل. هل سبق وان قصرت معكم يا مدام؟

وداد : بالعكس انت لم تقصر معنا ابداً. لكنني اريد منك خدمة خاصة تكون بيني وبينك فقط طالما ان زوجي لن يعود الليلة.

احمد : لا، لا، ارجوك يا مدام لا تطلبي مني هذه الامور فانا انسان لا اخاف الله ولا اقوم بمثل هذه الاشياء خصوصاً لولي نعمتي الحاج عبد الستار. ولأن ممارسة الجنس مع زوجته هو آخر ما افكر به.

قهقهت وداد بصوت عالٍ ثم قالت،

وداد : يا لك من فتى شقي. انا لم اقصد ان تمارس الجنس معي. انا فقط اردتك ان تراقب عمك عبد الستار.

احمد : اراقبه؟ وكيف اراقبه؟ فانا عندما اكون في ورديتي، لا تسمح لي الادارة مغادرة العمارة. فكيف تريديني ان اقوم بمراقبة زوجك؟

وداد : انا لا اقول انك ستتبعه خارج العمارة. انا اتحدث عن مراقبته بداخل العمارة.

احمد : وماذا لو اكتشف امري؟ فانه سوف يقوم بطردي من عملي فينقطع رزقي. ولماذا اخترتيني انا بالذات كي اراقبه؟

وداد : يقول المثل، شيطان تعرفه، خير من شيطان لا تعرفه.

احمد : سامحك الله يا مدام. هل انا شيطان؟

وداد : انه مجرد مثل وحسب لا تكن حساساً مفرطاً. اسمع الآن يا حمودي، دعني اسألك سؤالاً مهماً: كم هو مرتبك الشهري؟

احمد : انا اتقاضى 450 باوند اسبوعياً بالاضافة الى الغرفة المجانية التي اسكن فيها.

وداد : اي انك تتقاضى ما يقرب من 500 بالاسبوع مضروبة باربعة ليصبح المبلغ الشهري 2000 باوند. هل هذا صحيح؟

احمد : اجل تقريباً صحيح.

وداد : انا اتحدث عن مبلغ 500 باوند كلما جلبت لي معلومة جديدة ومفيدة. اي بامكانك ان تربح راتباً شهرياً كاملاً كلما جلبت لي اربعة معلومات استفاد منها.

احمد : هل... هل قلت 500؟

وداد : اجل 500.

احمد : وماذا لو جلبت لك معلومتين بنفس اليوم؟

وداد : ستحصل على 1000 باوند.

احمد : لا اصدق ما تقولين. انت فقط تختبرين ولائي لعمي عبد الستار.

وداد : ابداً، ابداً، انا اريدك ان تحافظ على بيت عمك عبد الستار وكرامة عمك عبد الستار لكي لا يخرب بيت عمك عبد الستار بحماقات المراهقين.

احمد : دعيني افكر بالامر سيدتي.

وداد : تفكر؟ بماذا تريد ان تفكر؟ انه رزق جاء الى عندك وطرق بابك. فهل سترفس النعمة؟ الامر لا يتطلب التفكير.

احمد : اجل... لكنه بصراحة عمل...

وداد : هل كنتَ ستقول عمل مخزي ومعيب؟

احمد : كلا بل قصدت انه عمل خطير جداً.

وداد : انه ليس خطيراً ابداً. كما يقول المثل العراقي (سلم - بلم). تسلمني المعلومات اسلمك النقود. ها ما رأيك؟

احمد : حسناً اتفقنا. متى نبدأ؟

وداد : خذ هذه الـ 500 باوند الآن كعربون محبة وسوف اتصل بك في حينها. اجل، تذكرت، هل لديك هاتف نقال؟

احمد : نعم، أتريدين الرقم؟

وداد : اجل. فور حصولك على أي معلومة جديدة تقوم بالاتصال بي وتخبرني عنها على الفور فاقوم انا بتسجيل تلك المعلومة لغرض احتساب تراكم المكافئات فيما بعد.

احمد : وهو كذلك.

وداد : خذ هذه 500 كما اتفقنا.

احمد : لا اعرف كيف اشكرك يا سيدتي.

وداد : بامكانك الخروج الآن يا حمادة. ولمعلوماتك فإن عبد الستار سافر الى مدينة لا اعرف كيف انطق اسمها قال انها تدعى كسكو بالشمال وسيعود بعد 5 ايام. لذلك سوف تبدأ بمراقبته كاصقر حين يعود.

احمد : ربما تقصدين مدينة گلاسكو. اجل بامكانك الاعتماد عليّ سيدتي.

خرج البواب من الشقة وفرحة عارمة كانت تعصف بقلبه لانه سيتمكن من تحقيق كل ما كان يصبو اليه خلال فترة وجيزة. سوف يكون ولائه فقط لسيدته وولية نعمته وداد خانم.

في الايام التي تلت، كانت عيون احمد مفتوحة باقصى الدرجات وصار ينسى باقي مهامه اثناء العمل ويركز كثيراً على ان يكرس وقته لمراقبة الحاج عبد الستار فيجني ثمار عمله الجانبي حين يعود من سفريته. كان دائماً يحدث نفسه محاولاً التفريق بين الخير والشر فيقول، {لو كنت اتاجر بالمخدرات او العب القمار او قمت بقتل شخص ما، فانا ساكون ارتكب الشر. لكنني اقوم بمراقبة شخص واحد فقط لكي احمي بيته من الانهيار. اجل عملي سيكون عمل خير وسأجني منه الكثير من المال}. بعد خمسة ايام وقف احمد بباب العمارة فرأى سيارة تاكسي تقف امام باب العمارة وتنتظر هناك. بعد قليل خرج رجل بدين من داخل العمارة يرتدي بدلة رياضية رمادية مغطياً رأسه بغطاء (الهودي) ليخفي جميع ملامحه.

اصيب احمد بالفضول، لذا اقترب من ذلك الرجل وسأله، "من انت سيدي؟". لكن الرجل لم يلتفت اليه واستمر بالسير متجهاً الى سيارة الاجرة ولم يتحدث معه ولم ينظر حتى بوجهه. عاد وسأله، "باي شقة تسكن يا استاذ؟" وبهذه المرة ايضاً لم يتكلم مطلقاً. استمر بالسير نحو السيارة ففتح بابها ودخل لتبتعد السيارة وتخرج

من الشارع. بقي احمد واقفاً وصار يحاور نفسه ويقول، {هل كان ذلك الرجل احد سكان العمارة؟ او ربما كان زائراً لاحد المتساكنين بها يا ترى؟ هل يتوجب علي الاتصال بالشرطة لابلغهم عنه؟ ولكن انتظر يا احمد، ماذا سيسألونني؟ هل نظرت الى شكله؟ هل عرفت اسمه؟ هل تحدثت اليه؟ هل بامكانك التعرف على صوته؟ وأي شقة زار؟. كلا سيصبح منظري مخزياً جداً امامهم لانني سوف لن يكون لدي اجوبة منطقية اعطيها لهم. إذاً على ان اغلق فمي وادع الامر يعدو وكأن شيئاً لم يكن. انا لا اريد المشاكل من جراء فضول تافه. فقد يهدد ذلك وظيفتي وحياتي. ففي اول الامر او بآخره، سيكون شخصاً جاء لزيارة احد سكان العمارة ولا يريد الكشف عن هويته. وكيف لي ان انسى تلك الايام التي كابدت فيها الجوع من جراء البطالة وعدم الحصول على عمل؟ آخـــــــــخ تلك الايام العصيبة تُذْكَرْ ولا تعاد. وكما يقول بعض العرب "يا عم طنش" دعني اكل لقمة عيشي بهدوء. فانا ما صدقت ان حصلت على تلك الوظيفة المحترمة. بالحقيقة انها ليست محترمة كثيراً لكنني لا املك غيرها، فانا جئت الى بريطانيا لغرض الدراسة لكن انغماسي بالقمار تسبب في افلاسي وهذا ما جعلني عبئاً على عائلتي فطلبوا مني العودة للعراق وقتها. لكنني اصريت لاثبت لهم انني رجل واني قادر على معالجة الامر بنفسي ولاكسب قوت يومي بنفسي فاجمع المال كي اواصل دراستي}. رجع احمد الى داخل البناية واخرج ادوات الزراعة ثم عاد الى واجهة العمارة وراح يمسح الزجاج. وبينما هو يرش المادة المنظفة وقفت سيارة اجرة تقليدية (بلاك كابي) وخرج منها عبد الستار ثم اغلق بابها. امسك بحقيبته وسحبها ورائه متجهاً نحو الباب الرئيسي. ركض اليه احمد ورحب به ترحيباً كبيراً مبالغاً فيه فسأله،

عبد الستار : لماذا كل هذا الترحيب يا احمد؟

احمد : لقد اشتقت اليك كثيراً يا عمي. انها خمسة ايام طويلة.

عبد الستار : هل كنت تعد لي الايام؟

احمد : وكيف لا يا سيدي وانت افضل سكان العمارة واكثرهم كرماً.

عبد الستار : شكراً لك يا ابني.

احمد : ارجوك دعني اسحب الحقيبة عنك.

اخذ احمد الحقيبة من يد عبد الستار وصار يمشي بها ورائه. ركبا المصعد سوية فسأله،

احمد : هل استمتعت بوقتك في الرحلة؟

عبد الستار : كلا، لم تكن رحلة سياحية بل كانت رحلة عمل مضنية، ذهبت بها الى مدينة (ادنبرا ) وحضرت اجتماعات كثيرة هناك.

احمد : ادنبرا سيدي؟ وكيف كان الجو هناك؟

عبد الستار : كان بارداً جداً بالرغم من ان درجة الحرارة مرتفعة هنا في لندن.

احمد : اجل الشمال ابرد من الجنوب. ولكن كم استغرقت الرحلة من ادنبرا الى هنا؟

عبد الستار : بالرغم من انها رحلة مباشرة بالقطار لكنها دامت 8 ساعات.

احمد : يا الهي 8 ساعات؟ لذلك يبدو عليك التعب الشديد سيدي.

عبد الستار : اجل، لا اصدق متى اصل الى سريري. ولكن قل لي يا احمد، هل زوجتي بخير؟ اقصد هل طلبت منك طلبات تعجيزية؟

احمد : كل شيء مر على ما يرام، فالمدام كانت تخرج كل يوم للتسوق وتعود. لكنها لم تكن تطلب مني سوى الامور البسيطة.

عبد الستار : انا اعتمد عليك يا ابني لانك عراقي مثلي. فالدم للدم يحن.

احمد : بالتأكيد سيدي. حمداً لله على سلامتك.

فتح عبد الستار باب شقته بالمفتاح ودخل فتبعه احمد ساحباً الحقيبة ورائه. ركضت وداد صوب زوجها واخذته بالاحضان فالتفت الى احمد وقال،

عبد الستار : بامكانك المغادرة الآن.

قالها ودس ورقة ذات خمسة جنيهات بيده. امسك احمد بالمبلغ ونظر بوجه وداد وكأنه يقول، "لقد كنتِ على حق يا وداد فزوجك بخيل جداً" لكنه تبسم وشكره ثم استدار ليخرج من الشقة ويغلق الباب ورائه. رجع الى غرفته في الطابق الارضي وظل يفكر بما قاله عبد الستار. فالكذاب عادةً ينسى ما قاله بالمرة الاولى. في البداية قال لزوجته انه ذاهبٌ الى مدينة (گلاسكو) والآن يقول انه رجع من مدينة (ادنبرا). لذلك دعني اتحقق من المعلومات عن طريق الهاتف. اخرج هاتفه من جيبه ليتصل بمحطة (ڨكتوريا). فسأل موظف الاستعلامات،

احمد : اريد ان استفسر عن رحلات القطار المباشرة من ادنبرا الى لندن. فاجابه الموظف بأن القطارات التي تسير من والى ادنبرا. لا تنطلق من هذه المحطة، ويقصد هنا محطة (ڨكتوريا)؟ لذلك عليه الاتصال بمحطة (كنگ كروس).

احمد : طيب شكراً لك سيدي.

اغلق الخط معه وبحث عن رقم محطة (كنگ كروس) ثم طلب الرقم ليسمع موظف الاستعلامات يقول،

موظف الاستعلامات : محطة (كنگ كروس) تفضلوا.

احمد : اردت الاستفسار عن رحلات القطار المباشرة من ادنبرا الى لندن. وكم تستغرق الرحلة عادة؟

موظف الاستعلامات : اسرع قطار يقطعها باربعة ساعات و20 دقيقة. والاعتيادي هي اربعة ساعات و45 دقيقة. دائماً تكون المغادرة من محطة (ويفرلي) بادنبرة الى محطة (كنگ كروس) بلندن. المسافة الكلية 390 ميل.

احمد : شكراً جزيلاً سيدي.

اغلق الخط مع موظف الاستعلامات وقال لنفسه، {ها قد حققت ثروة اليوم. اولاً قال عبد الستار لزوجته انه ذاهبٌ الى مدينة (گلاسكو) لكنه اخبرني عندما رجع بانه عائدٌ من مدينة (ادنبرا ). ونا اعلم ان المسافة بين (گلاسكو) و (ادنبرا) هي 75 كم. لذلك فإن (ادنبرا) قد تكون كذبة او ان تكون الاولى (گلاسكو) هي ايضاً غير صحيحة. فالكذاب ينسى ما قاله بالمرة الاولى. او ربما كان كلاهما مغلوط لذلك ساجني من ذلك على الاقل 1000 باوند اليوم من زوجته. ولكن عبد الستار موجودٌ في شقته الآن لذلك سانتظر حتى يخرج فاتصل بزوجته. كلا، لحظة واحدة. قالت لي وداد ان اخبرها على الفور بما يجري لذلك ساقوم بمناورة ذكية. ساخذ بعض الخضروات من ثلاجة مطبخي واسلمها لها باليد وكأنني احضرتها لها وساهمس لها بالمعلومات بهدوء}.

وضع خضاراً والقليل من اللحم من مطبخه في كيس للتسوق وصعد بها الى الطابق الاول. طرق الباب على شقة رقم 113 ففتح له عبد الستار مرتدياً دشداشة بيضاء قال،

عبد الستار : اهلاً احمد، ماذا ورائك؟

احمد : لقد طلبت مني المدام هذه المواد فاحضرتها لها.

عبد الستار : شكراً يا ابني. كم المبلغ؟

احمد : لقد دفعت لي المدام مسبقاً.

عبد الستار : حسنا يا ولدي. شكراً.

اخذ الكيس منه واغلق الباب بوجهه فعلم احمد ان خطته قد فشلت ولم يتمكن من الوصول الى وداد. لذلك قرر ان يترك الامر قليلاً حتى تتصل به وداد بنفسها فيعطيها التقرير كاملاً ويخبرها بما توصل اليه من معلومات.

رجع الى غرفته. وما هي الى ساعة وجائه اتصال تلفوني من وداد فسمعها تتحدث اليه بصوت خافت وتسأل،

وداد : هل اردت ان تبلغني بشيء؟

احمد : اجل مدام، لدي معلومات مهمة جداً.

وداد : زوجي نائم هنا في الشقة لذلك لا استطيع ان اطيل الحديث معك. لكنه قال بانه سيخرج بالمساء لعشاء عمل مع احد مدراء الشركات وبذلك ساكون وحدي وساستطيع التحدث اليك بحرية.

احمد : حسناً يا مدام. اتصلي بي وقتما تكونين جاهزة.

اغلق الخط معها وابتسم وقال، {الخير قادم لا محال. سوف تأتيني دفعة جديدة من الاموال. فوداد تريد ان تُلقي عليه القبض متلبساً بالخيانة لذلك ساحاول تزويدها بالكثير من المعلومات كل مرة كي اتمكن من جمع ثروة كبيرة تمكنني من العودة الى الدراسة}.

السؤال هو، هل سيتمكن ثنائي احمد ووداد من فضح خيانة الزوج عبد الستار؟

ام انهما سيكتشفان انه بريئ من دم يوسف،

وان الزوج حقاً جاء ليقبض الكثير من العمولات مقابل الصفقات الوهمية التي ذهب من اجلها؟ لا من اجل الخيانة زوجية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

562 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع