ماذا يحدث في السليمانية؟ هل انتقلت عدوى الاقتتال الداخلي إلى هناك؟ ومن المستفيد من هكذا احداث؟ ولماذا يجب ان نخاف اكثر على وحدة أرض العراق؟

د. سعد ناجي جواد*

ماذا يحدث في السليمانية؟ هل انتقلت عدوى الاقتتال الداخلي إلى هناك؟ ومن المستفيد من هكذا احداث؟ ولماذا يجب ان نخاف اكثر على وحدة أرض العراق؟

ليلة الخميس 21 وفجر الجمعة 22 من الشهر الجاري انفجر الوضع الداخلي في السليمانية (الادارة الثانية في إقليم كردستان العراق) بصورة شبه مفاجئة، خاصة بالنسبة لغير المطلعين على الشؤون الداخلية لإقليم كردستان العراق. جاء الحدث على شكل مواجهات عنيفة نتج عنها سقوط خمسة عشر قتيلا وضعف العدد من الجرحى، نتيجة لاشتباك قوة مسلحة كبيرة نسبيا، (حسب بعض التقارير غير الرسمية: 9 دبابات و15 مدرعة و150 طائرة مسيرة و15 الف عنصر من قوات الكوماندوز الخاصة التابعة الى السيد بافل طالباني، رئيس حزب الإتحاد الوطني الكردستاني –اليكتي وحاكم السليمانية)، مع حماية السيد لاهور شيخ جنكي طالباني، ابن عمه، اثناء محاولة اعتقاله. وسبق ذلك في 10 آب القاء القبض على آرام قادر، الأمين العام السابق لحزب التحالف الوطني، وبعده بيومين (12 آب) اعتقل الإعلامي ورئيس (حركة الجيل الجديد) ساشور عبد الواحد، ( وقيل ان الإجراءات شملت تحديد تحركات رئيس الجمهورية السابق برهم صالح، الذي اتهم بالتحرك مع المعارضين). لكن تبقى عملية إعتقال لاهور جنكي الأكثر تأثيرا على امن ومستقبل الاقليم بصورة عامة وإدارة السليمانية بصورة خاصة.
تفسير ما جرى اختلف من فئة الى اخرى. بالنسبة لبعض المطلعين المتابعين للشأن السياسي الكردي، فان الأمر لم يعدو عن كونه صراع على قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني وعلى حكم السليمانية في داخل عائلة طالباني نفسها. بينما اعتبرت فئة ثانية ساخرة ما جرى على انه جزء من (صراع على المغانم) التي تدرها المناصب الحكومية في عراق اليوم. ولكن حقيقة ما جرى تبقى أعمق بكثير ولها علاقة مباشرة بأمور وصراعات سياسية وبتعدد مراكز النفوذ الإقليمية اولا، وبالصراع على اصوات الناخبين في الإنتخابات القادمة ثانيا. وخير نموذج على السبب الأخير هو إستهداف سكرتير عام حركة الجيل الجديد ساشوار عبد الواحد، الذي قفز بسرعة على الساحة السياسية الكردية ليصبح الحزب الثالث بعد الحزبين الأساسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني، ونجح في إيصال 15 نائبا من اتباعه الى برلمان الإقليم، و10 نواب الى البرلمان العراقي. واصحاب هذا الراي يدعمون رايهم بالقول ان السيد عبد الواحد كان يتجول ويتنقل بحرية في السليمانية، ولم تفكر السلطات بتوجيه تهما له بزعزعة الأمن في المدينة إلا عندما حانت ساعة الإنتخابات القادمة (تشرين الثاني/نوفمبر القادم). اما السبب الآخر فهو ان الحزب كان قد اصدر قبل اسابيع بيانا هاجم فيه إحتكار العائلتين (الطالبانية والبرزانية) الحكم في الاقليم، وطالب بإسقاط الحكومتين في أربيل والسليمانية معتبرا إياهما (غير شرعيتين وتمثلان حكومات عوائل)، ودعا إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني تعمل على اجراء انتخابات ديمقراطية وبدء مفاوضات جدية مع الحكومة المركزية لحل المشاكل العالقة التي تمس حياة مواطني الاقليم.

كما جاء في البداية فان عملية القاء القبض على السيد لاهور شيخ جنكي، تبقى الاكثر حساسية وتأثيرا على امن السليمانية وربما الاقليم، وذلك لعدة اسباب: اولا ان جنكي كان شغل لأكثر من عقدين رئاسة التنظيم المخابراتي الاهم في السليمانية (زانياري)، وفي أعقاب وفاة مؤسس حزب الإتحاد الكردستاني (عمه المرحوم جلال طالباني 2017) اصبح الرئيس المشترك للحزب مع ابن عمه بافل، قبل ان يعمد الأخوين بأفل وقوباد (أولاد طالباني) إلى عزله عن قيادة زانياري وتغيير القيادات الموالية له فيه (2021)، ثم عزله من منصب الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الوطني في نفس العام، لكي يقوم هو بعد ذلك بتشكيل حزبه الخاص (حزب الشعب – الذي فاز بمقعدين في انتخابات 2024). ثانيا بالإضافة الى موقعه الاستخباري والسياسي الذي مكنه من إطلاع على معلومات مهمة كثيرة، فانه استطاع ان يقيم علاقات وثيقة مع قيادات دولية وإقليمية وقادة أجهزة مخابراتية في المنطقة وخارجها. هذه العلاقات تحدث هو عنها على الهواء في اكثر من مقابلة، في محاولة لإظهار قدراته ومكانته، وللتقليل من قدرات ابناء عمه وخاصة بافل. ثالثا انه اقام علاقات متينة مع التنظيمات الكردية المسلحة في سوريا وتركيا، وخاصة حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي يمتلك اعداداً كبيرة من المقاتلين داخل العراق، (وقيل انه قام بتجنيد عدد من أفراد هذا الحزب لصالحه، وهذا ما تسبب في عدم إرتياح تركيا عنه). وذكر هو بنفسه نفوذه داخل التنظيمات الكردية المسلحة الأخرى غير العراقية (خاصة السورية)، وقال في إحدى لقاءاته انه نجح في إقناع قادة التنظيمات الكردية هناك بتغير اسماء احزابهم وإستخدام أسامي عربية، او قريبة من طريقة التفكير العربي، لكي يسهل قبولها في الأوساط العربية التي تعمل ضمنها. كما قام بمنح جوازات سفر وهويات عراقية لعدد غير قليل من اتباع الاحزاب الكردية التركية والسورية. ولعل اكثر ما اقلق الاخوة طالباني هو توجه جنكي بعد عزله نحو إقامة علاقات وثيقة مع السلطة الغريمة في أربيل (العائلة البرانية التي تقود الحزب الديمقراطي الكردستاني)، مما يعني انه اصبح اقرب الى المحور الأمريكي-الإسرائيلي، (وهذا كان سببا مضافا لاستياء ايران منه مع اسباب اخرى سيتم ذكرها لاحقا). فمن المعروف ان النفوذ الإيراني في السليمانية كبير جدا، وبالنسبة لطهران فان تصاعد نفوذ السيد جنكي اصبح يمثل ليس فقط تهديدا لنفوذها هناك، وانما اصبح هو شخصيا بالنسبة لايران ذراع او اداة تخدم الأهداف الأمريكية والإسرائيلية. كما ظهر من يقول ان جنكي، وعن طريق علاقاته مع منظمات إستخباراتية وفصائل مسلحة في المنطقة، عمل على تسهيل دخول عملاء الموساد واجزاء الطائرات المسيرة التي استخدمت في المواجهة بين إيران وجيش الإحتلال الإسرائيلي (13-25 أيار / مايو 2025). وهناك طرف آخر ذكر ان جنكي (عندما كان يشغل مناصبه الرسمية) لعب دورا فاعلا في إغتيال الجنرال قاسم سليماني ورفاقه قرب مطار بغداد في كانون الثاني/يناير 2020، عندما وزع اشخاص من جهاز زانياري الذي كان يراسه في مطار بغداد، بصورة عمال امتعة وشحن، لكي يتعرفوا على سليماني ويقدموا الإحداثيات للقوة التي كانت تترصده. ولهذا ظهر من يقول ان الإطار التنسيقي الموالي لإيران في بغداد رتب إجتماعا للسيد بافل مع قادة من الحرس الثوري الإيراني وقادة من الإطار لكي يدعموا خطته لإنهاء دور جنكي في الإقليم بالكامل.
من جانبها اعلنت السلطات في السليمانية ان إجراءاتها كانت قانونية، وجرت بموجب مذكرات توقيف صادرة
عن محكمة، وان الموقوفين سيحصلون على محاكمة عادلة.
اجراءات سلطات السليمانية تم تبريرها يوم امس عندما نشرت سلطات السليمانية قائمة طويلة من الاتهامات، (اسمتها اعترافات للذين تم القاء القبض عليهم). شملت زعزعة الامن الداخلي واثارة الفتن، (وجرائم) أخرى تشمل اربع محاولات لاغتيال السيد بأفل وشقيقه قوباد، واحدة منها بدس السم وأخرى باستخدام اسلحة مختلفة. وكذلك بالتواطؤ مع اشخاص مقربين من السلطة الثانية في الاقليم (في أربيل)، مع عدم اتهام تلك السلطة بالمشاركة. واتهام لاهور جنكي بالتخطيط لإنقلاب يزيح به ابناء طالباني من الحزب والسلطة ويُلحِق السليمانية بأربيل.
ويبدو ان جميع المعارضين قد استهانوا بقدرات السيد بافل الذي استطاع، بالدعم الايراني الذي يحظى به، ان يفاجئهم بإجراءات اكد فيها سطوته ونفوذه داخل الحزب وفي عموم السليمانية.
ما يثير القلق ان ما جرى في السليمانية يمكن ان يكون بداية لتطورات اخطر في عموم الاقليم، خاصة وان احزاب المعارضة بدأت تشعر بان هيمنة العائلتين اصبحت كبيرة جدا، وانها تقمع الاصوات المعارضة وتحاول ان تطفئ اي امل في انتخابات نزيهة ديمقراطية قادمة، ناهيك عن تفشي الفساد الذي لم تكن محاربته في يوم من الأيام هدف الإدارة في الإقليم، وان توزيع الرواتب يظل معلقا، وان عمليات تهريب النفط لصالح جهات معينة ما زالت مستمرة، وانه لا توجد جهود حقيقية لحل الخلافات سواء بين الإدارتين الكرديتين او مع السلطة المركزية في بغداد. وما يجري، وهنا تكمن المشكلة الأكبر، سوف يفتح الابواب لتدخلات خارجية، من خلال سعي كل طرف للإستقواء على خصومه بالعون الخارجي. وهذه المشكلة قد تصبح اخطر بعد ان ظهرت بوادر لخلافات داخل العائلة الواحدة او الطائفة الواحدة او التحالف الواحد.
من جانب آخر ان ما حدث اثبت ان اسلوب حل الخلافات بتكميم الأفواه وبالقوة المسلحة الذي عفى عليه الزمن، مازال المفضل في الاقليم وفي العراق بل وفي الشرق الأوسط بصورة عاملة، على الرغم من ان كل التجارب السابقة اثبتت عقمه وعدم جدواه، وانه بالنتيجة يتسبب في ارتدادات مصحوبة بكوارث كثيرة ومكلفة ومؤلمة. (طبعا هذا الاسلوب ما زال متبعا من قبل السلطات في بغداد، لا بل ان العدوى بدأت تنتقل الى المحافظات، واصبح المحافظين ينظرون الى انفسهم وكأنهم الحاكمين بأمر الله، وهذا امر طبيعي في ظل غياب القانون والمحاسبة).
اقليم كردستان، رغم الملاحظات على الممارسات والمظاهر الخاطئة التي يشهده، (هيمنة حزبين فقط على السلطات فيه لعقود، غياب انتخابات نزيهة، فساد مستشري، محاولات إبتزاز العراق ماديا وكانه ضيعة ليس لها مالك، بالإضافة إلى كون الاقليم شريك في التجربة الفاشلة في العراق منذ 2003)، إلا انه ظل منطقة تنعم بالآمان وفيه نوع من الإعمار. ومن هنا يأتي الخوف من ان تؤدي احداث السليمانية الأخيرة، (وقبلها المواجهات الدامية التي جرت في اربيل قبل شهرين)، إلى زعزعة الامن وفتح الأبواب من جديد للتدخلات الاجنبية الكبرى في شؤونه، والتي ستجره، والبلاد ككل إلى إضطرابات داخلية لا تحمد عقباها. خاصة إذا ما تذكرنا ان أطرافا خارجية، بل وحتى داخلية، تريد للإقليم ان ينزلق إلى هكذا حالة. وان الولايات المتحدة وإسرائيل بالذات، وحتى تركيا وايران، يريدون ان يستخدموا الاقليم لاغراضهم الخاصة وضد وحدة ارض العراق. ومع ذلك فان الحزبين الكرديين والسلطة المركزية في العراق مازالوا يعولون على الأطراف الخارجية لحل مشاكل الاقليم الداخلية او المشاكل بين الاقليم وبغداد، مع بروز ظاهرة اخطر تتمثل في النزاعات الداخلية التي بدأت تنتشر داخل الحزب الواحد او الطائفة الواحدة او العائلة الواحدة او الائتلافات المتحالفة.
المشكلة الأكبر هي انه رغم التذمر الواسع مما يجري سواء في الاقليم او في العراق ككل، فان الرغبة في التغيير عن طريق المشاركة الواسعة في الانتخابات اصبحت شبه معدومة، ربما بسبب الخوف من الاجهزة الحاكمة او المليشيات المسلحة، او من العجز عن مجاراة القدرات المالية الكبيرة التي توفرت للأطراف الحاكمة نتيجة الفساد المستشري منذ 2003، او نتيجة لقلة الوعي، والتركيز على المظاهر المتخلفة او عبادة الشخصية، مما يعني انعدام امكانية التغيير واستمرار الاحزاب والوجوه الحاكمة مهما تعددت جولات الانتخابات. وصدق عز من قائل: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ”.
*كاتب واكاديمي عراقي

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

599 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع