
د يسر الغريسي حجازي
دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس الاجتماعي
مستشارة نفسية ومدربة نظامية
توسع الاستعمار الاقتصادي مع صعود اليمين المتطرف
"وطني هو مكان رزقي. وإذا لم أجد رزقي في وطني، فأنا مضطر للبحث عنه في مكان آخر."
لقد ترسخت العنصرية بفعل السياسات الاستعمارية منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وشهد عامي 2024 و2025 صعود اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة. ومنذ عام 2024، ظهرت أحزاب سياسية يمينية متطرفة جديدة، وأصبحت النقاشات السياسية ذات طابع عرقي مركزي. يُظهر السياسيون على شاشات التلفزيون عداءً فاضحاً للثقافات الأجنبية. نعيش في عصرٍ لا تزال فيه العنصرية الحديثة تُهيمن على الساحة السياسية، ولا سيما البرلمان الأوروبي، الذي يُعارض الهجرة بذريعة حماية الثقافات الوطنية. إن هذه السلوكيات العرقية والمركزية تزرع الفتنة بين السكان، وتقسم المجتمعات، وتدل على رغبة في السيطرة على سكان العالم الثالث الذين يعتبرهم المستعمرون أدنى منهم.
اما المواطنون المقيمون في أوطانهم، فهم يتمتعون بشعور الراحة والأمان الثقافي، المرتبط ببناء هويتهم ولغتهم ومكانتهم الاجتماعية. فالعيش في بلد المنشأ والتحدث باللغة الأم يمثلان شعوراً بالأمان، والهوية والرفاه الثقافي. وذلك الإرث لا يتوفر عند الهجرة إلى بلدان أخرى. إنّ التحدث باللغة الأم بطلاقة، يُعزز الشعور بالانتماء ويُسهم في بناء الهوية. ومن المهم أيضاً تذكّر أن السياق التاريخي والاجتماعي يُوفر للمواطنين بيئة مألوفة، حيث يتشاركون القيم والطقوس التي تُسهم في التجانس والاستقرار النفسي. لا شك أن التواصل أساسي للبقاء، إذ يتيح لنا تبادل المعلومات والمشاعر والتعبير عن أنفسنا بصراحة، وإطلاع الآخرين، وتوضيح احتياجاتنا، ومشاركة تجاربنا معهم. كما أن التواصل هو أساس التنمية الاجتماعية، بسبب انه يزود المواطنين بقاعدة ثقافية ولغوية، ويعزز نموهم الشخصي.
لكن الصراعات وتصاعد العنف، كالحروب، يجبر الفئات الأكثر ضعفاً على مغادرة أوطانها والهجرة..
لماذا هذه الحروب؟ ببساطة لأن الاستعمار لم يتوقف قط؛ بل على العكس يواصل ترسيخ هيمنته، مُحكماً قبضته على استغلال الموارد الطبيعية لإثراء نفسه وتحقيق الامبريالية الاقتصادية الاقليمية.
إنهم يُبقون الدول الأغنى بالموارد الطبيعية (النفط والغاز والمياه والمعادن) تحت سيطرتهم. فعلى سبيل المثال، تهدف الحرب في الشرق الأوسط إلى إضعاف حكومات هذه الدول عبر إثارة الانقسامات العرقية، والهيمنة عليها لتغيير بنيتها الجيوسياسية، وإجراء إعادة هيكلة رقمية، والاستيلاء بالقوة على المصالح الاقتصادية للمنطقة. على الرغم من استقلال دول العالم الثالث التي كانت خاضعة للاستعمار، فإن القوى المستعمرة -القوى العالمية- تواصل نفوذها الاستعماري الجديد لفرض سيادتها الاقتصادية على هذه الدول. ولذلك، تهدف الحروب إلى السيطرة الاقتصادية العالمية واستغلال الموارد الطبيعية والهيمنة عليها. ومن ثم، تنطوي هذه الحروب على احتلال عسكري لدول ضعيفة سياسياً، وإعادة دمج مواردها اقتصادياً. منذ عام 2001، اشتدت حدة الحروب في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا والصومال واليمن وباكستان وفلسطين المحتلة ولبنان وإيران. وقد دمرت هذه الحروب البنية التحتية، وزرعت العنف وانعدام الأمن، وساهمت في صعود تنظيم داعش. وهي المحرك الرئيسي لتدفقات الهجرة إلى أوروبا والنزوح الجماعي للسكان المنكوبين والمصدومين والذين يبحثون عن لقمة العيش. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فهناك أيضًا خطر العنصرية البنيوية التي تقوض التنوع والتضامن بين الشعوب. كما بلغ التعصب العرقي ذروته اليوم، وهذا بسبب نشوء الأحزاب اليمينية المتطرفة و خطابات الكراهية التي ينشرونها ضد علي الشاشات والمنصات الرقمية وهي تحرض علي وجود المهاجرين في الخارج، خاصة في اروبا والولايات المتحدة. لا يولد الناس عنصريين، لكن العنصرية ثقافة تغذيها النقاشات السياسية. فهل سيتمكن العالم يومًا من العيش في وئام ثقافي؟ كيف نفسر حجم العنف الهائل في العالم؟ ما الذي يبرر المنطق الأخلاقي للعنف السياسي؟ لماذا يلجأ السياسيون إلى العنف؟ هل هو التبرير المزعوم لحماية الوطن من الانتهاكات والجرائم التي قد يرتكبها الآخرون؟ اوانها أيديولوجية متطرفة نابعة من العداء للاختلافات الثقافية والعرقية؟ للأسف، نشهد اليوم حالات تعصب وآليات سياسية عرقية مركزية تسعى إلى خلق عدو: "التعددية الثقافية".
هناك تعصبٌ شديدٌ تجاه تنوع الثقافات والأديان، لدرجة أن العنف والتحيز والصور النمطية باتت ظاهرةً يوميةً في دول العالم أجمع، سواءً أكانت عربيةً أم أوروبيةً أم أمريكية. ليس هذا من قبيل الصدفة، وللأسف، يُسهم ذلك في ترسيخ جدار الرفض، ويُشكل عائقاً كبيراً أمام التماسك الاجتماعي.
لا يقتصر هذا على الإساءة اللفظية أو النكات غير اللائقة، بل يشمل أيضاً العدوان اليومي. وتتجلى مظاهر التعصب هذه من خلال النفور من الثقافة، والملابس، والطقوس، والمأكولات، وما إلى ذلك. ويظهر هذا في المجال المهني (التفاوت غير المبرر في الرواتب، وعوائق التوظيف) وكذلك في المجال الاجتماعي (التحيز، والسلوك العدائي).
يُقوّض التمييز البنيوي التماسك الاجتماعي؛ فهو لا يُعقّد فقط اندماج المجتمعات والتضامن بين الشعوب، بل يُصبح أيضاً عائقاً أمام الإنجاز وجودة الحياة. يُسهم هذا التراتب الثقافي في تهميش بعض الجماعات الثقافية، ووضعها فوق غيرها. وينبع هذا غالباً من أسباب تتعلق بالقوة الاقتصادية، وسياسات عدم المساواة التي تُطبقها الحكومات.

1122 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع