
صبيح صادق
الكاتبة والفنانة المبدعة سحر علي هادي التي تعرّفتُ عليها ولم أعرفها
في أواخر عام 1980، عندما كنت أعمل بالقسم الثقافي المعروف آنذاك باسم "صفحة آفاق" بجريدة الجمهورية، حضرت فتاة في مقتبل العمر لتقدم نفسها باسم سحر علي هادي، لتتحدث حول موضوع كتبته للصفحة. فتاة في غاية الأدب، كانت تتكلم بقدرة فائقة في مواضيع الفن والثقافة، ودار معها حديث حول نشاطاتها، قالت بأنها قد تخرجت هذا العام من كلية الإدارة والاقتصاد لكنها مولعة جدا بموضوعات الأدب والفن. امتد الحديث ليشمل الحياة الاجتماعية، عرفتُ من خلال كلامها بأن علاقتها مع عائلتها وثيقة للغاية لدرجة انها الغت رحلتها إلى لبنان لأن أخاها قد تم سحبه للالتحاق بخدمة الاحتياط لكونه من مواليد 1956، في بداية الحرب العراقية الإيرانية، ولهذا قررت تمديد بقائها في بغداد كي تطمئن على أخباره، وأجّلت التحاقها بزوجها في لبنان.
بعد شهر تقريبا، تركتُ العمل وغادرت العراق، فانقطعت أخبار تلك الفتاة عنـّي تماما، لكن تأثيرها بقي في ذهني.
بعد سنوات طويلة، بدأت أقرأ خبرا عن فنانة تدعى سحر طه، مهتمة بالتراث الموسيقي، فقلت في نفسي، اسم هذه الفتاة يذكّرني بكاتبة عراقية تحمل اسما مشابها وهو سحر علي هادي، التي كانت تكتب في صفحة آفاق، القسم الثقافي.
بعد فترة، صادف أن نشرت احدى الصحف سحر طه، فتأملت الصورة، وقلت في نفسي: كأنني قد رأيت هذه الفتاة من قبل، ولكن من هي؟
ومرت سنوات أخرى، وأخذت أقرأ عن نشاطات الفتاة الثانية، سحر طه، واحيائها لحفلات في دول عربية وأوربية.
أخذت دون شعور، أتتبع أخبار تلك الفتاة، فعرفت بأنها عراقية. انتهى الأمر عند هذا الحد. وبعد فترة، قرأت عنها بأنها في حالة حرجة ومريضة بالسرطان، وعندها ازداد قلقي وتتبعي لأخبارها كي أعرف ماذا حل بها، ثم قرأت أخبارا مفرحة عن تحسن صحتها، لكن المرض عاودها، أكثر من مرة، حتى جاءني الخبر الذي صدمني، وهو وفاة الكاتبة والصحفية والفنانة سحر طه.
بقيت أتابع أخبار تلك الفتاة التي توفيت، حتى فوجئت بخبر يقول ان اسم "سحر طه" الحقيقي هو "سحر علي هادي"!
عدت إلى ملاحقة صور الفنانة سحر طه، كي أتفحص وجهها وهي في مقتبل العمر، وإذا بها هي نفس تلك الفتاة التي كانت تنشر نتاجاتها في صفحة آفاق باسم سحر علي هادي.
يا للهول، منذ سنين وأنا أتابع أخبار الفتاة الثانية، سحر طه، تيمنا بالفتاة الأولى، تلك الفنانة التي لم أتعرّف عليها، وإذا بها هي سحر علي هادي التي تعرّفت عليها!
سحر علي هادي (سحر طه)
ولدت الكاتبة والفنانة ببغداد، عام 1963، وفيها أكملت دراستها الجامعية. نشأت في عائلة محبة للأدب والفن، وتزوجت من الصحفي سعيد طه. غادرت العراق للإقامة في لبنان، واستمرت في دراستها وحصلت على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال عام 1984. ثم حصلت على شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة الحضارة الاسلامية المفتوحة، تقديراً لجهودها ودراساتها وأبحاثها في احياء التراث الغنائي العراقي.
في لبنان شاركت سحر في العديد من الأعمال والفعاليات، واستمرت تنشر في الصحافة العراقية والعربية، وعملت في التلفزيون، ثم اتجهت إلى الموسيقى والغناء التراثي، وشاركت في العديد من المهرجانات العربية والأجنبية. وفي عام 2004 قامت بتأسيس فرقة عشتروت للغناء التراثي، وأصدرت العديد من الألبومات، منها "بغداديات"، و"الأغاني العراقية التقليدية".
يقول الكاتب جمال جبران: وعند النظر إلى كافة الحيوات التي عاشتها المطربة صاحبة "ودعت بغداد"، سيجد المتابع رغبة صاحبتها في أن تعيش في أكثر من مكان وجنسية وفي أكثر من حياة، وفي العديد من الأعمال التي كانت تقوم بها في وقت واحد؛ فهي: الكاتبة الصحافية، والباحثة والمطربة وعازفة العود على أكثر من اتجاه شرقي".
وصفها زميلها محمد حجازي: " الأديبة المتواضعة والمثقفة، كانت على الدوام مثالاً للصحافية المحترفة التي تعرف الكثير، لكنها تقول الممكن والمطلوب، وشكّلت إطلالتها دائماً فعل خير وطمأنينة وتوازن في الرأي، كنا نلتقيها دائماً في المناسبات الفنية، في المؤتمرات الصحفية، وكلما سألنا عن وضعها الصحي كانت تجيب " العلم عند الله ونحنا خاضعين وراضيين بمشيئتو".
حنين سحر للعراق
في مقابلة مع الكاتب حسن الفرطوسي، تقول سحر طه:
"إذا كان شِعري قد أبكاني لمرّة واحدة أمام كاميرات التلفزيون، فالعراق أبكاني طوال عمري، وما زال يبكيني، لأن محنتنا مع العراق لا تبدو لها نهاية... ومأساة العراق مركّبة ومعقدة ولا يحدّها أفق أو سقف زمني، ما يجعلنا نصاب بالإحباط واليأس رغم محاولاتنا الدائمة في انتزاع لحظات التفاؤل من عمر الزمن ومنح أنفسنا فسحة من الأمل".
من ضمن نشاطات سحر طه، نشرها عام 2006، كتاب: "مقامات بغدادية... من يوميات الاحتلال الأميركي للعراق"، وقصة هذا الكتاب كما توضحه الكاتبة:
"قبيل الحرب عدتُ الى العراق، بدافع أن أعيش مع أهلي محنة حرب لم يتكّهن أي منّا في الشكل الذي ستكون عليه، لكن اليقين الوحيد الذي كان يراودنا هو انها حرب ستلتهم اليابس والأخضر، لذلك قررتُ أن أعيش تلك اللحظات الحميمة مع أهلي وشعبي وأربط مصيري بمصيرهم كيفما كانت النتائج، ونتيجة لتلك الزيارة قمتُ بتأليف كتاب بعنوان "مقامات بغدادية... من يوميات الاحتلال الأميركي للعراق"، يتضمن مشاهداتي لحال العرق أثناء القصف الجوي والدمار الذي لحق بالعراق ولحظات الانهيار الكارثي الذي عاشته بغداد وتداعيات الحرب وقد ضمّنتـُها بذكريات الطفولة وأشجان الماضي".
يصف معن البياري كتاب سحر بأنه "كتابٌ في التذكّر والنّجوى واللّوعة، في الحزن والحنين... هذا بعض ما يمكن أن يوصَف به كتاب "مقامات بغدادية.. من يوميات الاحتلال الأميركي في العراق . . . صورةُ كاتبتِه تحتضن عودَها، بدا الأمر دالا على أن القارئ سيتهادى مع سلالم مقاماتٍ ترتحل به إلى مشاعر متنوّعة، الحزن والخسران والحب والتّفجع والقلق والتوتر والانتظار والترقب، تُتابع سحر طه الحرب، وأحوال أمّها وإخوتها وأهلها، في الأعظمية في بغداد، القلق الكثير يتضاعف عندما ترى قدّامها على التلفزيون الحيَّ الذي يقيم فيه أهلها، يسوّيه الغازي بالأرض. مات كثيرون، ونجا بعض أهلها ومعارفها وجيرانها. وكانت قد كتبت أن العراقيين لم يعودوا يروْن في الملاجئ أمكنةً آمنة، لفداحة ما تركته فيهم فاجعة ملجأ العامرية في حربٍ عدوانيةٍ سابقة . . . هذا واحدٌ من مقاطع اللحظة الحارّة الخاصة، في "مقامات بغدادية.."، من يوميات شهر آذار الذي مرّ ثقيلا بطيئا، تُتبعه الكاتبة بمقاطع أخرى، آثرت فيها ارتحالا في الذاكرة، إلى أيامٍ بعيدة، في زياراتٍ للمراقد في النجف، وفي أثناء مواسم عاشوراء، وهناك حيث بيت الجد، والحوش الذي فيه يستأثر بوصفٍ كثير، وهو الذي كان يشهد مجالس أفراح وأتراح. وبكيفيةٍ كولاجية، أشبه بمونتاج السينما، تُحدِث الكاتبة انتقالا من النجف إلى النبطية، من العراق إلى لبنان، من طقوسٍ عاشورائية هناك إلى أخرى هنا.
ليس كتابا عن حربٍ وقعت في العراق إذن، وإنما عن لوعة حبٍّ وحنينٍ إلى بلدٍ، بدا أن سحر طه آثرت رثاءَه".
في عام 2015، نشرت سحر "من القلب اليهم، ومضات من حياة فنانين"، تصف المؤلفة كتابها هذا:
"هذه اللمحات على قلِـّتها وطابعها البسيط تكون شبه أرشيف للأجيال المقبلة للتعرف إلى أسماء، شكلت مناخاً موسيقياً وعبّرت عن الهوية العربية على مدى مراحل من حياتنا في سنوات القرن العشرين وحتى اليوم".
وتتابع حديثها عن كتابها فتقول: "فيروز في صدارة اللائحة، لأنها أدت دوراً رئيساً في رحلتي من بغداد إلى بيروت. تربيت على صوتها، ففي طفولتي كنا نستيقظ في الصباح على صوتها يصدح عبر الإذاعة، فنشرب معها الشاي المعطر بالهال، وفي المدرسة كنا ننشد أغنياتها قبل الدخول إلى المدرسة. كذلك تعرفت على القضية الفلسطينية من خلال أغنياتها حول القدس، وكنت في سنوات مراهقتي الأولى، فاندفعت للمشاركة في تظاهرة قامت في بغداد ضد وعد بلفور".
تكتب سحر عن ذكرياتها مع المطربة "نهاوند"، تقول: انها اختارت الفنانة نهاوند "لأنها قيمة كبيرة رغم عدم شهرتها، فهي معروفة بأغنية واحدة في لبنان، وفي العراق هي معروفة بأغنيات من ألحان رضا علي العراقي، وتعتبر «تدلل» من أجمل الأغاني العراقية، لذا يقتصر أثرها في العراق مع انها صوت طربي من الدرجة الأولى. صاحبة الأغنية الأشهر «يا فجر لما طلّ»، التقيتها صدفة أواخر التسعينيات في منطقة كفرشيما في بيروت، وعندما أدركت أنني عراقية تنهدت وقالت: «آه... العراق... يا سلام... لي في بغداد ذكريات عزيزة وجميلة»، ذلك أنها عرفت في العراق بمطربة المواويل الآتية من بلد الأرز، وصوت الطرب الأصيل، وكانت الإذاعة تبث قصائدها، أشهرها أغنيتان باللهجة العراقية هما (إدلل عليَّ) و(يابا يابا اشلون عيون).
سحر والتراث الفني
درست سحر التراث الموسيقي العراقي والعربي واهتمت به، تقول:
"بالعادة أستمع لعظماء الفن، عبد الوهاب، ام كلثوم، فيروز، وأستمع للمقامات كثيراً. وهذا أمرٌ اعتيادي لأنه يجب أن أستمع لمقاماتٍ جديدة قبل قيامي بأي حفلة. وكذلك أنا أقرأ قصائد وشعراً، وقد غنيت قصائد كثيرة ولشعراء مشهورين في التاريخ العربي، كالجنيد الذي غنيت له "ما لي جفيت"، وابن عربي "أدين بدين الحب" و "عندما لاح لعيني المشتكى".
لبنان يصقل موهبتها الفنية
تتحدث سحر عن حياتها في لبنان: "أنا تعلمت عزف العود في لبنان، ونمت موهبتي الغنائية في لبنان، وزوجي سعيد طه كان له دور كبير في صقل موهبتي، كذلك وقوفه معي في صراعي مع المرض، وفي صراعنا سوية مع الخراب الذي حل في العراق وفي لبنان، دور كبير منحني القدرة على التماسك أمام انهيار الأشياء أمامي كأنها زلزال يجتاح الحياة بشكل مباغت. فلبنان منحني أشياء كثيرة وأنا أحبه، كما أن العراق سلبني أشياء كثيرة وأنا أحبه أيضاً، انها أوطان لا تخضع لمعادلات الربح والخسارة، لما لها من قيمة روحية وعاطفية في تكويننا الوجداني والانساني... انها فعلاً علاقة بين الانسان والوطن خارج الحسابات الرياضية، فقد يكون وطني لبنان الذي أمضيت فيه أكثر من ثمانية وعشرين عاماً قد عوضني عن خساراتي في العراق... ومن جملة التعويض عن الخسارات المعنوية التي تعرضنا لها جميعاً.
وحول سبب تسمية فرقتها بـ "عشروت"، تقول: "عشتروت هي ربّة الأرباب وآلهة الحب والجمال في بلاد ما بين النهرين، ولم نجد أجمل من هذا الاسم لنطلقه على فرقتنا، لما يحمل هذا الاسم من ايحاءات جمالية عميقة، كما اني أطلقت على أعضاء الفرقة من البنات اسم )عازفات عشتروت(".
وحول رأيها بالفنانات والفنانين العرب، تتحدث عن الفنانة أسمهان: "ستون عاما مرّت على غياب (عروس النيل) وكأنها رحلت بالأمس سأما وربما من الحال التي يمر بها الغناء اليوم".
وتبدي اعجابها بأسلوب الفنان نصير شمة، تقول: "أنا أحب أسلوب نصير شما، فنصير قد قام بأمر شديد الأهمية، فالجمهور العربي غير معتاد أبداً أن يحفظ جملة موسيقية أو مقطوعة موسيقية، ولكن مع نصير حدث الأمر، وقد حفظ الجمهور العديد من مقطوعاته، وصار يطلبها في حفلاته، وهو أمر يعد ثورة في عالمنا العربي. وأنا بالنسبة إليّ أحب أن أكون متواجدة في تجربة نصير شما. وتجربة بيت العود هي تجربة مهمة ورائدة فهو بدأها في تونس ثم أتبعها بتجربته في مصر، وأظن أنه سيطورها بعد ذلك أكثر فأكثر".
سحر المدافعة عن حقوق المرأة
اهتمت سحر كثيرا بحقوق النساء، وكتبت حول معاناة المرأة العراقية وخاصة العاملات في المجال الفني:
"على الرغم من الحياة الصعبة التي تعيشها المغنية في مجتمع لا يحترمها ولا يثق بها أخلاقياً، فإن اللافت ازدياد عدد المغنيات بصورة غير مسبوقة وتطور الغناء نتيجة ازدياد الملحنين وكتاب الأغنية التي تطلبها زيادة عدد النساء في وقت كان عددهن ربما وصل إلى ضعف عدد الرجال المغنين، حتى بدأت الإذاعة والتلفزيون والمسارح تحل محل الملاهي والمقاهي. لكن مع بداية الثمانينيات كانت المرأة على موعد مع القدر. عادت الحروب تتوالى وبدأ العد العكسي...".
وهي تشكو من أن: "المرأة العراقية، بشكل عام، نالها الكثير من الضرر نتيجة الحروب والأزمات السياسية التي أرهقت العراق على مدى نصف قرن، وكان للمرأة النصيب الأكبر من المعاناة نتيجة ذلك، لأنها اضطرت أن تكون هي الأب والأم والمعيل والمربّي والمحافظ على تماسك الأسرة في آن واحد، وعليها أن تقوم بكل تلك الأدوار، وهي في قلق مستمر وخوف وشعور بعدم الاستقرار، ومن الطبيعي أن تتسبب ظروف من هذا النوع في ضمور الجانب الفني".
السرطان يختطف سحر
في عام 2003، اصيبت سحر بالسرطان، وهي في أوج عطائها الفني والثقافي، واستطاعت أن تتغلب على المرض، لكنه عاودها مرة أخرى عام 2006، ، ثم مرة ثالثة، وفي هذه المرة كانت سحر منهكة. قاومته لكنه تغلب عليها في النهاية، وتوفيت يوم 17 / 8 / عام 2018، بمستشفى هنري فورد بولاية ميشيغان بالولايات المتحدة، ونقل جثمانها إلى لبنان، لتدفن بالنبطية.
يعلق الكاتب أحمد الواصل على معاناة سحر: "ابنة بغداد حملت المرض بمعناه الرمزي فقد بدأ ينهشها موازياً لما نهش بغدادها من احتلال أميركي عام 2003 وما جرى تالياً من كشف أسقام في هذا الجسد المريض، تخالط الجسدان بمرضهما، سحر وبغداد.
يمكن أن تكون سحر مثالا حيا لمعاناة الكثير من النساء، من اللواتي كن يعملن ليلا ونهارا من أجل العائلة والدراسة والعمل، واستطاعت سحر بتصميمها وإرادتها الصلبة أن تجتاز الظروف الصعبة التي أحاطت بها، لكن مرض السرطان لم يمهلها كثيرا، ومع كل ذلك، ظلت عنيدة وشامخة واستطاعت أن تحقق الكثير من الإنجازات الفنية والفكرية.

758 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع