
الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

شحرورة العراق عفيفة إسكندر - الجزء الثالث
تُعد عفيفة اسكندر المغنية الاولى في العهد الملكي، كما كان لها حضورها في العهد الجمهوري، وقد تركت بصماتها على الغناء العراقي وشغلت الناس على مدى ثمانية عقود، وتميّزت بعذوبة صوتها وفطنتها، فضلاً عن تذوقها الموسيقى.
وعفيفة إسكندر هي أول مغنية بغدادية تُغني القصيدة، وقد غنّت عند تأسيس التلفزيون العراقي عام 1956، كما كانت أول من غنّى في إذاعة بغداد عند تأسيسها عام 1936. وكانت عفيفة إسكندر أول مغنية ظهرت بالألوان في التلفزيون العراقي عام 1976، وقد غنّت قرابة 1500 أغنية، ومن أكثر الملحنين الذين تعاملت معهم أحمد الخليل، وخزعل مهدي.

من المعروف أن السيدة نعيمة العسكري، أم صباح، زوجة نوري باشا السعيد وشقيقة جعفر العسكري مؤسس الجيش العراقي كانت في لندن عند مقتل الباشا في بغداد سنة 1958 وأنها باتت بوضع معاشي صعب، وقد بدء عدد من أصدقاء أسرتها من العراقيين والأجانب بتقديم العون لها ولأسرتها.
توفيت أم صباح في مستشفى في لندن، ورفض المستشفى تسليم جثتها للدفن إلا بعد دفع تكاليف العلاج. حاول السفير العراقي في حينها، السيد الخلف، أن يحصل على موافقة الحكومة العراقية على دفع التكاليف. إلا ان حكومة أحمد حسن البكر رفضت ذلك.
في حينها كانت الفنانة الكبيرة عفيفة إسكندر تحيي حفلات في لندن، وعندما تناهى إلى سمعها هذا الخبر، توجهت فورا إلى المستشفى وسددت الفاتورة واتصلت بالسفارة العراقية وبعض العراقيين لتنظيم جنازة لائقة بها.
في العهد الجمهوري ضايق الرئيس عبد السلام عارف عفيفة اسكندر، فأغلقت عليها بابها منذ ذلك الحين. وكثرت الشائعات عن وفاتها بسبب هذه العزلة إلى ما بعد عام 2003؛ حيث بدأت بالظهور، وراحت المنتديات تحتفي بها وتكرمها، إلى أن أجهدها المرض فلم تجد إلا أن تخلد الى سرير الشفاء، وكانت الأمراض لا تفارقها بل تزداد قسوة عليها.
وفي سنواتها الأخيرة ضعف بصر عفيفة إسكندر كثيرا وعانت الكثير بعدما اتهمها أحد عشاقها بصفقات سلاح مشبوهة، ومع كل معاناتها ومرضها بقيت عفيفة ملتصقة بتراب العراق ولم تغادره وبقيت صامتة، وقد دعمها ماديا الأستاذ سعد البزاز مالك فضائية الشرقية في أواخر أيامها.
ولم تظهر عفيفة إسكندر للعلن إلا عند تكريم الرواد لمناسبة مرور 48 سنة على تأسيس الإذاعة العراقية، فعرف الناس أنها لم تزل على قيد الحياة، ولم تزل مغروسة في بغداد.
فقد ظهرت عفيفة إسكندر لتقول: ها أنا ذا أُعلن عن وجودي بعد صمت قاس تحّول خلاله فن الغناء العراقي إلى سيرك فيه كل الألوان المبهرجة والبلادة والمجانية والسماجة وخليط من البلايا المضحكة!!!
في أيامها الأخيرة حضرت عفيفة إسكندر احتفالية بمناسبة العيد أقيمت في بيت النائب في مجلس النواب العراقي صفية السهيل، وكانت عفيفة على كرسي متحرك واستعادت فرحها المفقود ونفضت عنها هموم الاهمال والزعل وقالت بشيء من الأسى: لماذا لم يسأل عني أحد، لا أحد سأل وزارني ما عدا مؤسسة المدى وخيال الجواهري (ابنة الشاعر الجواهري)، قالت ذلك بعتب جميل، كأنها تقول إن بيتها في وسط بغداد ومن غير الممكن ان لا يسأل عنها أحد وهي في هذا العمر!
وحين اجتمع حولها المعجبون وطالبوها أن تغني، فغنت بصوتها المميز وبنبرته الخفيضة التي ظهرت عليها آثار الزمن، ملبية رغبة الحضور;، غنت اولا: يا حلو يا أسمـر غنى بـك السمَّر، وحين وجدت أن سعادتها أكبر ازاء هذه الحفاوة التي قليلا ما تشعر بها وهي معتزلة في منزلها، وشعرت بالحنين إلى بغداد فراحت تردد:
هزني الحنين لهلي... والشوق بيّ زاد
هيا بنا يا ربع... نمشي درب بغداد
وفي يوم الإثنين 22 أكتوبر 2012 توفيت عفيفة إسكندر ولفظت أنفاسها الأخيرة على سرير في مستشفى مدينة الطب في بغداد عن عمر يناهز 91عامًا. وقد ذكرت أم عيسى المهتمة والقائمة على رعايتها، أنها ستقوم بدفن عفيفة اسكندر في المدافن الخاصة بعائلتها في مدينة بعقوبة في محافظة ديالي، لعدم وجود أهل لها في بغداد ولا مقابر معروفة.
لقد كانت عفيفة إسكندر تسكن في شقة مؤجرة في منطقة الكرادة الشرقية، وبهذا رحلت عفيفة من الدنيا وهي لا تملك شيئًا بعدما فقدت كل شيء في شيخوختها، رحمها الله.
يقول الشاعر عبد الزهرة زكي: "عاشت عفيفة إسكندر حياتها بأجمل ما تكون عليه الحياة، رفعة في الفن والذوق والسلوك، حياة مليئة بالأمل والحب والجمال، غمرها الناس بالحب الذي تستحق، وخلّفت فناً تمتزج فيه خفة الكائن المشرق ومرح الروح المتخمة بالسعادة، لا بد من موت الإنسان، الخلود فقط لما يُخلّفه من أثر، سلاماً لروحها، ولنا أن نعيد اكتشاف أثرها".
وقال علي صبري، مؤلف المسلسل التلفزيوني (فاتنة بغداد) عن سيرة حياتها: "رحلت فاتنة بغداد، ستبقى فاتنة ذاكرتنا، وداعًا سيدتي.. بكيت وما نفع البكاء، سلام لروحك وداعاً ما أردتُ لكِ الوداع".
اما الشاعر حميد قاسم فقال: "إن صح هذا الخبر تكون بغداد فقدت آخر عطر من رائحة التمدن والجمال، عفّو سيمّر أيضًا في هذه الصحراء المعتمة".
وقال الصحافي سامر المشعل: "أخيرًا رحلت الكبيرة عفيفة اسكندر من ساحة الغناء العراقي، لتطوي معها زمناً اتسم بالعفة وشرف المسؤولية بتقديم مشاعر الناس على شكل غناء يخرج من الروح. عفيفة تشربت الغناء كقدر جمالي بصوتها وإحساسها ورفعتها وصفت بأنها مطربة الملوك، وترفعت عن الغناء للطاغية، الذي سلبها بيتها في الكرادة، وظلت منزوية بصمتها في بغداد، أشبه بغاندي الذي يقاوم الطغاة بالصوم، صامت عفيفة عن الغناء طيلة فترة حكم صدام، كانت تقول لي في كل دولة أزورها كانوا يعرضون عليّ الجنسية والبيوت والشقق، لكنني أرفض ذلك وأعود بأجنحة الشوق الى بغداد، فالعراق عندي أجمل من كل بقاع الارض. ماتت الاسطورة عفيفة وهي لا تملك ثمن الدواء، مُخلّفة دواوين من الذكريات والمواقف الانسانية والوطنية والاغاني.. ".
قالوا عنها:
- يقول كمال لطيف سالم: " كانت عفيفة تدرس في مدرسة الطاهرة في الموصل فخافت عليها والدتها من الطريق فأرسلتها إلى الملا واحبت اللغة العربية التي كانت تتقن لفظها بشكل مضبوط ولذلك كانت تختار قصائدها من دواوين الشعراء الكبار.
- يروي جبرا إبراهيم جبرا إنه تعرَّف على عفيفة إسكندر، بطلب منها عن طريق صديقه وزميله في هيئة التدريس بكلية الآداب في بغداد دزموند ستيورات. وكان هذا الأخير يعطي للمغنية دروساً خصوصية في اللغة الإنكليزية. وكتب جبرا: "وجدتها، لدهشتي، شابه نيره الذهن، تواقه للمزيد من المعرفة والثقافة".
- يقول حميد المطبعي "وهي الفنانة المشهورة (عفيفة إسكندر) التي أعطته دموعاً رأى فيها عالماً ملوناً بسحر العاطفة، وهو أعطاها قلباً رأت فيه بساطة الكاتب الكبير. لقد كانت المشاعر الإنسانية تلون العلاقة بين عبد المجيد لطفي وعفيفة إسكندر وهي علاقة امتدت طويلاً حتى استبدت الشيخوخة بكل منهما. أذكر أنه كان يعاني نوبة نزف دموي في الشتاء وكانت هي تسارع لعيادته في المستشفى للاطمئنان على صحته وعانى كل منهما من إهمال الدولة إلى أن رحلا وخلّف كل منهما إرثاً حافلاً بالإبداع".
- ويقول الناقد عادل الهاشمي: "إلى جانب وجاهتها ودورها المعروف هناك جانب خفي من حياتها الخاصة قد لا يعرفه الكثير، إذ إنها كانت وراء الكثير من حَمَلة الشهادات والكفاءات: فقد تابعت دراستهم بالتعضيد المادي المباشر، بل إن كثيرا من العوائل كانت تلجأ إلى عفيفة إسكندر لمساعدتها وهي تستجيب لهذا الجانب الإنساني، ولم يُعرف عنها أنها تخلت عن أحد المحتاجين ممن طلب مساعدتها وكانت تطلب منهم عدم ذكر إسمها وراء ذلك، لأن هذا عمل لله وحده".
- وتحدث عنها الموسيقار سالم حسين الأمير قائلا: "أنه في صيف 2005 حضرت عفيفة إسكندر إلى دمشق قادمة من بغداد في زيارة خاصة بها. وفي أمسية وصولها رن تلفون شقتي في ضاحية القدسيا في دمشق وإذا بالمتحدث الشاعر الكبير مظفر النواب ليقول لي إن السيدة عفيفة تريد أن ترى الفنان سالم حسين (سلومي)، فسررتُ لهذا النداء التلفوني واوعدته في غدٍ مساءً أن استقبالكم جميعاً.
وفي مساء اليوم الثاني، وإذا بالسيدة عفيفة وهي تعانقني وتبكي زمانها فانطلقت مني هذه الأبيات:
عبقت مرابعنا اللطيفة ... بأريج فنّكِ يا عفيفة
الشعر والفن الجميل ... وفيض الحانٍ خفيفة
بغداد عاشت مثلها ... أيام هارون الخليفة
اهلا وسهلا بالوجوه ... النيّرات وفي عفيفة
وحين التفتُ إلى الشاعر مظفر النواب رأيته ينظر باستغراب إلى الشاعر الغنائي السيد رياض النعماني الذي كان يرافق الشاعر الكبير دائماً في زياراتهما لي واستدركتُ الأمر سريعاً واخذتُ في الاسترسال بالشعر فقلتُ:
وبصحبة الأدب الرفيع ... وقائل الشِّعر البديع
(بمظفر النواب) أكرم ... (بالرياض) وبالجميع
ويضيف الموسيقار سالم حسين الأمير قائلا: لقد أحبت عفيفة بغداد حباً لا حدود له وطُرحت عليها الهجرة مراراً ورفضت عندما سافرت خارج العراق حتى في أيام خراب بغداد، ولم تقنع رغم المغريات الكبيرة فآثرت البقاء في بغداد رغم ما بها من حروب ودمار وصواريخ، حتى في زيارتها لي في سوريا عرضتُ عليها البقاء فاعتذرتْ وعادت إلى بغداد والصيف الشديد الحرارة وهي تقول: تعجبني بغداد وحرها الشديد وبردها القارس.
https://www.facebook.com/watch/?v=594097537335308

1111 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع