تيه الجنوب / الجزء الرابع عشر والأخير: اجتياز الحدود

تيه الجنوب / الجزء الرابع عشر والأخير: اجتياز الحدود

سأوصلكَ بنفسي الى الخط السريع، الى نقطة تدخل منها الصحراء المعروفة بالتيه، وأعود الى أهلي، من حيث أتيت لأقص عليهم ألم الخشية من حصول التيه، ومن سرف دبابات قيل انطلقت من وحدات مختلفة للحرس الجمهوري شرعت من بغداد، قالها مازن قبل وضع أقدامنا في سيارة الكوريلا سفينة النجاة مع بداية الصباح. قلت:
- الخط السريع ليس بعيد، والوصول اليه بات واضحاً في عقلي وضوح الشمس، وسهلاً بعد التنقل عليه رواحاً ومجيئاً عدة مرات جعلتني عارفاً كل مطباته والشقوق والعلامات التي أزالها العساكر الذاهبون الى الحروب يتمنون النصر، والآتون منها موجوعون لعدم تحقيقهم النصر.
قدرت الوقت ساعة تكفي زمناً، لإيصالنا الى المنفذ المثبت على المخطط وحيداً لدخول الصحراء، تضاعفت الساعة مرتين فأصبحت ثلاث، بسبب إيقاف السير على الجزء القريب من قاعدة علي الجوية نتيجة التنقل المكثف للقوات الامريكية في المنطقة.
حل الظهر وكأن حلوله جاء غير متوقعاً، لا أريده وقتاً لدخول الصحراء. ومع هذا لم أعد أفكر بالتوقف عند أنتصاف الطريق، لا أحب الحلول الوسط، فدخلت جوفها المفتوح من جهة تل اللحم، نقطة وضعتها دالة على المخطط مناسبةً للشروع، وقد ارتسم في عينيّ بعد اجتيازها عشرة أمتار لمعان ابتسامة فكهة. أحسست قدرة فائقة للتغلب على صحراء طالما فكرت في قهرها من أيام الشباب، عندما اضطررت الى عبورها على ظهر حمار برفقة مهرب، عائداً من سوريا الى العراق عام 1956. تذكرت المكان الذي توقفت عنده، وقربة الماء المحمولة على ظهري، والمهرب السوري الذي سلمني بضاعة ثمينة الى آخر عراقي لم يتحرك، ولم يسمح امتطاء حماره ليلاً، الا بعد استلام المبلغ المتفق عليه عشرة دنانير عراقية. تذكرت دوافع الهروب آنذاك والعودة منه كادراً حزبياً نشطاً، قارنتها بدوافع الهروب لهذا اليوم سفيراً سابقاً، ومديراً حالياً، وإصراراً على ترك الوطن الذي يحكمه حزب انتميت اليه مبكراً وقد خان رئيسه أمانة الانتماء، غدر بمن انتمى اليه، فقررت تركه وطن، بلا ميلٍ للعودة اليه من فرط ما أسدى لي من عذابات.
أحسست في هذه اللحظة التي أدخل فيها جوف الصحراء مهموم بويلات المجازفة، من أن عذاباته ما عادت تحزنني، بل حبه الماثل في داخلي.
هكذا تراءت لي الذكرى وتداعياتها، كأني وأنا أستذكر وقائع محاولتي السابقة في اجتياز الصحراء، إنما أمنح نفسي قوة إضافية للسير في طريق المحاولة الجديدة. ضحكتُ على هذا التضاد.
تمتمت كمن يخشى البوح بسر خطير حتى لنفسه:
- سأبلغ الحلم الموعود.
- ماذا؟، قالت أُم شيماء ثم سألت عن مخارج الكلمات غير المسموعة.
رفع زير الحكايات رأسه فتهدلَ منه اللسان، وكاد ينهمر غيث الحكي، فأشعرني حاجة ملحة الى التفريغ من مخزون كبته الملآن، لكني تمنعت عندما أدركت أن اتيانها في هذا الوقت وقبل اكتمال مشروع الحلم بالهروب، سيكون مجرد ملء فراغات تركها الإصرار على تحقيقه في ذاكرتنا المهلهلة، وعندما ألحت أُم شيماء على كسر التمنع قتلاً للوقت الجاثم على صدورنا في هذه الصحراء، قلت في محاولة مني لتلطيف الأجواء:
- لا تشغلي بالك، لقد تذكرتُ شيئا يعود الى ثلاثة عقود ونصف من الزمان، نتيجته مفارقة لا تحصل حتى في الأفلام. كررت عليها القول، ألا تشغل بالها فالعقل مليء بالمفارقات.
بانت السيارة الكورولا التي استبدلت بسيارة الفولفو سفينة نجاة نشطة في ابحارها، شجعتني على دفعها بسرعة جاوزت المائة كيلومتر في الساعة، فتناثرت تربة الارض الرملية، قالبة بإطاراتها النظيفة وجهها الأجرد.
حلقتُ بعينيَّ في مرج السماء المفتوح وامتداد الصحراء، فاصطدمتا ببعض المرتفعات الرملية البسيطة، وقليل من الأشواك. نظرت الى عداد السرعة والمسافة التي قطعتها خلال أربع ساعات، ومع هذا لم الحظ علامات تدل على الطريق المثبت في المخطط، معبداً يؤدي الى نقرة السلمان.
أبو شيماء انتبه، هناك اشارة متقطعة بضياء صادر من جهة اليمين، قالت أُم شيماء، فقللت السرعة الى النصف، لأدقق في النظر صوب الضياء، فتبين لي أنها ناقلة أشخاص مدرعة، تعني إشارتها أمر بالتوقف في المكان الذي نحن فيه.
وقفت في المكان، بقيت جالساً خلف المقود بانتظار ما سيطلبه العسكري الآتي، سيد هذا المكان وجل المنطقة في هذه الحرب. أقترب منا، ظهر من فتحة مدورة في أعلى الناقلة المدرعة، عسكري، من قوات التحالف. أعطى الاشارة بالتوقف على مسافة يمكن من حافاتها تبادل الكلام بالصوت.
كانت السماء قد هدرت بالرعد طوال الليلة الماضية، فأعطت الشمس دفئاً لذيذاً في النهار، وصفاءً ساعد على تمييز الأشخاص والاشارات من بعيد. تأكدت عن قرب أن العسكري القادم الينا من تل على أرضنا العراقية بريطاني. أشار لنا هذا البريطاني إشارة فهمتها إطفاء وجوبي للمحرك، فاعترتني رعشة أحسستها باردة عند إدارة المفتاح باتجاه الإطفاء تنفيذاً للأمر. هممت بالنزول بعد تأكدي توقف المحرك عن الدوران لتبادل الكلام، فتلقيت اشارة أخرى تعني البقاء في داخلها.
سأل الضابط البريطاني بلغة انجليزية بسيطة عن وجهتنا، وقبل أن يحصل على الاجابة المطلوبة، أكد أننا نسير في حقل ألغام غير مؤشر، وأكمل:
- سأسير في ناقلتي هذه أمامكم. اتبعوني بمسافة لا تقل عن المائتي ياردة. سَيّركم يكون على الأثر الذي تتركه إطارات ناقلتي، وإذا ما شاهدتم اختلاف بسيط بقشرة الأرض، يعني احتمالات وجود لغم زرعته القوات العراقية قبل انسحابها.
ترجل من ناقلته، وصف اللغم والعلامات الارضية التي تدل عليه، وأكمل ما بدأه:
- عند مشاهدتك لغماً أو تشك بوجوده على طريقك تَوقفْ في مكانك، سنعود الى معالجته على الفور.
بعد هذه المحاضرة الموجزة وسط رعب التواجد في حقل ألغام سار الضابط بناقلته بطيئاً، توقف بعد ربع ساعة مسير، ترجل من على ظهرها معلناً انتهاء حقل الالغام، وانهم في هذه اللحظة خارجه. كان حقلاً يمتد يميناً أميال عديدة، وكذلك الى الشمال.
سأل بتمعن هذه المرة عن الوجهة التي اليها نريد، اطلع على بعض الأوراق، والنوايا وقليل من تفاصيل الحلم. أمعن النظر في المخطط الذي سرنا على هديه. شك في الاتجاهات التي أوصلتني والعائلة الى هذا المكان، قارن بما عنده من خرائط مثبت عليها توزيع القطعات الحليفة على عموم الأرض العراقية، أكد أن السير هو في الاتجاه الخطأ، وان هناك انحرافاً عن الاتجاه الصحيح بمقدار ثلاثين درجة الى اليمين، هو من تسبب في الابتعاد عن خط السير المقصود بحدود خمسين ميلاً، ثم أكمل حديثه بثقة عالية قائلا:
- ان الاستمرار في السير لساعتين في الاتجاه الذي تسيرون عليه سيوصلكم الى منطقة عين التمر في محافظة كربلاء، التي تتواجد عليها قوات عراقية.
عاود النظر الى المخطط، كأنه يفتش عن سبب لهذا الانحراف. ابتسم بقوة، وهو كذلك يبتسم، أكد بالثقة ذاتها ان المخطط صحيح، وان سبب الانحراف هو اختلاف التقدير الخاص بالمسافة بين الأميال والكيلومترات.
- نعم، ماذا تقول؟.
كرر قوله السابق:
- إن المسافات قد وضعت على المخطط في الأصل بالأميال بحسب النظام الأمريكي، بينما الاستخدام الفعلي على الأرض، والتدقيق على عداد السيارة كان بالكيلومترات، كما هو النظام المعمول به في العراق. ألم يكن هذا صحيحاً؟.
- نعم إنه صحيح بالفعل.
أكمل قوله:
- نحن والأمريكان نتعامل في قياساتنا للمسافات بالأميال، الأمر الذي تسبب في إحداث هذا الانحراف.
من جانبي صَمتُ بدهشة مرة، صمتاً فيه كثير من الحيرة والتوجس، وخفايا أسرار، وعندما فككت قيده سألت عن الحل؟:
- الحل يا سيدي هو التوقف عن السير بذات الاتجاه، لأن الحدود التي تقصدها باتت بعيدة، لا يمكن بلوغها قبل حلول الظلام، كما لا تصح المجازفة بالاستمرار في التنقل ليلاً مع عائلة بينها أطفال، والوقت أقترب من المغيب. ليل صحرائكم خطير، لا أنصح الخوض في تجاربه، أنتم أهل العراق أعرف بغدر صحرائكم.
أحسست وكأن جبلاً من الهموم فوق ظهري بات يحنيه قبل الأوان، وأحسَّت شيماء وكأنها والبنات على حافة منخفض عميق وسط هذه الصحراء اللعينة، يكاد يبتلعهم.
اتكأتُ على جانب السيارة حائراً، في موقف صراع بين المجازفة بمواصلة السير ليلاً بعد تعديل الاتجاه وتجربة أول أمس لم يطويها النسيان، وبين العودة الى نقطة الصفر والبدء من جديد.
أدرك البريطاني صعوبة اتخاذ القرار، وحيرة العودة الى نقطة الصفر، ابتسم الى البنات اللواتي يحملقن بوجهه الأبيض، يتابعن كلماته بقلق بالغ، حاول اعانتنا على اتخاذ القرار الصائب، فقدم مقترحه العودة الى مكان أمين نقضي فيه الليلة، والبدء بالسير من جديد على المخطط بعد تحويل الأميال الى كيلومترات. وعندما تيقين من اقتناعه بالاقتراح أشار الى اتجاه الطريق السريع ناصرية بغداد، وبالذات تل اللحم الذي نعرفه علامة مميزة لنا، ونقطة انطلاق تكررت من عليه أكثر من مرة.
......
كانت ظلال سيارتنا تمتد الى الأمام رويداً كلما اقترب المغيب، وكانت الرمال تتناثر من حولها مسرعة، ويتناثر معها في الافق الفسيح نبات الصبير.
عم السكون، فما عدنا نسمع أصوات كانت تأتينا من قريب أو بعيد. بجوارنا كاد المغيب أن يكتمل في نصف المسافة الى تل اللحم، وكلما اقتربنا منه يستوي على السماء احمرار شفيق يعطي أمل، ويصيّر الهواء أكثر برودة وأزكى رائحة.
ها هو تل اللحم، قلتها مدركاً أن ليله كئيب، وان الصمت يخيم في ربوعه مع التحام ظلمة الليل فيزيده وحشة. البيوت الطينية والأخرى الخشبية باتت مختلفة عن الليلة التي مررنا بها قبل يومين، كأن أهلها قد غادروها. لم تعد مسكونة، ولم يعد الشباب يلهون في باحاتها الواسعة كما كانوا قبل الحرب، كأنها أصبحت مرتعاً لتلك الأشباح القادمة من الصحراء مع بدايات الليل. محطة الوقود الوحيدة مقفلة كما هي منذ يومين وما زالت كذلك، قدّمَ إقفالها اضطراراً فرصاً جيدة لبعض الباعة الحالمين بتطوير تجارتهم من تهريب الوقود، والانتقال الى مصافِ الأغنياء. لم لا؟، والتاريخ القريب يشجع الحالمين ليكونوا أغنياء، حتى إن كثيراً من أغنياء العراق الجدد هم تجار حروبه التي أغنى وقوعها فقراء وأفقر أغنياء، وسحق الواقفين وسطهم من الموظفين والاساتذة والعلماء.
لكن باعة تل اللحم مختلفون، لا يمكنهم تحقيق حلم الغنى، بدايتهم كانت ساذجة، تأسست على مزج الماء بالوقود.
البيوت الخشبية المبعثرة بعضها متروك، قليل منها حافظت على شبابيكها وأبوابها، وعلى مواقعها التي كانت عليها قبل يومين. شعرت بوقوفي أمام إحداها بنثيث من كآبة انفعالية عبرت من داخلي مثل غيمة راعدة، وابقت عيناي تحرثان في بحر الصمت والظلام، خشية ان لا أجد مكاناً للبنات، وحصول اعتداء علينا في هذا الليل الموحش.
طرقت الباب التي صمدت باقية على حالها، تأكدت من عدم وجود أحد في الداخل. أعطيت العائلة إشارة النزول من السيارة والبدء بالتنظيف وتهيئته للمبيت، ليلة واحدة قد تكون الأخيرة لهم في هذه التجربة المريرة.
اشترك الجميع في حملة تنظيف لم تستمر طويلاً، فالبيت عبارة عن غرفة واحدة بمساحة لا تزيد عن عشرين متراً مربعاً. وضعوا على أرضه الخشبية أفرشة بسيطة كانت معنا، فشدهم الى دواخلهم التعب وارهاق المجازفة في السير بالاتجاه غير الصحيح، وإعياء الملامة والخوف من المجهول، وكذلك من أشباح الصحراء، ليغطوا في النوم دون تناول العشاء.
حاولت قتل الوقت بالاستماع الى نشرات الأخبار العابرة من المذياع الخاص بالسيارة حتى لم أعد راغباً برفع أصابعي من على مزولة الدلالة الخاصة بالإذاعات العالمية، كمن يفتش عن أمل ولو بسيط ينبئه بتأخر هجوم مقابل تعد له قوات الحرس الجمهوري على الناصرية وعموم الجنوب العراقي، يعطي الفرصة اضافية للبدء من جديد، وخوض تجربة العبور الثالثة للحدود. وكنت بين النشرة والنشرة أهم باسترجاع بعض الأفكار التي قاومت آليات الاسترجاع من اللاشعور، عساها تبقيني واعياً أصارع النعاس حارساً لهذه السيارة أو لسفينة النجاة الوحيدة، لا أريد خسارتها على يد أحد السراق المتربصين، ولا أريد انتهاء المشروع وتبدد الحلم الذي عشت من أجله ست سنوات. أعطاني الاحباط عزماً إضافياً، وأبعدني التوارد المتوالي للأفكار عن الاستسلام الى النوم، وادخلتني الذاكرة في نفق الزمن البعيد الى ليلة ذهبت فيها قبل عام من الآن الى بيت العقيد سرمد، زميلي في السجن وفي الفوج المظلي الأول. تذكرت خطوات دخولي بيته في الأعظمية كأني أسمع وقعها، وطلبي منه الخروج الى الحديقة التي شاخت أشجارها من الاهمال، لمناقشة أمر هام يتعلق بمصير البلد. تذكرت كذلك جميع التفاصيل والاستجابات، ورد سرمد الذي جاء بصيغة سؤال:
- ما هو الأمر الهام الذي جاء بك في هذه الساعة من الليل ؟.
قلت:
- العودة الى العمل السياسي السري بالضد من الرئيس، وحدنا الحزبيون المتخرجون من أبو غريب، قادرون على تجميع باقي الحزبيين الخيرين والوقوف بوجهه.
رد يومها سائلاً:
- عن أي عمل سياسي تتكلم والرئيس مد أنفه في أحشائنا؟.
- أية سياسة هذه التي يحاول كل من في مركبها التجذيف على مزاجه، ويريد كل من جلس في مقصورة قيادتها أن يصفق له بعد كل كلمة ينطقها، ويضع كل حارس من حراسها في حجرة بندقيته رصاصة، مستعداً أن يطلقها على رأس من لم يصفق.
- هل نسيت ما حل بنا ونحن لم نعمل شيئا بالضد من وجوده؟.
- ماذا سيعمل لو وصلته أخبارنا؟.
لم ينتظر مني الجواب، إذ أجاب هو عن كل أسئلته قائلاً:
- سيبيد عوائلنا هذه المرة. ألم تفكر بالبنات اللواتي أنجبتهن؟. سأحسب أني لم أسمع شيئاً.
توقف قليلاً عن الكلام وقد تجمع ألم السنين التي قضاها في أبو غريب من حوله، كمن يريد استعادة تركيزه ليقول شيئا مهماً. نجح أخيراً في استعادته عاملاً مساعداً لإكمال كلامه:
- لقد أخذت المخابرات ولدي زيد من بيتي يوم أمس ولم يعد حتى الآن. لقد اقتادته مفرزة على رأسها چاسب. لم أنسَ هذا الوحش الكاسر، وذاك الغموض في داخله والقسوة، ووقع الضرب على الظهر التي لم يحسنها رجل مخابرات قبله. ولم أنسَ كل ضربة منه يوم كانت تدخلني في نوبة صرع هستيري، أعتقد صعوبة الخروج منها، وعندما أخرج أصلي كي لا أعود اليها ثانية، لكنه يعيدني قسراً، وأزيدك علماً أني أعيش لحظات العذاب ذاتها. مازالت عصاه توجعني حتى في المنام. أي مفارقة هذه، التي سيتحمل فيها الابن ذنوب أب لم يرتكبها في الأصل؟.
- آه ربي سيواجه العذاب الذي واجهت. كم أتمنى لو لم أغادر أبو غريب ليحول بقائي في الزنزانة دون دخوله اليها. ما الذنب الذي أرتكبه سوى أنه ابن سرمد السجين السابق في ذاك السجن الذي كان يحوي عشرات الالاف من المشتبه بهم والذين يتواجد بينهم آلاف من الأبرياء، اذ لا وقت لأجهزة الحكومة المشغولة بالحرب التدقيق في التهم الموجهة لهم، ولا الى محاكمتهم، بعد أن وضعت النجاة من الحرب التي دخلتها لاعتبارات شخصية همها الوحيد، وكذلك تثبيت حكم من أمر بدخولها؟.
- هل هذه عدالة ؟.
- لا أستطيع استيعاب مجيئك هذا اليوم لاهثاً مثل عداء خاسر، وفوق لهاثك الناشف هذا تريد إعادة تاريخ أسود في حياتنا. إنهم يا سيدي لم يتركونا بحالنا وإن تركناهم. ثم ان الحزب حسب قناعتي قد أستُخدمَ أداة هدم سلمت الى شخص الرئيس، فاستخدمها بامتياز. أمر غريب وبعد كل هذه الأحداث والخبرات تأتيني مدفوعاً بانفعال أهوج، وراء عمل في الحزب ذاته، والمبادئ والأفكار ذاتها. كيف تأتيني بهذه الساعة وتعرف جيداً أنهم يراقبون حتى أنفاسنا؟. وفوق هذا تطلب العودة الى العمل السياسي بالضد من وحوش، بَنَت مواقعها بطريقة لا يمكن الاقتراب منها عراقياً، ولا حتى اقليمياً. آه لو تعرف ما بداخلي؟.
لم أكمل باقي المشهد الذي تداعى من سطح الذاكرة مثل فيلم وثائقي مسجل بدقة، وبان من أمامي مشهداً آخر واقعياً هذه المرة، ألحظ فيه رجل يتجه صوب السيارة، شاهراً سلاحه بهيئة ثائر، لباسه المدني والكوفية التي وضعها على رقبته، وان كان ملتحيا تعطيه انطباع أنه ليس من بين المنتفضين المتدينين.
اقترب مسافة تكفي لسماع السلام الذي ألقاه وسأل:
- لمَ التواجد هنا في هذا الليل الموحش؟.
وضعت قبضتي على العصا (التوثية) التي كانت سلاحي الوحيد للدفاع، وهممت بالترجل من سيارتي، ومعها قلت:
- أني عابر سبيل وعائلتي، حل علينا الليل في دياركم هذه، لم يكن لنا من بد سوى الانتظار، فوجدنا مكاناً لنا حتى الصباح، عساه يأتي لنغادر دون عودة هذه المرة.
بدا صوتي لهذا الرجل القادم، كأنه مألوف، فأرخى قبضته من على السلاح، وحث الخطى ليتقرب أكثر وبسرعة أكبر، كمن يريد تمييز صاحب الصوت ليؤكد ظنه، ومن جهتي أكملت خطوة الترجل منتصباً مستعداً للدفاع، هززت العصا، اتخذت وضعاً اعتقدت أنه يمكنني من تفادي هجمة لمسلح ببندقية لم يستخدمها حتى اللحظة، وعندما أقترب وبان شكلي واضحاً قال:
- من؟... أبو شيماء.
- نعم هو أنا، وسألته ألم تكن أنت الرفيق ماجد مسؤول الحزب الشيوعي في المنطقة، ومن ثوار الانتفاضة الذي نظمناه في المدرسة ؟.
- نعم هو أنا. ثم انحنى ليعانقني وسط المسافة التي كونها الحذر بيني وبينه.
أعاد سؤاله عن أسباب التواجد هنا وفي هذا الوقت، بصيغة أخرى تنم عن قدر من التعاطف والاستغراب، دفعاني الى شرح محاولة العبور الفاشلة للحدود مرتين.
من جانبه قال دعنا من هذا الآن، وتعال معي الى بيتنا الخشبي الذي على يمينك، بغية الاستراحة، وبالمرة التعرف على رفاق جئنا سوية بمهمة اصطياد القادة البعثيين الهاربين من مواقعهم، حتى اننا وعند مشاهدتنا سيارتك الكوريلا المعروفة بعائديتها الى الحزبيين من أعضاء الشعب، وضعناك واياها هدفاً ثميناً للصيد. ثم غيّر حديثه قائلاً، تعال لتشرب الشاي، ومن بعده عد الى عائلتك لتأخذ قسطاً من الراحة، وسنقوم نحن بحراسة السيارة، لا تقلق فهي وأنتم بحمايتنا الآن.
قبل خطوات من بيتهم الخشبي حاول تلطيف الأجواء بالقول:
- ألم تر كم هي المفارقة عجيبة، نحن الشيوعيون نحميكم أنتم البعثيون، وحزبكم أحل ذبحنا بطريقة بشعة منذ مجيئه الى الحكم أول مرة عام 1963، وما زال ينحر رقاب رفاقنا كلما تمكن من أحدهم.
أكمل كلامه، فخشي من سوء الفهم، حاول حرف الحديث بالقول ولو أنك لم تعد بعثياً، ولا يمكن عدك من البعثيين.
........
بدأتُ نشيطاً كالعادة، البدلة الكاملة، وربطة العنق الزرقاء، وسيجارة الكنت أخذت مكانها في الفم، دققتُ في وضع السيارة ماراً على الإطارات، ومياه التبريد وزيت المحرك، في الوقت الذي احتلت فيه البنات أماكنهن في داخلها، يتأملن معي أن تُكمل مهمتها سفينة نجاة، فتكرار الفشل احباط قد لا يخرج المحبط من حاله بسلام.
تثاءبت نجلاء. دعكت عينيها بكلتا يديها، وكأنها لم تشبع حاجتها الى النوم، فالساعة لم تبلغ السابعة صباحاً، حيث البدء بهذه المحاولة الثالثة التي أردتها مبكرة، على غير العادة التي جرت متأخرة نسبياً في المحاولتين السابقتين. تذكرتُ الشباب صائدي القادة الحزبيين، فذهبت الى مكانهم، وأنا أودعهم، شاكراً موقفهم وحراستهم سفينتنا، قلت:
- سوف لن تجدون ما تصطادونه، فالطرائد على هذه الأرض تتلون كالحرباء، والصيادون وأنتم منهم لم يتعودوا الانتظار، طريقتكم هذه فيها قدر من الانتقام، والانتقام بحد ذاته فعل يجر الى مثيله، وهكذا ستبقون بحال من الدوران في محيط دائرة مغلقة نتيجتها خسارة لكل أهل البلاد.
رد السيد ماجد:
- لقد حضرنا الى هذا المكان وفي داخلنا جزع، عملنا لمدة طويلة تحت الأرض أفقدتنا القدرة على الانتظار، وجدنا في الصيد فرصة مناسبة لأن نظهر، ونخرج محتويات معاناة ثلاثين سنة من البطش وكأننا لسنا من أهل الأرض. ثم ليس لدينا ما نخسره، بعد خسارتنا الوطن الذي نريده حراً، شعبه سعيد.
توقف عن الكلام برهة وسأل:
ـ ألم يكن خروجك منه في يوم مثل هذا خسارة؟.
ثم أجاب بنفسه على السؤال:
ـ توكل وسنتذكرك واحدا منا خسرناه في غفلة من هذا الزمن الصعب.
عدت الى سيارتي حاملاً عجز عن الرد وحيرة كلام كان صحيحاً، في داخلي تصميم لأن أكمل المشوار، ليس لأنه صحيح، بل هروب من غير الصحيح وفشل في اصلاحه. وضعتُ المخطط في الجهة المقابلة لمقود السيارة الذي أجلس خلفه بعد تحويل الأميال الى كيلومترات، لا اريد تكرار الخطأ هذه المرة، فالوقت لا يسمح بالتكرار، والبنات اللاتي سايرن المشروع من دون أي سؤال، أحس وكأن في عقولهن ألف سؤال، وكأن التكرار الحاصل للمحاولات جعل حركة الزمن من أمامهن بطيئة، لابد من تسريع وقعها لتفادى سيل الأسئلة، التي لا اريد سماعها قبل خط الحدود.
انطلقت سريعاً، فتطايرت رمال الصحراء من خلفنا عالية، مكونة سحابة غبار تشاهد من المتبقين في تل اللحم ومن صائدي الحزبيين الكامنين، مشفوعة بدعاء العبور، وتحقيق الحلم الموعود.
بانت المسافة شاسعة بين تل اللحم وبين طريق فرجينيا الذي رسمه العقيد برادلي آمر كتيبة الاستطلاع في اللقاء الأول، خلال المحاولة الاولى التي سجلت فاشلة، طريق معبد بالإسفلت كما ثُبت على المخطط ذاته، يمتد الى قضاء السلمان المعروفة بسجنها المشهور، معزولاً عن العالم من أيام الملكية، أعرفُ أن من يصله سالماً يضمن اجتياز الحدود بأمان، ويعرف العقيد برادلي هذا جيداً كما اشار وأكد أنه، والمنطقة المحيطة به مؤمنة من جيوش الحلفاء.
كان السكون رهبة آسرة، لم تجد عيناي خلال السير في طريقه من علامات، ومثيرات قادرة على تقليل الاحساس بالأسى الذي ارتسم على وجوه الجميع، ولا قادرة أيضاً على طرد فكرة الاشباح التي تتخيلها نجلاء تقيم أعشاشاً لها وسط الصحراء. صخب المحرك وحده كان قادراً على كسر السكون الماثل في الصحراء، لكنه ومن نواحٍ أخرى، خلقَ أجواء استماع رتيبة، زادت من شعورٍ تَلَبسنا، من أننا موجودون في قفصٍ، قضبانه تركيبة من القلق والخوف.
ساعتان من السير السريع على المخطط المرسوم، تُظهر تلاً في القريب، تعكس أشعة الشمس الساقطة على زجاج عجلة عسكرية تتخذه موضعاً للرصد، ضياءً متقطعاً أو ومضة ضياء مشع يمكن مشاهدتها بوضوح. تجرأت خطوات نحوه. أية سكينة وَضعت عباءتها على جسدٍ يرتجف هماً، وأي أمان حل سريعاً مثل غيم ماطر بعد عطاش. قلت سأتوجه اليه موقعاً عسكرياً على ما يبدو، سأتأكد من صحة السير بالاتجاه المطلوب، قلتها ويديّ على مقود السيارة تمسكان به بشدة، كمن يخاف فقدانه.
كان التل موقع رصد، تقيم وسطه الناقلة المدرعة موضعاً لها، ظهر جالس على مقدمتها عسكري يتأمل الطبيعة المشمسة، دقق في السيارة القادمة وركابها. أعطى اشارة التوقف. ترجل من فوق ناقلته، تبين قيافته الميدانية أنه أمريكي، قدم نفسه الملازم جون آدمز.
كررت قصة التيه في المرتين السابقتين، والخشية من حصول الثالثة، طلبت المساعدة في تدقيق الاتجاه، وكانت أول مبادرة منه وفي أثناء تناوله المخطط، تسليمنا قنينتي ماء أنعشتنا نفسياً، فالماء بهذه الصحراء حياة، والحفاظ عليه لازم لديمومة الحياة، فشعرنا لحظتها أن احتياطينا من الماء قد تعزز إيذانا بالمحافظة على الحياة.
ألقى جون نظرة على الاتجاه والعلامات الدالة والمسافات المثبتة عليه، أكد صحتها ودقة الاتجاه الى طريق فرجينيا ليس البعيد عن التل الذي نقف بمحاذاته، وأكد كذلك أن الوصول اليه بهذه السيارة صعب وقد يكون ضرب من المستحيل لوجود كثبان رملية متحركة، تضع الانسان في حال الضياع الحتمي للاتجاه الصحيح، إذا لم يملك (قنباصاً) لضبط الاتجاه. فسأل:
- هل تملكون قنباص؟. فأجبت:
- لا نملكه، نسير فقط على المخطط، وعلى موقع الشمس الذي أضعه على شمالي والسير بخط مستقيم. فقال:
- إذا أرت ضمان الوصول الى الطريق، لا بد وأن تترك فكرة السير باتجاه مستقيم، عليك المناورة من جانب الكثبان، وهي مخاطرة قد تضيع فيها الاتجاه.
أخذ ثوان للتفكير بأمر ما، ثم طلب الانتظار دقيقة واحدة لأجراء اتصال من جهاز الناقلة اللاسلكي. أومأ من بعده في أن نتبع ناقلته في سيرها. توقف بعد عشرة دقائق عند حافة السراب الذي رأيته من قبل وصولي التل، وكأنه بحيرة وسط الصحراء، تبين أنها ليست بحيرة، ولم تكن شواهدها سراب، إنها خزانات وقود عملاقة، نُصبت على الأرض لتزويد الجهد الآلي الحليف في المنطقة بالوقود. أشار بالتقدم صوب أحد المضخات الكهربائية لملء خزان السيارة بالوقود، بعدها جلب صندوق مملوء بقناني الماء، وبعض المشروبات الغازية من العريف الذي يدير المضخة. أعاد الرجاء متابعة الناقلة بهدف الوصول الى طريق فرجينيا الذي توقفنا عنده بعد نصف ساعة قائلاً:
- هذا هو الطريق المقصود، هناك نقاط سيطرة عسكرية لقوات التحالف ستجدها على طوله، ضرورة الالتزام بالسير عليه ضمانة وحيدة للوصول الى خط الحدود ثم أومأ بإشارة وداع تغلفها ابتسامة نجاح.
......
ظَهرت السيطرة الأولى بعد ساعة من السير الآمن، يقف عندها عسكريون تشير علامات قيافتهم أنهم فرنسيون، على يمينهم مجموعة سيارات عراقية لم يغادرها أصحابها بأوامر صدرت إليهم من أفراد السيطرة ذاتها.
أوقفت سيارتي بمسافة عن العسكري الفرنسي لا تقل عن العشرة أمتار، ترجلتُ منها وسرت باتجاهه، أول عمل قمت به القاء السلام بكلمات تذكرتها فرنسية، بَقيَتْ عالقة في مخيلتي منذ الاشتغال في باريس ملحقاً عسكرياً، قبل احد عشر عاماً، استجاب لها الجندي الفرنسي بابتسامة رضا، سأل:
- من أين لك هذه الكلمات الفرنسية؟.
اخرجتُ هوية الاقامة الصادرة من الجهات الفرنسية ابان تلك الخدمة، فشعر بقدر من الارتياح. أدى التحية العسكرية نشطةً، سمح بالمرور، مع مشورة بضرورة إبقاء السير على هذا الطريق المكسو بالإسفلت لمسافة أربعين كيلو متراً، في نهايته تنتهي حدود العراق، وتبدأ الأراضي السعودية، ثم أعاد الايضاح:
- نقطة الحدود هي انتهاء الاكساء الاسفلتي بالضبط.
تحركت عدة أمتار فتملكني شعور أعادني، من أوهام الخيال التي اعتدت الغرق بها مداراة لحالي طوال الطريق، الى واقع حياة. تأملت فيه وجه البنات اللواتي بدأ الشحوب يغادر وجناتهن، وعاود الدم التدفق فيها من جديد. ومن دون سيطرة مني على منحى الذاكرة حضرت صور الزملاء في القاطع الخاص، تمنيت وجودهم معي الآن، وفي هذه اللحظة المميزة من عمر توقف العد في سنيه يوم دخول ذلك القاطع اللعين، ترحمتُ على من مات غدراً حسب أوامر السلطان وتوجيهاته. مرت من أمامي خيالات صور لمرتضى وحامد وصالح وآخرين، وكذلك محمد صبري الحديثي ميتاً على أرض الممر، تنبهت فجأة الى يدي نجلاء الناعمتين تلعبان بشعري من الخلف، وكأنها تتعمد إعادتي الى الوعي، وكإثبات لهذه العودة القصدية فتحت مذياع السيارة، فكان مثبتاً على اذاعة مونت كارلو، وكانت تقدم موجزاً للأنباء خبره الأول شروع قوات الحرس الجمهوري بالتقدم من عدة محاور باتجاه المحافظات الوسطى والجنوبية، والثاني إيضاح من أنها قد اجتازت في محورها الوسطي محافظة بابل برتل يتجه صوب الديوانية فالسماوة، ورتل آخر في المحور الشرقي اجتاز محافظة واسط، تقترب وحداته من الناصرية متجهة الى قضاء سوق الشيوخ ستدخله هذه الليلة. فصرخت دون سيطرة مني على مخارج الكلمات:
- يا إلهي ماذا سيحل بمازن وعائلته وباقي الثوار المنتفضين؟. كيف سيصمدون وأين سيتوجهون؟.
أخذتنا مشاهد الحسرة على أهل سوق الشيوخ يميناً وشمالاً، كمن يتأرجح في فراغ، حتى تنبهت الى نهاية الطريق المكسو بالإسفلت وبداية آخر من التراب. تذكرت كلام الضابط الأمريكي، وايضاح الآخر الفرنسي من أن النهاية هنا إشارة لبداية الحدود السعودية هناك. أحسست اللحظة زمناً أشرق من جديد، كَذبتُ احساسي بالزمن، التفتُّ صوب الشمس رأيتها تدخل محاقاً تكسوه الصفرة المحمرة، كأنها تودع من تابعها متوجساً طول النهار، صاحَبها مطر نزل من غيمات متفرقة نثاً في هذه اللحظة وفي هذا المكان، أعطى الأرض لوناً خاصاً عند انتهاء الطريق المعبد في اشارة الى مغادرة أرض العراق، من دون علامات عادة ما تميز نقاط الحدود.
كان الوقت قد فقد تأثيره المقلق، والانتظار المتحرك على بساط الصحراء تحول الى خفقات قلوب، ومشاعر زهو بالإنجاز. لم يعد الصمت مرعباً لهذا السير الذي جمع بين الصباح والظهيرة وقليل من المغيب، وبين تناول قطع خبز يابسة، وقضاء حاجة في عجالة خلف كومة رمال. الوقوف في المكان وابقاء الأيدي ماسكة بمقود السيارة الكورولا، كان لازما للخروج من تيه الإحساس، ولتأكيد الخروج أعدت النظر الى الشمس، كمن يريد التأكد أنه المغيب وليس الشروق. كررت المحاولة لإتمام الخروج من تناقضات الاحساس، ومن الصدمة التي كونّها النجاح لهذه المحاولة الثالثة باجتياز الحدود، وبعد التأكد من الخروج كلمت نفسي كلاماً لم يسمعه أحد سواي:
هنا انتهى الهم الذي رافق نفسي القلقة ست سنوات، وبدل منه برزت ذكرى أول ضربة أتلقاها في أبو غريب، وذاك البؤس الذي انتابني من وقعها، والشعور بخسارة شيء، تبين لي هنا أن ذاك الشيء هو الوطن.
هنا وفي هذا المكان البعيد، الخالي من العلامات، ومن المخلوقات تحقق حلم لي بترك الوطن الذي احبه. الحلم الذي انتظرته بشوق وحنين، لتفريغ ما في جعبتي من هموم وآهات.
هنا انتهت خشيتي من الموت، وخوفي من السلطان، وخبث القريبين من عرشه.
هنا أشعر كأني لم أدخل الصحراء هرباً من احتمالات العودة الى أبو غريب ثانية، بل لإبلاغ السلطان رفضي طريقته في الحكم، وارتيابه من الرفاق المخلصين.
سأبدأ من هنا حياة بلا قلق ولا أسرار، ولا خوف من العود مرة أخرى الى زنزانات السجن اللعين.
وبعد آخر كلمة قلتها، استغربت هذا الشعور الذي سيطر على نفسي المتوترة، في بقعة أرض يبتعد فيها الانسان عن حافة الوطن بما لا يزيد عن المترين، فشعرت باختلاط المشاعر بالانفعالات التي أواجهها للمرة الأولى عند اجتيازي العراق واقفا عنه بمترين، قلت هل يعقل أن مترين فقط يمكن أن تغير وجه حياتي والعائلة معاً.
ضحكت بشدة، وبكيت بقوة، حيث لم تعد هناك مسافة بين الضحك غبطة من تحقيق الحلم الموعود، وبين البكاء حسرة على وطن لا تبدو العودة اليه في القريب. ولم يعد هناك فارق بين الفرح من هذا الانجاز بعد محاولتين فاشلتين كادت تودي بحياتنا طعماً سهلاً لأشباح الصحراء، وبين الغضب من نفسٍ تركت وطناً، ومن وطن قتل النفس قبل دخولها تجربة اجتياز الصحراء.
عند هذا الحد من تناقض المشاعر والانفعالات، ارتفعت يداي من على المقود لا إرادياً، لم أكلم أحداً من الذين شاركوني المحاولات الثلاث، فتحت باب السيارة، ثم أعدت غلقها، كمن تذكر أمراً ما، أعدت تشغيلها، سرت بها سفينة أثبتت قدرتها على النجاة عشرة أمتار، ثم أوقفتها ثانية بمكان ضل خط الحدود الوهمي خلفها بهذا المقدار. حركة لم أجد لها تفسيراً فيما بعد، سوى كونها تتعلق ببقايا الخوف الذي كان مترسباً في خلايا العقل عن رجال السلطة، واحتمالات وجود أحدهم في المكان أو آخر كان يتابعنا لابساً طاقية إخفاء لا تكفي المترين عن منعه من اعادتنا الى السجن الكبير.
ترجلتُ مضطرباً بسبب تلك المخاوف والشكوك والأوهام، وكذلك بسبب تناقضات الانفعال، كأني في وضع أبدو فيه غير مسيطر على نفسي المتوترة. اتجهت الى حافة الطريق، فهوت أكفي على أكوام حصى فصلتها حرارة الصيف عن خليطها من الاسفلت. جَمعتْ منها حفنة، مثل حجيج يجمعون قرينات لها من وادي منى. وقفت على حافة هذا الطريق الترابية، قدماي خانتهما الجرأة لأن يقفا خارج نقطة الفصل بين الدولتين المؤشرة بنهاية الاسفلت، وقد بانت لي وكأنها نقطة فصل بين الموت، وبين الحياة. بين العيش كتماً للأنفاس، وبين التمتع بالحرية من دون قيود.
بدأت رمي الحصى باتجاه الوطن الذي خرجت منه تواً، كمن يرجم الشيطان أو يرجم صداقات لكبار القوم يمثل بعضهم روح الشيطان، وربما قصدت رجم العراق الذي اعتقدت خدمته بالانتماء الى الحزب وعدم قدرته وطناً للحيلولة دون معاقبتي على تهمة غير موجودة في الأصل. وقد يكون لا هذا ولا ذاك، بل عود غير مسيطر عليه الى تقاليد قديمة عند العراقيين عندما يرمي الراغب في ترك المكان الذي لا يود العودة اليه، سبع حجارات باتجاهه كي لا يعود اليه ثانية بأي حال من الأحوال. أو ان الرجم سلوك جاء من اختلاط تلك الرموز مع بعضها البعض لتمثل صورة نمطية للشيطان. كل الاحتمالات جاءت واردة في هذه اللحظة، وهذا المكان.
توقفت قليلاً، حوّلت ترنيمة اللعن الى صيغة عتاب على أهلي في العراق، لما فعلوه بعراقهم وبأنفسهم طوال تاريخهم الطويل. حاولت تذكر بعض أجزاء من خطبة الامام علي في أهل العراق، فشلت بسبب سدود أقامها الانفعال عَوَقتْ من سيل التفكير والتذكر. عندها عاودت الرجم مصحوباً باللعنة التي امتدت قائمتها طويلة من صديقي الرئيس الذي يشبه الشيطان، الى چاسب آخر أعوان الشيطان أو الصورة المستنسخة عن الشيطان، كأني وُضعتُ رغماً عني في موقف هستيري غير قادر من السيطرة على السلوك المتداخل في مجاله اللعن والرجم والعتاب الى أن نزلت أُم شيماء متعجبة من هذا الموقف الذي لم تشهده طوال الفترة التي قضتها معي ثلاثة عقود زواج، اذ لم يسبق لها أن شهدت فقدان السيطرة على المشاعر مثل هذه المرة، حتى قَلِقت من حصول أمر ما، قد يبقيها نادمة على مطاوعتي السعي الى تحقيق حلمنا بمغادرة البلاد.
اقتَربَت لتكون بمسافة أحس وجودها، جاءت عينيّ بعينيها المضمختين بالدموع، وهي تنكشف على وجنتيها الجميلتين تاركةً أثرين واضحين بسبب تراكم الغبار، كأنهما جدولان اقتربا من الجفاف.
مسكت يدي التي ترمي الحجارة، وبعد أن تأكدت من التنبه لوجودها ملاصقة لي، حاولتْ تهدئتي وعندما يئست، سألتني:
- لم كل هذا؟.
قلت:
- أني صرت إنساناً آخر، أنا لست شامل الذي كنته، نصفي الآن إنسان أعرفه، ونصفي الآخر مجهول لا أحسه ولا أعرفه.
فأكملت عتبها قائلة:
- ألم يكن الوطن غايتك في النضال طوال الحياة؟. الم تشبع مسامعي مرات ومرات، أن هذا الوطن باق وانكَ قد نذرت حياتك من أجل البقاء؟. ما لذي تغير هنا والآن؟. أجبت وقد نزلت الدموع من عينيَّ بغزارة:
- أنا الذي تغيرت، لقد غيروني غصباً عني في السنوات التي غبتها عنكم مسجوناً في أبو غريب اللعين، لم اشأ النطق بكلمة واحدة عما أصابني طوالها، لقد منعوني من النطق، وحذروني من الهمس في غرفة النوم التي وضعوا فيها أجهزة تسجيل، وهددوني بمصير أسود يطالك حبيبتي، والبنات فيما لو نطقت، فصار رأسي صندوق موصد على كائنات أبو غريب وخيالات شخوصه الوهمية. لقد عشت كل السنوات الست بعد إطلاق سراحي أكبت مشاعري، أمنع الكلمات التي تحاول الخروج مني، أحمد الله أني قد أمسكت بها مراراً في آخر مرحلة لها قبل الخروج. عشت خرساً، أخاف إفشاء أسراري عن طريق حلم عابر أو كابوس مرعب. هكذا عشت سجيناً، وسجاناً في الوقت ذاته. سجاناً لنفسي بأمر من الصديق الذي رافقته عشرون عاماً، لقد أجبرني وشياطينه المنتشرون في كل مكان على سجنها في صندوق حديدي لا تخرج منه الاسرار.
ـ دعيني أُخرج ما بداخلي، أُفرغ ما بالصندوق بعد أن فتحته الأقدار هنا في هذا المكان بعيداً عن الشيطان، وأعوان الشيطان.
- دعيني أرجم الطغاة، والأفاقين بنار الحصى التي جمعتها، واللعنة التي أعرفها حتى يهلكون.
ـ صدقيني سيهلكون، ستهلكهم شكوكهم، وأفعالهم في وقت ليس بعيد من الآن.
مَسَكت يديّ ثانية، وقعت في نوبة بكاء صاخب، لا تريد أن تتركني أسبح في بحور أزمتي، ضَغطَت بقوة كي تسحبني الى الوعي.
لكني ما زلت أهذي بلا وعي عندما قلت:
- أريد البقاء هنا لأفرغ كل المخزون، لم أعد أخاف الموت، ولا البوح بالأسرار.
ولما وجدتني هكذا مازالتُ منفعلاً، فاقداً السيطرة على حالي قالت:
- هذا العراق الذي قضيت جل حياتك تخدم مبادئ حريته، تتأمله وطنا كريماً وأُمة عظيمة.
لماذا هذا كله؟. لا يا عزيزي أبو شيماء، لا يستحق منك الوطن كل هذه العبارات. هذا العراق أكبر مني ومنك ومن كل الرفاق الذين خانوا الرفقة، وتحولوا الى شياطين تغمر الوطن بالدماء. أنا مثلك لم أشأ التكلم في الموضوع، هكذا أفهموني بعد أيام من عودتي، والبنات الى العراق من برلين. لقد أكدوا لي مشاركتك في مؤامرة ضد الحزب، وان المحكمة قد حكمت عليك بالإعدام، وصديقك الرئيس الذي تلعنه الآن قد خفض الحكم سبع سنوات نظير صداقتك له، وخدمة الحزب والثورة.
سكتُ قليلاً، التفتُ إليها ومن ثم الى البنات اللواتي شل انفعالي غير المعهود تفكيرهن، وأعاق امكانية شعورهن بمتعة حل اللغز الخاص بعبور الصحراء، فقلت:
- دعيني أخرج هموم عاشت معي، تنفست مع أنفاسي. انتظريني بالسيارة سأقص عليك الحكاية التي حذروني من النطق بها طوال السنين التي مضت. الآن فقط أشعر بالحرية وأشعر أني قادر على اخباركم بها:
- أن السجن في أبو غريب كان عقوبة فعلٍ لم يكن موجوداً في الأصل. وإن السجانين بينهم الرئيس حرصوا على نفث غلهم حقداً في أجسادنا التي جعلوها حقل تجارب لتمرير الأحقاد. وشكلوها مسخاً يخاف الهواء الذي يتنفسه خارج أسوار البيت، هذا ما دفعني الى وضع الهروب حلماً راودني سنين، وجازفت بتحقيقه اليوم على الرغم من أنني وطوال الطريق لم أشعر أنني وفي جميع محاولاتي لعبور الصحراء، أنني فعلتها هرباً من احتمالات العقاب ثانية، وان كنت لا أنكرها، بل وكل همي ابلاغ الرئيس رفضي أساليبه في ادارة الدولة والمجتمع. دعونا نستمر على هذه الخطى، سوف لن يكون اليوم أحسن من الغد، وسوف لن يكون الغد أحسن من الذي يأتي بعده من أيام. هكذا هو العراق منذ أن بزغ فجر الثورات وأحل فيها الثوار القتل، سبيلاً للحكم والسيطرة على الآهات.
التفتت أُم شيماء الى البنات وعندما وجدت قدراً من الحزن على وجوههن، قالت:
- ماذا نعمل، هذا هو نصيبنا في هذه الدنيا.
سكتُّ قليلاً، وعندما عاد الوعي الى نفسي الحائرة، أشَّرّتُ إشارة تعني الانطلاق صوب السعودية بداية مشوار جديد.

...........انتهت...........

 للراغبين الأطلاع على الجزء السابق:

https://algardenia.com/2014-04-04-19-52-20/thaqafawaadab/71006-2026-03-16-15-26-39.html

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

562 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع