بغداد تدرس استحداث وزارة الأمن الاتحادية لاحتواء الحشد الشعبي والبشمركة

العربي الجديد:حصلت "العربي الجديد"، على معلومات من مصادر حكومية عراقية في بغداد، وعبر ثلاثة مصادر تطابقت إفاداتهم، تؤكد بحث قيادات أمنية وعسكرية وسياسية وحكومية، مشروعاً لافتاً، يقضي باستحداث وزارة جديدة، تعرف باسم "وزارة الأمن الاتحادية"، يتم وضع جميع التشكيلات والعناوين المسلحة، غير المدرجة ضمن القوات النظامية الأساسية (الجيش والشرطة)، فيها، وفي مقدمتها قوات "الحشد الشعبي" والفصائل المرتبطة بها.

المشروع العراقي الذي تسعى حكومة علي الزيدي من خلاله إلى استيعاب الضغوط الأميركية والغربية تجاه ملف حصر السلاح بيد الدولة من جهة، وتجنب الصدام مع الفصائل التي ترفض أي محاولات لنزع سلاحها بالقوة من جهة أخرى، ما زال غير مضمون النتائج، ويحظى بقبول أطراف سياسية شيعية وتحفظ أخرى.

وبحسب ثلاثة مصادر عراقية تحدثت معها "العربي الجديد"، فإن المشروع المقترح لا يقتصر على إنشاء وزارة ذات طابع إداري أو تنظيمي فحسب، بل يتجه نحو بناء تشكيل أمني بصلاحيات محددة، ويضم في هيكليته، كلاً من قوات البشمركة الكردية، والحشد الشعبي، وفرقة التدخل السريع، والشرطة الاتحادية، وتحت عنوان إنهاء حالة التعدد الأمني التي رافقت الدولة العراقية منذ سنوات ما بعد عام 2003، تاريخ الغزو الأميركي للعراق، ولا سيما بعد الحرب ضد تنظيم داعش.
ووفقاً للمصادر، فإن هذا التوجه جاء من بين مقترحات عدة مطروحة كحل وسط لمواجهة الضغوط الأميركية والدولية على بغداد من أجل تقليص نفوذ الفصائل المسلحة داخل مؤسسات الدولة، وإنهاء التكتلات المسلحة.

ومنح الدستور العراقي الذي تمّ إقراره عام 2005، إقليم كردستان صلاحية تأسيس وتنظيم القوات الأمنية داخل الحدود الإدارية للإقليم، دون أن يذكر صراحة عبارة "البشمركة"، التي تعني باللغة الكردية (حرس الإقليم)، غير أن بغداد بوصفها السلطة الاتحادية العليا ممثلة بالحكومة، لا تملك أي صلاحيات أو سلطة على تلك القوات، التي دخلت بمواجهات مسلحة مع الجيش العراقي في كركوك عام 2017.

من جهة أخرى، أقرّ البرلمان العراقي عام 2016 قانوناً عرف باسم "قانون هيئة الحشد الشعبي"، وتم التصويت عليه، وينص على إجراءات تنظيمية ومالية وحقوقية لأفراد "الحشد الشعبي"، دون أن يكون هناك نص دستوري مباشر. كما نصّ على أن "الحشد" جزء من المؤسسة العسكرية العراقية ويأتمر بأمر القائد العام للقوات المسلحة (رئيس الوزراء) لا وزارة الدفاع.


دمج "الحشد الشعبي" على طاولة البحث
مشروع الوزارة الجديدة الذي يجري بحثه "لم ينضج حتى الآن وما زال غير قابل للكشف عنه بعد". هكذا ردّ مسؤول أمني عراقي كبير على تساؤلات "العربي الجديد"، بشكل مقتضب، وهو ما يعتبر تأكيداً ضمنياً أن المشروع قيد البحث والنقاش. قوى نافذة داخل "الإطار التنسيقي"، قابلت المشروع بحذر بالغ، فيما أبدت قوى أخرى موافقتها على أي إجراءات تضمن تخطي العراق خطر فرض عقوبات أميركية عليه، بينما فصائل مسلحة استبقت الحديث عن أي ترتيبات جديدة تتعلق بها بالرفض.

وتخشى بعض القوى والأطراف العربية الشيعية في العراق، من أن يؤدي دمج الحشد الشعبي ضمن وزارة أمنية جديدة، إلى إنهاء خصوصيته العقائدية والهيكلية، وتحويله من قوة تمتلك نفوذاً واسعاً في المشهدين السياسي والأمني، إلى تشكيل تقليدي يخضع بالكامل لسلطة الدولة المركزية وقيودها الإدارية والعسكرية، وبالتالي يتم تذويبه تدريجياً مع مرور الوقت.

النائب في البرلمان العراقي عن كتلة "بدر"، مهدي تقي، قال لـ"العربي الجديد"، بشأن المشروع: "نعم هناك نقاش مطروح"، موضحاً أن "المقترح المتداول بشأن استحداث وزارة الأمن الاتحادية ودمج هيئة الحشد الشعبي ضمن تشكيل أمني جديد، مطروح بالفعل للنقاش داخل الأوساط السياسية والحكومية الضيقة، والملف ما يزال في إطار الأفكار الأولية ولم يصل إلى مرحلة الاتفاق النهائي أو اتخاذ القرار الرسمي". وأكد تقي في لقاء بمكتبه بمبنى البرلمان العراقي ببغداد، أن "هناك أطرافاً سياسية داخل الإطار التنسيقي تبدي تحفظاً واضحاً على هذا التوجه، بسبب حساسية ملف الحشد الشعبي وطبيعة دوره الأمني والعسكري خلال السنوات الماضية"، مشدداً على أن "أي خطوة تتعلق بإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية تحتاج إلى تفاهمات سياسية واسعة وإجماع وطني، خصوصاً في ظل التعقيدات الحالية".

وبيّن النائب العراقي أن "بعض القوى تخشى أن يفسّر المشروع على أنه محاولة لتفكيك هيئة الحشد الشعبي أو تقليص دورها داخل المنظومة الأمنية العراقية، فيما ترى أطراف أخرى أن تنظيم الملف الأمني وإعادة هيكلته بات أمراً ضرورياً لتعزيز سلطة الدولة وتوحيد القرار الأمني". وأضاف تقي أن "النقاشات ما تزال مستمرة ولم تحسم حتى الآن، ولا يوجد قرار رسمي أو اتفاق نهائي بشأن إنشاء الوزارة الجديدة أو آليات عملها، والمرحلة الحالية تقتصر على تبادل وجهات النظر ودراسة المقترحات المطروحة".

من جهته، ردّ عضو بارز في فصيل "النجباء"، على رأي الجماعة بمثل هذا التحرك، بالقول: "نعتبر أن أي مبادرة أو مشروع يتعلق بشكل أو إدارة الحشد الشعبي ككل، قادماً من ضغط أميركي، وهو بالتالي يمثل وجهاً إسرائيلياً، وليس قراراً عراقياً داخلياً، لهذا نحن نرفضه"، وفقاً لرد مكتوب قدمه لـ"العربي الجديد"، عبر تطبيق واتساب.

عملية إعادة هيكلة معقدة
ويرى مراقبون أن مشروع "وزارة الأمن الاتحادية" قد يمثل أكبر عملية إعادة هيكلة أمنية يشهدها العراق منذ 2003، خصوصاً إذا ما ترافق مع إعادة توزيع الصلاحيات بين وزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة المرتبطة بمكتب القائد العام للقوات المسلحة. إلا أن نجاح هذا المشروع سيبقى مرهوناً بقدرة الحكومة على تحقيق توازن معقد بين متطلبات بناء الدولة، وضغوط المجتمع الدولي، ومصالح القوى المسلحة والسياسية التي باتت تمتلك نفوذاً عميقاً داخل مؤسسات الحكم العراقية.

ورأى الخبير في الشؤون العسكرية اللواء جواد الدهلكي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "التوجه الحكومي نحو استحداث (وزارة الأمن الاتحادية) ودمج هيئة الحشد الشعبي ضمن مؤسسة أمنية رسمية موحدة، يمثل محاولة لإعادة ترتيب المشهد الأمني العراقي بما يتلاءم مع المتغيرات الداخلية والضغوط الخارجية المتزايدة على بغداد".

وبيّن الدهلكي أن "العراق يواجه منذ سنوات ضغوطاً أميركية ودولية متصاعدة تتعلق بملف الفصائل المسلحة وانتشار السلاح خارج الأطر العسكرية التقليدية، خصوصاً مع تنامي نفوذ بعض الفصائل داخل المؤسسات الأمنية والسياسية والاقتصادية"، مذكّراً بأن "الولايات المتحدة وعدداً من الدول الغربية تدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة وإعادة تنظيم التشكيلات المسلحة ضمن هياكل رسمية واضحة تخضع لسلطة القائد العام للقوات المسلحة".

وأضاف الخبير في الشؤون العسكرية، أن "فكرة إنشاء وزارة أمن اتحادية قد تمنح الحكومة مساحة أوسع لإعادة هيكلة المؤسسات القتالية والأمنية وتوحيد القرار الأمني، بدلاً من تعدد الجهات والتقاطعات الموجودة حالياً بين بعض التشكيلات المسلحة والأجهزة الرسمية"، لافتاً إلى أن "دمج الحشد الشعبي ضمن مؤسسة حكومية جديدة قد يسهم في تقليل المخاوف الدولية المتعلقة بوجود قوى مسلحة ذات استقلالية كبيرة عن مؤسسات الدولة".

وشرح الدهلكي أن "الحكومة العراقية تدرك حساسية هذا الملف، لذلك فإن أي خطوة بهذا الاتجاه لن تكون سهلة أو سريعة، خصوصاً مع وجود قوى سياسية وفصائل مسلحة ترى أن هذه التحركات قد تستهدف تقليص نفوذ الحشد الشعبي أو إنهاء خصوصيته العسكرية والتنظيمية"، مشدداً على أن "بغداد تحاول الموازنة بين الحفاظ على الاستقرار الداخلي وعدم الدخول في صدام مع الفصائل من جهة، والاستجابة للضغوط الأميركية والدولية من جهة أخرى، لا سيما أن ملف السلاح والفصائل أصبح جزءاً أساسياً من طبيعة العلاقة بين العراق والمجتمع الدولي".


يُذكر أن "الإطار التنسيقي"، أعلن أمس الأربعاء (21 مايو/أيار الحالي)، أنه سيمضي باستكمال التشكيلة الوزارية لرئيس الحكومة علي الزيدي بعد عطلة عيد الأضحى (يصادف في 27 مايو)، وذلك بعد اجتماع "هام وطارئ" عقده في بغداد بحضور الزيدي.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

628 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع