حتى في زمن الصواريخ دبي مدينة لا تتوقف

بسام شكري

حتى في زمن الصواريخ دبي مدينة لا تتوقف

لم تكن الإجازة التي خططت لها في دبي تشبه الإجازات السابقة فدبي التي عشت فيها ستة عشر سنة وعرفتها أكثر المدن حركة وحياة تصورت إنها سوف تختلف عن السابق في ظل العدوان الإيراني عليها، لقد حجزت تذاكر الطائرة قبل ثلاثة أشهر على عادة المواطنين الألماني الذين يخططون لإجازاتهم منذ بداية كل السنة الى نهايتها وحين أعلنت الحرب ونحن في العاشر من رمضان تصورت إن الحرب سوف تنتهي خلال أسبوعين على اقصى حد وهذا كان تصور الجميع لان تجربة حرب الأيام الاثنا عشر السابقة كانت تخيم على المشهد العام وكلما اقترب موعد السفر وانا صائم أكثرت من الدعاء والتمني إن تنتهي الحرب قبل موعد السفر الذي سيكون أربعة أيام قبل عيد الفطر المبارك والى أن اقترب الموعد لم يكن أمامي التراجع وإلغاء السفر فواجهت الأمر الواقع وقررت السفر وتأجلت السفرة يومين بسبب الإغلاق المؤقت لمطار دبي نتيجة للقصف الإيراني على المطار, وجاء يوم السفر وطرت الى دبي وانا واثق من نفسي بان زيارتي في أسوأ الأحوال ستكون في أجواء الحرب و لخبرتي السابقة ثمانية سنوات في الحرب العراقية الإيرانية قضيت منها خمس سنوات في الخطوط الأمامية للجبهة وشاركت في عدة معارك .
منذ اللحظة الأولى لصعودي الى الطائرة كان هناك شعور غريب يتسلل إلى التفاصيل, المدينة التي اعتدت أن أراها رمزًا للرفاهية والهدوء، ستكون تعيش على إيقاع مختلف وهو إيقاع صفارات الإنذار، ونتيجة للحرب فقد زادت مدة الرحلة ساعتين بسبب تغيير مسار الطائرة وعدم الطيران في أجواء إيران والعراق وسوريا والأردن وتركيا , وصلت مطار دبي وكان كل شيء طبيعي ودخلت الى الجهاز الأوتوماتيكي لتأشير دخولي ووصلت الى الحقائب وأخذتها في فترة لا تتجاوز العشر دقائق حيث وجدت فسي الشارع خارج المطار, وهذا بسبب التطور الهائل في مطار دبي , وفي أول ليلة من وصولي دبي صليت صلاة الخوف فانزل الله عليّ سكينته وجاءني شعور بالقوة وكأنني في الثمانينات أيام الحرب العراقية الإيرانية وانا في ريعان الشباب , وأول مظهر من مظاهر الحرب كان في الساعة الثانية صباح اليوم التالي حيث سمعت صفارة الإنذار من تلفون الموبايل بعدها سمعت أصوات أشياء تطير في الجو وتحدث صوتا غريبا وهي تخترق الهواء بسرعة فلم انهض من الفراش لتعودي على سماع أصوات القصف خلال الحرب العراقية الإيرانية, وبعد نصف ساعة سمعت انفجارا هائلا فوقي فنهضت مسرعا الى البلكون فكان هناك خط طويل من الدخان الأبيض يظهر في كبد السماء ، دقائق قليلة، ثم عاد كل شيء إلى طبيعته، وكأن شيئًا لم يحدث, وفيما بعد فهمت أن هذه الأصوات كانت نتيجة اعتراض لصواريخ ولطائرات مسيّرة، وهي مشاهد أصبحت شبه يومية في ظل الحرب التي طالت المنطقة بأكملها.
لقد كانت دبي مدهشة بطريقتها الخاصة، المطاعم ممتلئة، المولات تعج بالناس، والابتسامات لم تختفِ كان هناك إصرار جماعي على الحياة، على الاستمرار، على تجاهل الخوف أو على الأقل تأجيله. كنت أجلس في أحد المقاهي المطلة على المدينة، أراقب الأبراج اللامعة، لم يصادف أن تصلني تنبيهات الأخبار على هاتفي: اعتراض صواريخ، سقوط شظايا، إصابات طفيفة هنا أو هناك. بالفعل، سجلت بعض الحوادث أضرارًا محدودة نتيجة شظايا الصواريخ بعد اعتراضها، دون أن توقف الحياة في المدينة. المفارقة كانت صادمة عالمين متوازيين يعيشان في المكان نفسه.
في الليل، كانت الصورة أكثر تعقيدًا، الأضواء لا تزال تزين السماء، لكن خلفها وربما فوقها كانت تدور معركة غير مرئية. أصوات الانفجارات البعيدة، أو ربما أصوات الاعتراضات الجوية، كانت تذكرني بأن هذه المدينة، بكل جمالها، ليست معزولة عما يحدث حولها. فقد تعاملت الدفاعات الجوية مرارًا مع عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة خلال أيام قليلة فقط، ومع مرور الأيام، بدأت أعتاد على هذا التناقض، أن تضحك في النهار، وتفكر في الاحتمالات في الليل، أن تلتقط الصور، بينما تدرك في داخلك أن هذه اللحظات قد تكون استثنائية، ليس فقط لجمالها، بل لغرابتها، وما جعل هذه الإجازة مختلفة لم يكن فقط المكان، بل الإحساس، الإحساس بأنك تعيش تجربة نادرة أن ترى كيف يمكن لمدينة أن ترفض التوقف، حتى وهي تسمع صوت الحرب على أبوابها.
في اليوم الأول زرت مول الإمارات وقمت بتفعيل رقم الموبايل الإماراتي الجديد وكان الناس في المول في غاية الهدوء واشتقت لمدينة التنين الصينية فزرتها في نفس اليوم وكانت تعج بالمتسوقين وفي أول أيام العيد تمت صلاة العيد في المساجد وليست في المصليات المفتوحة , والإمارات تختلف عن بقية دول الخليج ففي العيد يصلون صلاة العيد في مصليات مفتوحة على الهواء الطلق وهي عبارة عن مساحات كبيرة من الأرض مسورة بسور ولها باب لا يفتح إلا في صلاة العيد أو أي صلاة جماعية كصلاة الاستسقاء وغيرها ومصلى العيد فارغ من كل شيء , الأرض والسماء فقط, وهم بصلاة العيد يتوجهون الى الله بدون سقوف أو جدران وهي فكرة رائعة انك تقف بين يدي الله بهذا الشكل وفي هذه السنة فقد أقيمت صلاة العيد في المساجد المغلقة خوفا على المصلين, وتم منع التجمعات في الأماكن المفتوحة وبذلك أغلقت القرية العالمية لحين انتهاء الحرب, وبإغلاق المدينة العالمية فقدت زيارة اهم معلم من معالم دبي السياحية
جرتني الذكريات القديمة لزيارة منطقة الديرة (مركز مدينة دبي القديم) وقفت على ضفاف خور دبي، ذلك الشريان المائي الذي قسم المدينة إلى نصفين: ديرة من جهة، وبر دبي من جهة أخرى، والذي كان منذ القرن التاسع عشر مركز الحياة الاقتصادية والتجارية, وهناك، قررت أن أخوض واحدة من أبسط وأجمل التجارب في الرحلة, ركبت “العبرة” وهي زورق خشبي صغير، تقليدي، يحمل في داخله قصة مدينة كاملة, دفعت درهمًا واحدًا فقط، أقل من عشرين سنتًا، وجلست بين عشرات الركاب، ننتظر الانطلاق هذه القوارب، رغم بساطتها، لا تزال حتى اليوم من أرخص وأقدم وسائل النقل في دبي ,تحرك القارب ببطء فوق الماء، ومع كل متر كنا نبتعد فيه عن ديرة، كنت أشعر أنني أبتعد أيضًا عن دبي الحديثة, في دقائق قليلة لا تتجاوز سبعة إلى عشر دقائق كنت قد انتقلت من عالم الأبراج الزجاجية إلى عالم آخر تمامًا, وصلت إلى بر دبي، حيث يقع ما يُعرف بسوق الهنود.
هناك، الزمن يبدو وكأنه توقف فالمباني القديمة، الأزقة الضيقة، الروائح المختلطة للتوابل والبخور والأقمشة، كل شيء يوحي بأن هذه المنطقة لم تتغير منذ عقود طويلة، وربما أكثر من سبعين عامًا, في تلك اللحظة تحديدًا، أدركت أن دبي ليست مدينة واحدة, بل مدينتان تعيشان في المكان نفسه, واحدة تنظر إلى المستقبل بكل قوة، وأخرى تحفظ الماضي بكل تفاصيله.
وعاد بنا الزورق من بر دبي الى ديره بنفس البساطة الأولى وظهرت أمامي العمارات الضخمة بألوانها المختلفة والتي تمتد على طول خور دبي وما إن نزلت من الزورق الخشبي حتى بدأت في متعة التسوق في سوق التوابل الذي يقع بين خور دبي وسوق الذهب واشتريت من التوابل ما يكفيني سنة كاملة في ألمانيا.
دبي كباقي دول الخليج لم تتغير في زمن الحرب العدواني التي شنتها إيران على عشر دول عربية وهي دول مجلس التعاون الخليجي والأردن والعراق وسوريا ولبنان بحجة ضرب القواعد الأمريكية، وللأمانة فاني كنت شاهد عيان إن كل الصواريخ والطائرات المسيرة كانت تضرب أماكن اقتصادية وتجمعات سكانية وأماكن بترولية.
من خلال خبرتي العسكرية ومشاهداتي الميدانية خلال أسبوعين في دبي فاني اجزم بما لا يقبل الشك ان دول مجلس التعاون الخليجي والأردن انتصرت في تلك الحرب وتصدت للعدوان باحترافية لم يكن أي شخص في العالم ليصدقها، فإسرائيل التي تملك القبة الحديدية ومقلاع داوود وأنظمة صواريخ أرو 2 وصواريخ ارو 3 ونظام الشعاع الحديدي كانت كل تلك الأنظمة الدفاعية تفشل في إسقاط العديد من الصواريخ الإيرانية والمسيرات فتحدث حرائق إضرارا بشرية ومادية هائلة في إسرائيل , ودول الخليج والأردن التي لم تكن في يوما ما في حالة حرب مع أي دولة أخرى تصدت أنظمتها الدفاعية ولنسبة 97% من تلك الصواريخ وهذا يعني التفوق العسكري الدفاعي في دول الخليج والأردن على إسرائيل بعشرات المرات.
الملفت للنظر إن عدد الصواريخ والمسيرات التي قامت إيران بإطلاقها على الإمارات بلغ لغاية كتابة هذه المقال هو 2429 وما أطلقته إيران على إسرائيل في نفس الفترة هو 1365 , فأي حقد لنظام ملالي طهران هذا على الإمارات؟ والأغرب إن إيران أطلق على دول مجلس التعاون الخليجي 4866 مقذوف وعلى الأردن 60 مقذوف وعلى العراق وسوريا 150 مقذوف وفي نفس الوقت أطلقت إيران على إسرائيل 1365 مقذوف, وهذا يعني إن الدول العربية تعرضت الى خمسة أضعاف ما تعرضت له إسرائيل.
تطالب إيران اليوم أمريكا بتعويضات مالية كشرط للموافقة على وقف الحرب وهي لا تعلم في غمرة أوهامها أنها هي من ستدفع التعويضات لكل الدول التي تضررت من عدوانها الممنهج فمن أين ستتمكن تلك الدولة القابعة تحت رماد الإفلاس والحصار الدولي منذ عشرات السنين من سداد فواتير الدمار بسبب عدوانها الغادر وعملتها النقدية قد انهارت إلى مستويات خرافية؟
لقد أدى هذا العدوان إلى شلل حركة الملاحة في الخليج العربي وتوقف إنتاج البترول والغاز واحتراق مصانع الألمنيوم ومحطات تحلية المياه ووقوع خسائر فادحة في آبار النفط وخطوط نقلها مما أصاب الاقتصاد العالمي بأضرار جسيمة نتيجة تعطل إمدادات الطاقة وعدم وصول المواد الخام إلى المصانع الأمر الذي أدى لخسائر مادية واستغناء عن آلاف العمال وتعطل حركة الطيران وتوقف حجوزات الفنادق والمؤتمرات والسياحة في عشر دول عربية طالها هذا العدوان فمن أين ستدفع إيران كل تلك الاستحقاقات.
انتهت أسبوعين في دبي بسرعة خاطفة حيث استمتعت بالتسوق وبالأكل العربي الفاخر الذي أفتقده في ألمانيا وتمتعت بلقاء الأهل والأصدقاء والزملاء السابقين وأبرز من قابلت كان مديري السابق الأستاذ المهندس رياض الصادق المدير الشريك في مجموعة شركات الحبتور ذلك الرجل العملاق في إنجازاته ونجاحاته والذي يعد مفخرة لكل رجل أعمال عربي ناجح , تبادلت مع الجميع أجمل الأحاديث وعندما عدت إلى ألمانيا امتدت رحلتي من مطار دبي إلى مطار دوسلدورف لثماني ساعات بدلاً من خمس وقامت طيران الإمارات بتقديم ثلاث وجبات طعام لطول فترة الرحلة في الوقت الذي كنت قد دفعت فيه سعر التذكرة قبل ثلاثة أشهر أي قبل ارتفاع أسعار الوقود وقبل أن تتبدل مسارات الجو وأكيد أن كل تلك الخسائر التي تحملتها طيران الإمارات وغيرها من الخسائر لأكثر من ثلاثة آلاف وتسعمائة وستين شركة خليجية سوف تدفعها إيران صاغرة في حالة من الذل والخسران وأتمنى أن يتذكر القراء ما كتبته الآن في نهاية الحرب.

بسام شكري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

577 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع