جابر رسول الجابري
إخطبوط الأمن القومي
المقدمة :
موضوع الأمن القومي والامن الوطني يُعد من أهم وأوسع مواضيع البحث في مجال الدراسات السياسية والاجتماعية والعسكرية لأنه يمس جوهر استقرار الدول والمجتمعات ،هناك مصطلحان لابد من إدراك معناهما من أجل توضيح مكان حضورهما اللغوي
١-الأمن:
وهو الإجراءات المادية والتدابير والخطط والتوقعات وردود الأفعال التي تتعلق بحماية المجتمع ونظام الحكم من المخاطر والتهديدات سواء كانت تلك التهديدات خارجية ام داخلية
٢-الإمان :
هو الشعور النفسي الداخلي بالطمأنينة والثقة من وجود و توفر إجراءات أنظمة أمنية تردع أي تهديد أو إختراق لأمن المجتمع ،
كلٌ الأنظمة الأمنية تعتمد وترتكز على عدة متطلبات تُحدد وتُقيم كفاءة النظام الأمني ،ومن تلك المتطلبات
*المصادر الإستخبارية للحصول على المعلومات ولتقييم التهديد الأمني
*وجود تخصص وخبرة لدى العناصر الأمنية تؤهلهم للعمل في هذا المجال وكذلك تؤهلهم لوضع الخطط وتنفيذ الاجراءات على واقع الارض لمعالجة الإختراقات الأمنية
*كفاءة الوسائل والمعدات المستخدمة في النظام الامني فكلما تطورت تلك المعدات كلما زادت قدرة الجهاز على معالجة الاختراقات الامنية والكشف المبكر عنها
*الخطط والإجراءات الكفيلة بردع أو إحباط أو متابعة أي اختراق امني
#الموضوع :
مصطلح الأمن القومي هو مصطلح شامل واجبه ادارة كل الأنظمة الأمنية المرتبطة به وهو يشبه في شكل هيكله شكل الإخطبوط ، عبارة عن الراس والأذرع دون وجود فاصل بينهما ، حيث يعرش النظام السياسي الحاكم على رأس ذلك الإخطبوط وهو المسؤول عن قيادة الدولة ومؤسساتها , أما في داخل رأس الإخطبوط يكمن نظام الأمن القومي الذي يُسيطر على بقية الأنظمة الأمنية ويُحركها والتي هي تمثل اذرع الإخطبوط،
لذلك اي خلل في النظام الأمني ( سواء كان الخلل في شخصيات قيادة النظام الأمني أم الخلل في خبرة كوادره او خططه ) سيؤدي حتما إلى تدهور كل الأنظمة الأمنية وبالتالي انهيار النظام السياسي الحاكم للدولة ،
وكما أن النظام السياسي مسؤول عن إدارة عدة أنظمة مرتبطة به مثل النظام الاقتصادي ، الصحي ، التعليمي …الخ
فإن الأمن القومي أيضا مسؤول عن إدارة مجموعة أنظمة أمنية منضوية تحت مسماه والتي شبهنا هيكلها باذرع الأخطبوط وكلٌ يؤدي مهامه وفق اختصاصاته ،ومن تلك الأذرع الامنية
*الأمن السياسي
*الأمن الإقتصادي
*الأمن الصناعي
*امن الإعلام والمعلومات *الأمن المجتمعي…الخ
كل تلك مسميات الإنظمة هي جزء لا يتجزأ من جسد النظام الأمني الذي هو مسؤول عن حماية النظام السياسي الحاكم ووجود الوطن والشعب ، ولا يمكن مطلقاً حصر مصطلح الأمن القومي باختصاص واحد من التخصصات الأمنية (مثلا حصره بالإجراءات القانونية أو العسكرية) ،
ولا يمكن أيضاً اختصار الأمن القومي أو الوطني بمفردة الإجراءات والتدابير البوليسية او الاستخبارية و العسكرية فقط ،
فقد تكن بعض التهديدات التي تخترق أمن المجتمع وتهدد النظام السياسي هي تهديدات خارجية تتجاوز حدود سلطة الدولة أو سلطة مؤسسات نظام الحكم،
بل قد تكن بعض التهديدات خارجة عن ارادة وتخطيط النظام السياسي الحاكم مثل وجود تغيير لنظام سياسي في دولة مجاورة أو وجود حدث امني كالحروب في احد دول الجوار مما قد ينتج عنه اختراق نظام الأمن الوطني أو الأمن القومي أو الأمن المجتمعي ،
وللمزيد من التوضيح لابد أن ندرس ونعالج مثلاً تأثير بناء سدود على منابع الأنهار التي تغذي ارض تلك الدولة بالمياه وتأثير تلك السدود على أمن النظام السياسي والاقتصادي أو أيضاً لابد من أن ندرس تأثير استحداث مشاريع تجارية وصناعية في دول الجوار على النمط التجاري أو الاقتصادي للنظام
السياسي الحاكم ،
كما ولابد من أن ندرس ونعالج تأثير التيارات والافكار الثقافية أو السياسية التي تجتاح بلدان الجوار وإحتمالية إمتدادها وصولاً لإختراق النظام الأمني المجتمعي أو السياسي فيؤدي إلى تفكيك النسيج الشعبي أو إلى هدم النظام المجتمعي أو السياسي للبلد ،
لا يمكن مطلقا أن يتم تعيين مسؤولاً لإدارة ملف أمني في تخصص معين أن يكون جاهلا بتخصص مجال المؤسسة التي يعمل فيها ولا يمكن ايضا ان يكون المتخصص الامني ملماً بكل اختصاصات المؤسسات الأخرى لذلك يجب الحذر من تنصيب أشخاص لا علاقة لهم بالاختصاصات مع الأخذ بالنظر وجود إختصاص امني إضافة لتخصصه ، كما ولابد ان يكون النظام الأمني تحت إدارة جمعية تحتوي على كلٌ الاختصاصات وليست ادارة بخبرة فردية بل كل مؤسسة لها نظام أمني متخصص .
#مفهوم أذرع إخطبوط الأمن القومي وتخصصاتها : و تشمل الاختصاصات التالية:
* الأمن الوطني:
وهو قدرة الدولة على حماية أراضيها ومصالحها وسيادتها من التهديدات الداخلية والخارجية سواء كانت :
١- تهديدات عسكرية : يتعامل معها الأمن العسكري فيأخذ على عاتقه الدفاع عن الوطن ضد أي اعتداء خارجي
٢- تهديدات سياسية : يتعامل معها الأمن السياسي من أجل ضمان استقرار
النظام السياسي وتطويره
٣-تهديدات إقتصادية :
يتعامل معها الأمن الاقتصادي الذي يقوم بتأمين الموارد, الطاقة، الغذاء ، وفرص العمل والتبادل التجاري وقيمة العملة النقدية لذلك النظام السياسي
٤- تهديدات إجتماعية :
يتعامل معها الأمن المجتمعي الذي يقوم بإدارة حماية المجتمع من الطائفية والتفكك والانقسام والذي يركز على حماية النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية من التهديدات التي تمس التعايش، والانسجام بين أديان المكونات الشعبية، حيث أن الأمن المجتمعي هو القاعدة الداخلية للأمن الوطني أو القومي لأن المجتمع المتماسك يخلق دولة قوية وإن انهيار الأمن المجتمعي بسبب الصراعات الداخلية او صراع الأحزاب الحاكمة أو فقدان الثقة بين المواطن والدولة حتما سيفتح الباب أمام تدخل خارج يؤدي إلى إنهيار كل النظام الأمني وبالتالي انهيار الدولة
٥- تهديدات ثقافية وفكرية :
يتعامل معها الأمن الثقافي والفكري الذي يتحمل صيانة الهوية الشعبية والقيم
الوطنية من الغزو الثقافي أو الفكر المتطرف.
٦- تهديدات بيئية وصحية : يتعامل معها الأمن البيئي والصحي ويهدفان لحماية الموارد الطبيعية وتحسين البيئة وضمان الصحة العامة وتطور النظام الصحي
#آليات تعزيز الأمن المجتمعي :
والذي يعتبر هو قاعدة للأمن الوطني لضمان تحفيز وجود الامان
١- سيادة القانون على الجميع والعدالة للجميع
٢- تعزيز الهوية الوطنية
٣- التنمية الاقتصادية الشاملة ودعم القطاع الزراعي والصناعي كونهما ركيزة أساسية لتطور الدولة
٤- تطوير التربية والتعليم والثقافة كوسيلة لتحصين المجتمع إضافة إلى بناء جيل جديد متطور عن سابقه
٥- دور الإعلام الوطني والمسؤولية الاجتماعية وتحفيز المجتمع للوقوف ضد التفكك ومجابهة تخريب البنية الاجتماعية
٦- إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية ومعاقبة الفاسدين وطرد كل من يحمل الطائفية او العنصرية ومراقبة السجون والمعتقلات ومعالجة ظواهر الجريمة وإصلاح الأفراد
٧- ربط كل مؤسسة من مؤسسات ادارة الدولة بنظام امني متخصص بعملها ومن جانب آخر مرتبط بنظام الأمن الوطني والأخير يكون بإدارة الامن القومي
#الخاتمة :
ان السبب الرئيسي الذي ادى لسقوط الاتحاد السوفيتي ليس حربا وهجوم عسكري بل كان هجوم فكري وثقافي أدى إلى تفكيك بنية الشعب واللحمة المجتمعية وعندها انهار النظام السياسي وانتهى وجوده ووجود حضارته،
*ومن الأسباب التي أدّت لإستخدام إنهيار العراق بحملة عسكرية هو كانت قوة النظام الامني فيه والذي دفع المحتل الأمريكي إلى استخدام القوة العسكرية لاسقاط النظام السياسي بعد محاولات فاشلة لاختراق أمنه ، ثم بعد السقوط بدأت الاختراقات الأمنية والثقافية والاجتماعية والدينية تتوالى على الشعب العراقي بهدف تغيير بنيته ووجوده .
#الخلاصة :
ان الأمن الوطني يبدأ من الداخل عبر تماسك بنية المجتمع بلا طائفية او عنصرية او محاصصة او صراع مصالح حزبية لا تمت بصلة بقضايا الوطن والشعب أو رؤية سياسية غير وطنية لقيادة النظام السياسي،
بينما الأمن القومي يبدأ من الخارج والداخل معاً لأنه يُحصن الكيان السياسي والمجتمعي والدولة من اي خطر يهدد وجود الشعب والوطن معاً
# المراجع والمصادر :
١-كتب في علم الاجتماع
السياسي والدراسات الأمنية
٢- تقارير المنظمات الدولية UNDP البنك الدولي / مراكز الدراسات العربية
٣- دراسات عن الأمن القومي والامن القومي العربي
٤- مقالات أكاديمية عن مفهوم الأمن المجتمعي
٥- خبرة الكاتب ورؤيته لبناء نظام امني مركب بدلا من أنظمة الامن العسكرية المفردة
***********
المملكة المتحدة
في التاسع والعشرين من آب عام 2025
848 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع