
د.ضرغام الدباغ
العلاقات الدولية المعاصرة
عناوين وأتجاهات

العلاقات الدولية المعاصرة
عناوين وأتجاهات
الرقم : 480
التاريخ : / 2026
ضرغام الدباغ / برلين

دون ريب، أن واقع العلاقات الدولية المعاصرة تشهد تحولات لا يمكن وصفها إلا بالحاسمة مهما حاولنا التخفيف من سعتها وأحتمالاتها السلبية والايجابية. إلا أنها ستبقى كبيرة ومهمة، وحتى إذا لم تفض إلى صراع عسكري عالمي، لكنها ستقود إلى تعديلات هامة في النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية وافضى عام 1945 إلى أنبثاق منظمة الأمم المتحدة، ومؤسساتها السياسية والاقتصادية ومجلس الأمن الدولي في مقدمتها.
واليوم نعتقد أن الحاجة غدت ماسة لوضع مؤشرات وعلامات لنظام دولي سيكون بوسعه وضع الآليات السليمة، للنشاط الدولي الهائل الذي يدور في جميع ميادين العمل، ويكفي الإشارة إلى أن عدد الدول الاعضاء المؤسسين للمنظمة (26/ حزيران/ 1945) الأمم المتحدة كان لا يزيد عن(51) دولة، تصاعد هذا الرقم فبلغ (193) دولة عام 2011. وصحيح مرت 83 عاماً على الحرب العالمية الثانية، إلا أنها لم تكن لتخلو من النزاعات والصراعات المسلحة، والحروب بالوكالة، وأشباه الحروب كلفت البشرية في جميع قارات العالم من القتلى والجرحى والمعاقين، أعداداً تجاوزت أعداد الحرب العالمية الثانية، وهذا ما يقال أيضا عن الخسائر الاقتصادية.
وفي الخمسينات يؤشر سجل الولايات المتحدة وحلفاءها بالتدخل المسلح المباشر وغير المباشر في بلدان ومناطق عديدة في العالم، وتتواصل هذه السياسة في العقود ما بعدها دون توقف، وهو مؤشر واضح لمكانة القوة واستخدام القوات المسلحة في السياسة الأمريكية خاصة والغربية عامة
(لاحظ الجدول (1):

1. المصدر: الجدول من أنجاز المؤلف من مصادر مختلفة
وفي غضون عشرين عاماً فقط بعد الحرب العالمية الثانية، تسببت الدول الغربية لا سيما الولايات المتحدة في نشوب النزاعات المسلحة أو التسبب بإحداثها، أو الحروب الأهلية منذ عام 1945 وحتى 1971 بلغ 142 حرباً أو نزاعاً مسلحاً كما يشير
الجدول أدناه . (2)

ومع أن هذه الحروب والنزاعات كانت محلية ومحدودة (باستثناء حرب كوريا والعدوان الثلاثي عبى مصر) من حيث عدد الدول المشتركة، أو من خلال النتائج التي تمخضت عنها، إلا أنها أدت إلى خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات، أو من حيث كلفتها الاقتصادية بسبب ارتفاع القدرة التدميرية للأسلحة المستخدمة من جهة، وارتفاع كلف إنتاج الأسلحة والأعتدة. فالحرب الكورية التي انتهت بلا حسم، كلفت الولايات المتحدة لوحدها (دون حساب خسائر حلفاءها) 25 ألاف قتيل، و115 ألف جريح، و22 مليار دولار، وكان مجموع خسائرها من الطائرات النفاثة المرتفعة الثمن قياساً إلى جيل الطائرات المستخدمة في الحرب العالمية الثانية، 1416 طائرة. (3)
ولكن النظام الدولي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن ليمتلك الآليات الكافية، للحيلولة دون الرقم الكبير من الحروب، والحروب بالوكالة (Proxy wars (
وأشباه الحروب، والنزاعات المسلحة، ويشير مؤلف للرئيس الأمريكي ريشارد نيكسون / Nixon, Richard (So verlieren wir den Frieden. Der dritte Weltkrieg hat schon begonnen | ) أن البشرية شهدت من الخسائر المادية، وسقوط أعداد من الضحايا في الحروب وأشباه الحروب، ما يناهز العدد الذي سقط في الحرب العالمية الثانية. فالعالم اليوم بأمس الحاجة لمجتمع دولي ونظام عالمي يحفظ السلم والأمن لجميع شغوب العالم.
وقد رصدنا عدداً من العناوين والاتجاهات التي تؤشر بنفسها على موضوعات والتي تتخذ بشكل مطرد، أهمية متزايدة في العلاقات الدولية المعاصرة، وتمنحها طابعها المميز.
أولاً دولنة متزايدة للاقتصاد.
الانتشار المتزايد للبنوك، وبيوت الاستثمار العالمية والشركات المتعددة الجنسية (Multi National Corporation ) وشيوع أسلوب الكونسريتوم (consortium): تحالف أتحاد بنوك، أستتثمارات مشتركة، الكونستريوم هو اتفاق يبرم بين عدة أطراف محلية أو أجنبية، يتضمن التزامات كل جانب في تنفيذ مشروع معين، لمدة محدودة، من أجل تحقيق الربح، من دون أن ينشأ من هذا العقد كيان ذاتي أو شخصية قانونية مستقلة، فبموجب هذا الاتفاق يتم تجميع الشركاء في كيان غير مستقل عن مكونيه، الذين يحتفظون بشخصياتهم المستقلة، إذ ينشأ الكونسورتيوم بموجب اتفاق متعدد الأطراف يحدد أطراف المشروع ويضع خطط تنفيذه، ويقدم له الأموال والتكنولوجيا، ويعين كيفية التعاون بين الأطراف لتوفير ذلك. أي إن تأسيس الائتلاف يكون في سبيل التعاون المشترك بين الأطراف المختلفة ذات النشاط المتكامل أحياناً، والمتشابه أحياناً أخرى. وإضافة إلى ذلك فإن تشكيل الائتلاف يتم لغاية جوهرية تتمثل في الرغبة في تقاسم مخاطر الاستثمار عند تنفيذ مشروع معين، إضافة إلى الحد من المنافسة بين أطراف الائتلاف في الأسواق الخارجية والداخلية.
• ويتكون الائتلاف بين عدة شركات من جنسية واحدة، وقد تتعدد الشركات التي تسهم فيه، وقد يتكون بين شركات عامة وأخرى خاصة، وهذا يعني أنه قد تشترك أموال عامة وأخرى خاصة في تكوينه.
• وبذلك يغدو الكونسورتيوم تجمعاً إقتصادياً وقانونياً ذا قدرة فائقة على توفير التمويل اللازم لتنفيذ الأداءات العقدية المطلوبة، وعلى تقديم الخبرات الفنية والتكنولوجيا المتطورة في إطار تنظيمي تعاقدي واحد.
• وتعود فكرة الكونسورتيوم إلى فكرة المشروع المشترك التعاقدي كشركة محاصة وهو مفهوم قانوني نشأ أساساً في فلك المدرسة القانونية الأنكلوأمريكية، والذي يمثل نظاماً تعاقدياً خاصاً تقوم الالتزامات المتبادلة بين الشركاء فيه على أساس أنه تنظيم مالي وإداري خاص تتجمع فيه الأشخاص والأموال بطريقة خاصة، لتحقيق غرض اقتصادي مشترك من دون أن يكون له استقلال قانوني أو إداري أو مالي.
تشير أرقام ومعطيات كثيرة، أن حجم المشاكل التي تعاني منها البشرية، وفي المقدمة الاقتصادية ومنها يتفرع العديد من المشكلات حتى الكبيرة منها، وبإلقاء نظرة بسيطة على ديون البلدان النامية في عام 2025 نجد أنها ان خدمة الدين (القسط + الفائدة) بلغ حسب بيانات البنك الدولي بتاريخ ( 3 /كانون الأول/2024) بأن البلدان النامية أنفقت مستوى قياسياً يبلغ 1.4 تريليون دولار لخدمة ديونهـــــــاالخارجية، حيث ارتفعت أسعار الفائدة لأعلى مستوى لها في 20 عاماً في عام 2023..
ثانياً : الاتصال الكثيف ونتائجه بين الشعوب
بفعل الانتشار الثقافي والعلمي، والصحي والانساني .والهجرة، لأسباب عديدة، بين الاقاليم وقارات العالم بدوافع: الحروب، الحروب الأهلية، الأوبئة، التباين في الاقتصادات الوطنية. ساعد على ذلك تطور وسائط النقل البرية والبحرية والجوية، والأنتشار الواسع النطاق لشركات النقل، وأنتشار الوسائط الثقافية وفي مقدمتها: الراديو والتلفاز، والانترنيت، والهواتف التي تعمل بواسطة الاقمار الفضائبة، حتى اصبحت الهجرة الهاجس الأكبر للدول الصناعية، إلى جانب تنامي إسباب داخلية كثيرة في الدول الصناعية (العزوف عن الزواج، والجنسية المثلية، وتراجع أعداد السكان)
ثالثاً : الهواجس الأمنية.
وبفعل تداخل مصالح الدول على جميع الأصعدة، تكتسب بعض الخلافات التي تمس الأمن القومي، المزيد من الحدة، وتنذر بصراعات قد تبلغ درجة الصراع المسلح. ورافق هذا تطور أساليب العمل السياسي، وتجارب العمل العابر للحدود الدولية لأمم، وسهولة التنقل، وتصاعد وتيرة التدخل في الشؤون الداخلية للدول. يقود إلى ضرورة سن قواعد تقضي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
رابعاً : تعاظم أهمية مسائل وموضوعات الجيوبولتيك
وقضاياها الفرعية: المياه المشتركة (انهار وروافد وبحيرات)، والممرات والمضائق، ومشكلات الجرف القاري، ولاسيما حين تكون هذه النقط تمثل ممرات بحرية، أو مناطق لأستخراج المعادن(النفط)، أو كونها تعرقل سريان الخط الدولي مع مفاهيم المياه الاقليمية، وطرق الملاحة الجوية والبحرية،
خامساً : الأحواض/ تحت الأرض:
المياه الجوفية والحقول النفطية والمعدنية. المشتركة. وهذه غالباً ما تشترك فيها دول هديدة متجاورة، تشترك بأن لها خصص متداخلة في المياه الجوفية، التي قد تحمل بعض الدول على الأحتفاظ بالمياه الجوفية، أو للظروف الصعبة في مواجهة تقلبات المناخ والطقس. كخزين استراتيجي. وذلك يتحتم على الدول المشتركة في حوض مائي مشترك، الأتفاق على طريقة تقاسم المياة ونسب استخراجها، كذلك حين يكون هناك مناجم في مناطق متاخمة، أو مناطق جبال متداخلة، تضم مناطق سياحية، أو ثروات طبيعية، أو ربما تزحف الأرض من جراء انهيارات التربة، أو تغيرات في المناطق الحدودية بسبب الزلازل، أو أسباب طبيعية، كالمشكلات الحدودية بهذا المجال بين لإيطاليا وسويسرا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش
1. المصدر: الجدول من أنجاز المؤلف من مصادر مختلفة نشر في كتابنا:
الدباغ، د. ضرغام: استخدام القوة المسلحة في العلاقات الدولية، الطبعة 1عمان/ الأردن 2017
2. Kießling, G.: Krieg und Frieden im unsere Zeit, S. 100, Berlin 1977
3. وانتي، الجنرال أميل: فن الحرب، ص 365 ــ 368

965 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع