
قلم باندان
بين الانفعال والتبعية: قراءة نقدية في السلوك الجمعي زمن الصراعات الإقليمية.
في كل محاولة لفهم السلوك الجمعي، لا يكفي الوقوف عند الحدث الآني أو الموقف العابر، بل ينبغي العودة إلى البنية النفسية العميقة التي تشكّلت عبر التاريخ، وتحوّلت مع الزمن إلى نمط استجابة شبه ثابت. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة سلوك قطاعات واسعة من المجتمع العراقي تجاه ما يجري في الإقليم، وبخاصة تجاه الصراع الأخير بين إيران والولايات المتحدة، لا يمكن فصلها عن مركّبات نفسية وثقافية متراكمة صنعت ما يمكن تسميته بـ الانفعالية الارتدادية بوصفها سمةً غالبة في الشخصية العامة.
لقد نشأت الشخصية العراقية الحديثة في بيئة مشبعة بالاضطراب السياسي، والانقطاعات العنيفة، وتبدّل مراكز القوة، الأمر الذي رسّخ سلوكًا قائمًا على ردّ الفعل أكثر من الفعل، وعلى الاستجابة العاطفية أكثر من المراجعة العقلانية. فالحدث الخارجي لا يُقاس بآثاره المباشرة على الدولة والمجتمع، بل يُستقبل غالبًا عبر منظومات جاهزة من الولاء والانحياز، سواء كانت دينية أو مذهبية أو إثنية، تُعطِّل السؤال النقدي وتختصر الواقع في ثنائيات حادة: معنا أو ضدنا، حق مطلق وباطل مطلق.
في هذا السياق، يمكن فهم اندفاع كثير من أبناء العراق إلى الاصطفاف التلقائي مع إيران في صراعها مع الولايات المتحدة، دون توقف جاد عند حقيقة بديهية مفادها أن العراق دولة مستقلة ذات سيادة، وأن علاقته بإيران – مهما بلغت من تشابك تاريخي أو ديني – لا تُلغي كونه كيانًا سياسيًا له مصالحه الوطنية الخاصة. إن هذا السلوك لا يصدر عن قراءة استراتيجية بقدر ما يصدر عن متلازمة التبعية، حيث تُستبدل فكرة الدولة بفكرة “المعسكر”، وتُستبدل المصلحة الوطنية بهوية عابرة للحدود.
الأخطر في هذا النمط من السلوك أنه يُحمّل المجتمع العراقي أعباء صراعات ليست له، ويزجّه معنويًا – وربما عمليًا – في مواجهات لا يملك قرارها ولا أدوات إدارتها. فالتماهي مع طرف خارجي، بدافع الولاء العقائدي أو الشعور الجمعي بالمظلومية أو الخصومة التاريخية مع الغرب، لا يعني بالضرورة الدفاع عن الذات، بل قد يكون في جوهره تفريغًا لانفعالات مكبوتة، وإسقاطًا نفسيًا لرغبة دفينة في الاحتماء بقوة أخرى، بعد عقود من الإحساس بالهشاشة والخذلان.
كما أن هذا السلوك يكشف خللًا عميقًا في مفهوم الوطنية، حيث لا تُعرَّف الدولة بوصفها إطارًا جامعًا للمصالح المشتركة، بل تُختزل في موقعها من الصراع الإقليمي. وهنا تتحول الجغرافيا إلى ساحة عبور، والهوية إلى أداة تعبئة، والمواطن إلى تابعٍ عاطفي، لا فاعلًا سياسيًا واعيًا. إن غياب المسافة النقدية بين الفرد والحدث، وبين العقيدة والسياسة، هو ما يجعل الانفعال بديلاً عن التفكير، والهتاف بديلاً عن التحليل.
إن المقالة النقدية هنا لا تستهدف موقفًا بعينه بقدر ما تستهدف نمطًا ذهنيًا وسلوكيًا بات مألوفًا: نمط القفز فوق الدولة، وتجاوز السؤال العقلاني، والانجراف وراء شعور جماعي يُوهم صاحبه بالسمو الأخلاقي بينما يجرّه فعليًا إلى التبعية. فالدفاع الحقيقي عن القيم لا يكون بالذوبان في صراعات الآخرين، بل بإعادة الاعتبار للعقل، وللمصلحة الوطنية، ولحق المجتمع في أن يكون سيّد قراره لا صدى لقرارات غيره.
وخلاصة القول، إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تعاطف سياسي أو ديني، بل هو انعكاس لأزمة وعي لم تُحل بعد؛ أزمة تجعل من العاطفة قائدًا، ومن الولاء بديلاً عن التفكير، ومن التبعية قدرًا مقبولًا. ولن يخرج المجتمع العراقي من هذا المأزق ما لم يُعاد بناء العلاقة بين الفرد والدولة على أساس النقد والمسؤولية، لا على أساس الانفعال والارتهان.

894 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع