
وزراء خارجية باكستان ومصر وتركيا والسعودية في إسلام أباد، 29 مارس 2026 (Getty)
العربي الجديد:بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الأسبوع الماضي بشأن بدء مفاوضات "بنّاءة" مع طهران التي سارعت إلى نفيها، انتقلت التحركات العربية والإسلامية الرامية إلى وقف الحرب إلى مرحلة جديدة، فبعد سلسلة من الاتصالات الدبلوماسية المكثفة على مدى الأيام الأخيرة، تستضيف العاصمة الباكستانية إسلام أباد، اليوم الأحد، اجتماعاً عربياً إسلامياً رباعياً يستمر يومين، بمشاركة وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر، لبحث سبل وقف الحرب الجارية في المنطقة وإمكانية إطلاق مفاوضات بين واشنطن وطهران.
ويأتي هذا التطور فيما تبادل الطرفان الأميركي والإيراني خلال الأيام الماضية، عبر الوسيط الباكستاني، مطالب وشروطاً قصوى. ويرى الجانب الإيراني أن المطالب الأميركية ليست سوى "أمنيات"، إذ قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، اليوم الأحد، في رسالة موجهة إلى الشعب الإيراني، إن الخطة الأميركية المؤلفة من 15 بنداً "لا تعدو كونها قائمة أمنيات" للرئيس دونالد ترامب، مضيفاً أن "ما لم ينجح ترامب في تحقيقه عبر الحرب، رتّبه الآن في شكل قائمة من 15 مادة يسعى لتحقيقها عبر الدبلوماسية". وأكد أنه "ما دام الأميركيون يسعون إلى استسلام إيران، فإن ردّنا على هذه الأمنيات واضح: هيهات منا الذلة".
على الضفة الإيرانية، التشاؤم هو سيد الموقف، فالرؤية الغالبة لدى صناع القرار في طهران اليوم هي أن ما يجري ليس إلا "خديعة جديدة" يمارسها ترامب بعد خديعة حرب يونيو والحرب الجارية، اللتين سبقهما مساران تفاوضيان انتهيا دون نتائج، رغم التفاؤل السابق بقرب التوصل إلى اتفاق. وتعتقد طهران أن الحديث مرة أخرى عن المفاوضات والدبلوماسية يهدف إلى التحضير لعملية برية للسيطرة على بعض الجزر الإيرانية في الخليج، لا سيما جزيرة خارج، مركز تصدير النفط الإيراني.
وأكد قاليباف هذا الموقف، اليوم الأحد، بشكل صريح لا يحتمل اللبس قائلاً: "العدو يرسل علناً رسائل تفاوض وحوار، لكنه في الخفاء يخطط لهجوم بري"، مضيفاً: "رجالنا ينتظرون دخول الجنود الأميركيين براً ليلقوا بهم في أتون النار".
ويستبعد الخبير الإيراني الإصلاحي داود حشمتي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن تنجح الوساطات الباكستانية والمصرية والتركية في حل الخلافات بين واشنطن وطهران، قائلاً إن الجانب الأميركي "يعيد تكرار مواقفه وشروطه السابقة ولو بلغة مختلفة"، مضيفاً أن ذلك "مرفوض إيرانياً".
وأوضح حشمتي أن مطالب ترامب "لم تتغير منذ ولايته الأولى، وهي ثابتة، وإن عُرضت كل مرة بصياغة جديدة، سواء في مرحلة العقوبات القصوى أو قبل حرب يونيو وبعدها أو في الوقت الراهن". وأضاف: "في الظاهر، يبدو ملف الخلافات سهلاً وقابلاً للحل بالنسبة للوسطاء، سواء كانوا عمانيين أو قطريين أو باكستانيين أو مصريين. فأميركا تعلن أنه يجب على إيران ألا تمتلك السلاح النووي، وإيران أيضاً تعلن أنها لا تسعى لامتلاكه". وأكد: "لكن عند دخول المفاوضات في التفاصيل، يطرح الأميركيون مطالب مرفوضة تماماً من الجانب الإيراني، ليعود الأمر في نهاية المطاف إلى مربعه الأول".
ويخلص حشمتي إلى أنه "لا يمكن تعليق آمال" على مباحثات إسلام أباد الحالية أيضاً، داعياً إلى انتظار تشكّل "توازن جديد" بين إيران وإسرائيل، موضحاً أن مصير الحرب يتوقف على هذا التوازن.
ويرى الخبير الإيراني أن انتقال دور الوساطة من دول الخليج إلى باكستان ومصر وتركيا يحمل دلالات مهمة، موضحاً أن باكستان قوة نووية، بينما تحتل تركيا ومصر مكانة كبيرة في العالم الإسلامي. ومن هذا المنطلق، فإن وجود هذه الدول في مسار الوساطة من دون عدم اتخاذها موقفاً مناوئاً لإيران "يصُبّ في مصلحة طهران" على المستويين الإقليمي والإسلامي. وأضاف أن لمصر خبرة طويلة في إدارة العلاقات والحوار مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي خبرة "قد تنفع إيران" في المرحلة الحالية.
الميدان هو الحاسم
من جهته، قال الخبير المحافظ حسين كنعاني مقدم لـ"العربي الجديد" إنه في ضوء تجربة اندلاع حربين أثناء المفاوضات، "لن تجلس طهران مجدداً إلى طاولة مفاوضات تحت وطأة التهديدات والحرب، بغضّ النظر عمّن يحاول لعب دور الوسيط". وأضاف مقدم أن الدبلوماسية والميدان كانا يتحركان سابقاً بشكل منسق، "لكن الوضع تغيّر الآن، حيث أصبح الشارع الشعبي والميدان العسكري العامل الحاسم في تحديد مصير الحرب". وأشار إلى أن المتظاهرين في الشوارع يطالبون بـ"الانتقام ومواصلة الحرب حتى تحقيق النصر".
وقال كنعاني مقدم إن "أي نافذة أو فرصة للتفاوض مع أميركا باتت مغلقة تماماً"، معتبراً أن الخيار الوحيد المتاح أمام واشنطن أن تعلن مع إسرائيل وقفاً أحادياً لإطلاق النار.
وشدد القيادي السابق في الحرس الثوري الإيراني في حديثه مع "العربي الجديد" على أن إيران لن تدخل أي مفاوضات قبل أن تحقق مجموعة من الشروط، مسمياً إياها بتحقيق أهدافها في الحرب، والحصول على تعويضات عن الأضرار وضمانات دولية بعدم تجدد الحرب وخروج القواعد والقوات الأميركية من المنطقة وتطبيق نظام قانوني جديد لمضيق هرمز. وختم بالقول إن دونالد ترامب "يتحدث ليلاً عن المفاوضات في أحلامه، ثم يخرج صباحاً ليصرّح بأن أميركا انتصرت وأن إيران استسلمت وقبلت مطالبها".

812 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع