أنسنة التكنولوجيا وتوطينها مبادرة أممية للرقمنة الجغرافية بمواجهة الإهانة المكانية (المستوى الدولي والعربي والعراقي)

مجيد ملوك السامرائي[*]

أنسنة التكنولوجيا وتوطينها مبادرة أممية للرقمنة الجغرافية بمواجهة الإهانة المكانية(المستوى الدولي والعربي والعراقي)

أنسنة التكنولوجيا تعني؛ تصميم وتطوير الأنظمة الرقمية كأنظمة المعلومات الجغرافية والمدن الذكية والإدارة الإلكترونية، لإعطاء الأولوية لـرفاهية الإنسان بدلاً من تكيفه مع الآلة، مع مراعاة الاعتبارات الأخلاقية بدمج القيم الإنسانية مثل؛ الخصوصية والعدالة والشمولية في صلب الخوارزميات. اما توطينها فتعني؛ غرس التكنولوجيا في البيئة المحلية لتصبح جزءاً من النسيج الاقتصادي والثقافي للإنسان وجعلها أكثر انتماءً لبيئته وهويته. وعليه فأن فلسفة أنسنة التكنولوجيا وتوطينها تتمثل بكونها؛ إطاراً جيومعلوماتياً معاصراً لمواجهة - الإهانة المكانية - في سياق التحولات الرقمية والبيئية والجيواقتصادية العالمية. ان حل المشكلات الكونية يتطلب؛ تحديث العقل الجغرافي ليواكب الثورة التكنولوجية بالانتقال من التوصيف إلى الاستشراف عبر؛ بقاء التفكير المكاني عنصراً فاعلاً، وتوظيف البيانات الضخمة ونظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي.
الركائز الاستراتيجية للجيومعلوماتية:
1. الجغرافيا محرك سيادي، اذ أن قياس الأرض التي تشغلها الدولة لم يعد بالمساحة الكيلومترية فقط وإنما بـالمساحة الرقمية/ الاستقلال الجغرافي الرقمي، اذ أن السيادة الوطنية في العصر الحديث تعتمد على؛ مدى قدرة الدولة على امتلاك ناصية البيانات المكانية وتحليلها لأن المكان كياناً او منظومة ذكية تُدار عبر البيانات والخوارزميات، وأن أي اختلال معرفي أو أخلاقي في إدارة هذه المنظومة يفضي إلى التهميش المكاني والإنساني.
2. فلسفة العبور القاري للمعرفة، حيث تعكس ذهنية البرمجة (الجيومعلوماتية الاستشرافية) لمستقبل كوكب الأرض رؤية عابرة للحدود، وذلك بطرح رؤى جديدة محدثة مثل؛ مسارات طرق التجارة الدولية، كممر القناة الجافة عبر العرق ’’مجيد ملوك السامرائي 2023’’ لمبادرة الحزام والطريق، والممرات الجيواقتصادية الاحدث كتلك العابرة للقطب الشمالي، ولابد من الاستثمار الاقتصادي لهذه الممرات كـعقدة اتصال ذكية في شبكة العولمة وليس مجرد ممرات جغرافية صامته.
3. أنسنة الخوارزميات، بمعنى تبني رؤية فلسفية تحذر من طغيان الآلة على الفكر الإنساني، لأن النمذجة الرقمية مثل نمذجة النمو الحضري والتغيّر المناخي؛ وسيلة لخدمة الإنسان ورفاهيته. وهناك ضرورة لوجود أخلاقيات رقمية بعدم إساءة استخدام المعلومات أو الخوارزميات، والتحكم بالتطور التكنولوجي لضمان عدم التحول بتطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى أداة للهيمنة في الجغرافيا الرقمية القائمة على دمج التحليل المكاني مع التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، لدراسة العلاقات المكانية والأنماط والتحولات الجغرافية المعاصرة.
4. التنمية المستدامة برؤية جيو- تقنية؛ فلسفة تقوم على مبدأ (لا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه رقمياً)، فعملية الربط بين البيئة واستحداثات التكنولوجيا تقود الى إيجاد حلول؛ للتصحر ولأزمات المياه وللتغير المناخي، وهذه تكمن في الاستشعار الذكي لتحليل البيانات البيئية أو المكانية لحظيًا، ثم وضع الحلول المستندة إلى البيانات الضخمة.
5. الدور المستقبلي للباحث العلمي الأكاديمي كبيرا بالاستشراف وليس بالتوصيف، وفلسفة ذلك تحتم على الباحث أن يكون راداراً يرصد التحولات قبل وقوعها، وهو ما يفسر تركيزه المستمر على مفاهيم مثل؛ المستقبليات، وتكنولوجيا المعلومات الجغرافية كأدوات حتمية للارتقاء العلمي.
6. هندسة المستقبل بمعنى تجاوز الدور الوصفي للجغرافي بالتحول إلى؛ دور مهندس استراتيجي يعيد رسم خرائط النفوذ العالمي بناءً على تقنيات المعلومات والجيوبوليتيك الرقمي.
7. التجسير المعرفي بالتحول لجسرً حيوي يربط بين الأكاديمية الرصينة بصرامتها المنهجية، وبين التقنيات الحديثة بمرونتها الفائقة، مما يجعل من النتاج العلمي مرجعاً لمن يبحث عن أنسنة التكنولوجيا وتوطينها لمواجهة الإهانة المكانية وخدمة التنمية المستدامة.
8. السيادة الرقمية بوضع تشريعات تحكم الفضاء الرقمي الوطني، والانتقال من مرحلة استهلاك الحلول الجاهزة إلى مرحلة؛ النمذجة والابتكار تعضيدا لمفهوم الاستقلال المعلوماتي واستشرافا ذكيا لمستقبل القوة، ودعوة لصناعة واقع يتحدث لغة العصر بلسانٍ واثق ومنهجية عالمية لضمان موقع ريادي في حل المشكلات الكونية.
المحاور الرئيسية للمبادرة:
1. تعد الإهانة المكانية شكلاً من أشكال قطع العلاقة بين الإنسان والمكان، وتتجلى آثارها في؛ تدهور البيئة والهجرة القسرية والتفاوت التنموي، وتفضي الى قطع الروابط التي تجمع المنظومة الشمولية للحياة، حيث يظهر تأثيرها العالمي في صورة حروب وهجرات غير شرعية وتراجع حضاري، وعلية فأنها قوة تدميرية للمجال الجغرافي - الإنساني.
2. يتمثل التأثير العالمي للإهانة المكانية بإهمال البيئة كالتلوث والتصحر الناتج عن الحروب، وهذا نوع من الإهانة المكانية لأنها تتسبب بنزاعات وصراعات دولية واسعة النطاق، والتي تؤثر بدورها على مستوى الأمن الغذائي العالمي، وهكذا فأن إهانة الإنسان ترتبط بإهانة الأرض.
3. تؤدي الإهانة المكانية لاتساع فجوة التنمية، اذ ان كرامة الإنسان هي المحرك الأساسي للإبداع عالمياً، وعندما تتعرض الشعوب بكل مستوياتها أو بعض فئاتها للإهانة أو التهميش فإن ذلك يؤدي إلى تعطيل الطاقات وهجرة العقول، وهذا يقود لاتساع مستويات فجوة التنمية بين الدول المتقدمة والنامية وعائقا للتنمية المستدامة.
4. تأتي الإهانة المكانية العابرة للقارات بفعل الخوارزميات المنحازة في عصر الذكاء الاصطناعي، والتي تعني التعلم الألي الذي يؤدي الى نتائج غير دقيقة مثل؛ أنظمة التعرف على الوجوه او الانحياز لمنتج معين او انحياز نظام القروض بالضد من بعض الفئات، وهذا يقود الى التمييز بين البشر أو إهانتهم، وبروز طبقية رقمية عالمية تهدد السلم الاجتماعي، حيث تصبح الإهانة عابرة للقارات وفورية التأثير.
5. تؤكد المبادرة الأممية للرقمنة الجغرافية على وحدة المعرفة، حيث تتداخل العلوم الصرفة مع العلوم الإنسانية لخدمة هدف أسمى وهو؛ تحسين جودة الحياة على كوكب الأرض بفلسفة شمولية لمواجهة الإهانة المكانية/ التهميش وتداعياتها والتي تبرز كإحدى الإشكاليات الناتجة عن سوء توظيف التكنولوجيا، وغياب البعد الإنساني طبقا لما تقدم.
6. الفلسفة العلمية للمبادرة بمواجهة ثقافة الإهانة عالمياً؛ تتجسد بالتواصل العلمي الرصين، لذلك لابد من تعزيز قيمة البحث العلمي وتقديره، وتعد المنصات العلمية الحصن الذي يحمي كرامة العلم والعلماء، ويعيد صياغة التأثير العلمي العالمي لمواجهة ثقافة الإهانة.
فلسفة المبادرة الأممية للرقمنة الجغرافية ومشروعها:
المبادرة نموذجٌ مفاهيميّ توضيحيّ لأنسنة التكنولوجيا وتوطينها، وهي مبادرة علمية – فكرية رائدة تتجلى في فلسفة شمولية تقوم على وحدة المعرفة، من خلال دمج العلوم الإنسانية والطبيعية والتقنيات الرقمية، والربط المحكم بين المكان والإنسان والتكنولوجيا بوصفها كتلةً واحدةً لا تتجزأ. وفلسفة المبادرة ليست مجرد نظريات أكاديمية، بل بيانٌ فكريّ يسعى إلى تحرير الجغرافيا من قوالبها الكلاسيكية وإعادة تعريف دورها في عصر التحول الرقمي.
تنطلق الرؤية الشاملة للمبادرة من إيمانٍ عميق بأن المكان لم يعد حيزاً فيزيائياً صامتاً، بل أصبح كياناً ذكياً يُدار عبر تدفقات البيانات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي. ويرتكز مشروعها على رؤية تكاملية تعتبر الجغرافيا نظامَ حياةٍ متكاملاً، من خلال فهم العلاقات المركبة بين الإنسان والمكان والتكنولوجيا، واستشراف مستقبل هذه العلاقات في ظل التحولات المناخية والاقتصادية والرقمية المتسارعة.
وتُعدّ المبادرة دعوةً إلى ثورة فكرية شاملة تستهدف الانتقال من ذهنية حفظ الخصائص الجغرافية إلى ذهنية (الجيومعلوماتية الاستشرافية) القادرة على برمجة مستقبل كوكب الأرض. كما تهدف إلى تحقيق تنمية مستدامة قائمة على حوكمة الموارد، عبر إدارة الموارد الطبيعية والبشرية بكفاءة وعدالة واستدامة. وتسعى إلى تحويل المعلومات المكانية إلى صيغ رقمية قابلة للتحليل والمعالجة باستخدام التقنيات الرقمية الحديثة، فضلاً عن ترسيخ العدالة المكانية في إطار التنمية المستدامة، ومواجهة مظاهر الإهانة المكانية، وصون كرامة الإنسان في المجال الجغرافي.
المستوى الدولي لأنسنة التكنولوجيا وتوطينها 2025
بهدف مقارنة مدى نضج البنى التكنولوجية يتم استخدام (مؤشرات عالمية) تقارب مفهوم مستوى أنسنة التكنولوجيا وتوطينها، ومبنية على تصنيف البلدان وفقا لعدد المؤشرات المتصدرة فيها، مع انها لا تمثل درجات رسمية منشورة. وهي؛ مؤشر (الابتكار العالمي) لقياس بنية التقنية الوطنية الشاملة، ومؤشر (جاهزية التكنولوجيا المكانية) لقياس قدرة الدول على استخدام البيانات والمعلومات المكانية، ومؤشر (التكنولوجيا المكانية) لقياس المستوى التقريبي المتحقق من الأنظمة والتكنولوجيا المساندة للمجتمع.
استنادا الى المنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO فأن؛ مستوى أنسنة التكنولوجيا وتوطينها عالميا وللدول الـعشرة الأوائل تصدرته سويسرا بالمرتبة الأولى، ثم السويد, الولايات المتحدة الأمريكية, كوريا الجنوبية, سنغافورة, بريطانيا, فنلندا, هولندا, الدنمارك, والصين. اما الترتيب النسبي للدول العربية الـعشرة الأوائل لمستوى أنسنة التكنولوجيا وتوطينها فقد تصدرت الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى، ثم المملكة العربية السعودية، قطر، البحرين، المغرب، الأردن، عُمان، مصر، تونس، والعراق. وتشير المقارنة العربية إلى أن مستوى أنسنة التكنولوجيا وتوطينها يتراوح بين؛ المستوى المرتفع جدًا في دول الخليج، والمستوى المتوسط في دول ذات بنى بشرية جيدة لكنها محدودة الموارد، والمستوى المنخفض في دول تعاني اختلالًا مؤسساتيًا ومكانيًا. اما مرتبة العراق فأنها متأخرة نسبيًا. وهذا يتطلب من للدول العربية معالجة جادة لأنسنة التكنولوجيا وتوطينها عبر توظيف البيانات الضخمة، والتخطيط الذكي، والحوكمة الرقمية.
هكذا يتضح مسار أنسنة التكنولوجيا وتوطينها؛ (الاخلاقيات الرقمية للتكنولوجيا + البيانات الجيومكانية/ الخرائط الرقمية والمرئيات الفضائية >> المكان/ التوطين >>> السيادة الرقمية >>>> تقنيات الذكاء الاصطناعي >>>>> التنمية لمستدامة). وأن أنسنة التكنولوجيا وتوطينها تشكل مدخلاً استراتيجياً لتحقيق التوازن بين التقدم التقني والقيم الإنسانية، وتمثل الجغرافيا الرقمية أداة فاعلة لمواجهة الإهانة المكانية وخدمة التنمية المستدامة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[*]مجيد ملوك السامرائي، جغـرافـي، كاتـب ومـؤلف وأستاذ جامعي.
# ويكيبيديا # موسوعة المعرفة # موسوعة مؤسسة دار الحكمة # الموسوعة العربية/ أرابيكا.
المراجع:
1. الجغـرافية، المكان والانسان والزمان، مـجــيد ملــوك السامــرائي، دار اليازوري، عمان، 2023.
2. United Nations Department of Economic and Social Affairs (UN DESA) E-Government Survey 2024
3. الجغرافية والمتغيرات الدولية الجيوسياسية- الاقتصادية، مـجــيد ملــوك السامــرائي، دار اليازوري، عمان ،2023.
4. Global Innovation Index 2024–2025: Innovation in the Face of Uncertainty Geneva: WIPO, 2025
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجيد ملوك السامرائي Majeed Malok Al-Samarrai جغرافي، كاتب، مؤلف واستاذ جامعي، ولد في مدينة سامراء – العراق. نال من جامعة بغداد شهادة الدكتوراه في الجغرافية 1996 وحصل على درجة (professor) 2004. شارك في 24 ندوة ومؤتمر، واشرف على 16 وناقش 43 من رسائل الماجستير واطاريح الدكتوراه. ألف ونشر 57 كتابا ونشر 80 بحثا، و29 مقالة. استشاري وخبير علمي للعديد من المجلات العلمية، وعضوا في العديد من الاتحادات العلمية. نال 16 تكريما وشهادة تقديــر، ومرشحا متميزا ليوم العلم للسنوات 1997 و 2008. وفي 2024 عده الاتحاد الدولي للمبدعين في العراق من ضمن ابرز ثمانون مبدعا.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

865 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع