قل لي ماذا حققت؟ سأقول لك من انتصر

 طارق الهاشمي

قل لي ماذا حققت؟ سأقول لك من انتصر

في الحروب الكبرى، لا يكون السؤال الأهم: من قاتل أفضل ؟ ولا من امتلك سلاحاً أشد فتكاً؟ بل ولا حتى من أوقع بالآخر افدح الخسائر؟ السؤال الحاسم الذي يبقى بعد أن تسكت المدافع هو: ماذا حققت؟.

حين تكون نتائج الحرب جلية كوضوح الشمس، لا يختلف اثنان في توصيفها. فهزيمة دول المحور في الحرب العالمية الثانية لم تكن محل جدل، كما أن استسلام اليابان بعد هيروشيما وناغازاكي أغلق باب التأويل تمامًا.

وفي فيتنام، اختزل مشهد المروحية الأمريكية وهي تغادر سطح السفارة في سايغون – على عجلٍ وتحت وطأة الانهيار – حقيقة الهزيمة الأمريكية، رغم عدم إعلان استسلام رسمي.

هكذا تُحسم بعض الحروب بوضوحٍ صارخ: منتصرٌ ومهزوم… بلا حاجة إلى روايات متعارضة …

لكن الحروب الحديثة – أو ما يمكن تسميته بالحروب السياسية المركّبة – لم تعد تُحسم بوضوح، تنتهي المعارك ويتوقف إطلاق النار، ثم يخرج كل طرف معلنًا انتصاره !! وكأن الحقيقة لم تعد واقعة موضوعية بل رواية مختلف عليها، أو شرف متنازع عليه.

في هذه الحالات، لا يكون الخلاف في الوقائع بقدر ما يكون في تفسيرها وزاوية النظر إليها. وأقرب مثال على ذلك المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والكيان المحتل من جهة أخرى؛ إذ توقفت العمليات قبل أيام بقرار ضمني مشترك، لكن المفارقة أن الطرفين أعلنا النصر!.

إيران عزت ذلك إلى صلابة إرادتها وقدرتها على الصمود والمطاولة، فيما رأت الولايات المتحدة أن تفوقها الناري وما ألحقته من ضربات نوعية، قتلت قيادات، ودمرت بنى تحتية عسكرية ومدنية، نووية وتقليدية يمثل دليل انتصارها. ومع ذلك، لم ينجح أي منهما في إجبار الآخر على الاستسلام ورفع الراية البيضاء.


هنا تبرز إشكالية عميقة تناولها كبار منظري الحرب. فقد رأى كارل فون كلاوزفيتز أن الحرب ليست سوى امتداد للسياسة بوسائل أخرى، وبناءً عليه فإن النصر الحقيقي هو فرض الإرادة السياسية على الخصم، لا مجرد تحقيق تفوق عسكري عابر. بينما ذهب صن تزو إلى أن أعظم الانتصارات هي تلك التي تتحقق بأقل كلفة ممكنة، بل دون قتال إن أمكن. أما هانز مورغنثاو فقد ربط النصر بميزان القوى، أي بما يترتب على الحرب من زيادة في النفوذ لا بما يُعلن عنها لحظة انتهائها.

من هنا، يصبح من الخطأ الفادح أن نُسلّم بروايات الأطراف المتحاربة، فكل طرف – بطبيعته – “يغني على ليلاه”، ويعيد صياغة النتائج بما يخدم مصلحته، ويتناسب مع رغباته، يجتهد في رفع منسوب الانتصار في خطابه، حتى وإن كانت الوقائع تشير إلى خلاف ذلك.

فكيف نحكم إذن ؟

أولاً: لا بد من العودة إلى الأهداف المعلنة للحرب. فالدولة التي تدخل الحرب لتحقيق غاية محددة، ثم تفشل في بلوغها، لا يمكن وصفها بالمنتصرة مهما كان حجم الدمار الذي ألحقته بخصمها. وعلى العكس، فإن طرفاً أضعف قد يُعد منتصراً إذا نجح في منع خصمه من تحقيق أهدافه الأساسية.

ثانياً: يجب النظر إلى الكلفة مقابل العائد، فالحرب التي تستهلك موارد الدولة، وتستنزف مجتمعها، وتدمر بنيتها، قد تتحول إلى نصر باهظ الثمن، أقرب إلى الهزيمة المؤجلة. وهنا تلتقي الحكمة القديمة مع التجارب الحديثة: ليس كل من ربح المعركة ربح الحرب. ثالثاً: الإرادة والمعنويات. فثمة حروب لم تُحسم عسكرياً، لكن أحد أطرافها أصابه الإرهاق وتعب نفسياً، فيما صمد الطرف الآخر رغم الخسائر، وفي هذه الحالة، تصبح القدرة على الاستمرار بحد ذاتها شكلاً من أشكال النصر، لأنها تعني فشل الخصم في كسر الإرادة، صمود غزة مثلاّ.

رابعاً: النتائج بعيدة المدى. فكم من حرب بدا فيها طرف منتصراً في لحظتها، ثم تبيّن لاحقاً أنه مهزوم استراتيجياً، العبرة ليست بما يحدث عند وقف إطلاق النار، بل بما يحدث بعده: من خرج أقوى؟ ومن خرج أكثر هشاشة؟ المثال، استعادة حركة طالبان الحكم في افغانستان عام 2021 بعد عشرين سنة من سقوط كابول عام 2001.

خامساً: السردية والشرعية. ففي زمن الإعلام المفتوح، لم تعد المعركة عسكرية فقط، بل هي أيضاً معركة رواية. من يكسب الرأي العام، ويُقنع العالم بعدالة قضيته، يحقق نوعاً من التفوق قد لا يقل أهمية عن التفوق الميداني.

في ضوء هذه المعايير، يمكن فهم كثير من الحروب المعاصرة التي انتهت دون حسم واضح، توقفت العمليات، لكن لم تُحسم النتائج، فادّعى الجميع النصر، وبقي الحكم الحقيقي معلقاً بانتظار الزمن… لأنه وحده الكفيل بكشف ما إذا كان ما تحقق نصراً حقيقياً أم مجرد وهم سياسي.

إن النصر في الحروب لم يعد لحظة تُرفع فيها الرايات، بل معادلة معقدة تتداخل فيها السياسة مع القوة، والإرادة مع الكلفة، والواقع مع الرواية. ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بعد كل حرب ليس: من أعلن انتصاره؟ بل:

من حقق أهداف الحرب ؟

من دفع كلفة أقل؟

ومن بقي صامداّ حين سكتت المدافع؟

تلك هي الأسئلة التي تقودنا إلى الحقيقة… بعيداً عن ضجيج الدعاية، وصخب المدّعين بالنصر.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

840 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع