بالقلم العريض

الدكتور محمد سيف الاسلام الهاشمي

بالقلم العريض

بسم الله الرحمن الرحيم
إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين
قرآن كريم / سورة القلم 7

الكتابة اليوم وتقدير الموقف في ظل تقلبات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتفرده بقرار الحرب والسلم ، من أصعب ما يكون في ظل معركة مفتوحة زمنيا بين اطراف ثلاثة يجمع بين طرفين من اطرافها اليهود وورثة الأكاسرة والدهاقنة الفرس خيط واحد اسمه العداء والكيد للإسلام والعرب ، كما أن الولايات المتحدة لها اطماعها وطموحاتها لاستمرار تفردها بسيادة العالم ، وبنفس الوقت دعم الكيان الصهيوني ربيبها ، وسوف أحاول في هذه الدراسة المتواضعة الموجزة البعيدة عن العواظف والسجع اللفظي ، أن أقدم قدر المستطاع رؤيا لبعض ما ترشح عن هذه المعركة المفتوحة مع ولاية الفقيه .
الولايات المتحدة تطمح لاستمرار سيطرتها على منطقتنا وثرواتها وموقعها الجغرافي ونفوذها باعتبارها القوة الأعظم على الأرض ، وتتحسب للمعركة القادمة حتما مع الصين الصاعدة ( وذلك عامل مهم للغاية ) وان طال الزمن ، فالجبابرة يحكمهم قانون القوة والصراع على النفوذ والاستحواذ ، وهو قانون الحتمية التاريخية الذي يلعب دور مهم في فتح شهية الجبابرة للمزيد من النفوذ والجشع ، وطريقه مر وضريبته عادة دماء بسطاء الناس ، ولذلك ستدافع الولايات المتحدة بشراسة عن مصالحها ونفوذها وتغير تحالفاتها وفقا لواقع الحال في صراعها من اجل الهدف الأسمى لها ، وهو استمرار تسيدها على عرش الكون في القرن الحادي والعشرين . أما الكيان الصهيوني الغاصب فمشروعه التوراتي المدعوم من اعلى هرم القيادة الماسونية في العالم ، واضح العيان، ويعبر عنه نتنياهو بشكل لا غبش فيه ، وهو صراع نحن المسلمين نجتمع على فهمه استنادا لما جاء في القران الكريم في سورة الاسراء وما اخبرتنا به السنة النبوية الشريفة، وهو قدر الله ووعده بعلو اليهود الأخير في الأرض وله عمر محدد ، ونحن عباده معشر البشر ، لا نعلم الغيب ،لكن هذا المشروع الصهيوني المدعوم من الكنيسة والغرب غير قابل للحياة الطويلة لأسباب واضحة يطول شرحها وهو كيان زائل حتما في بشارات القرآن الكريم والله لا يخلف الميعاد .
نأتي الى الطرف الثالث في معادلة الصراع الجاري وهو نظام ولاية الفقيه ولا أقول أيران ، لأن الشعوب الإيرانية ولو اختلفنا مع حكامها فهي جار لنا وأشقاؤنا في الإسلام بغض النظر عن الخلافات العقيدية مع جزء من شعوب ايران التي تعتنق المذهب الاثني عشري مذهب المفيد والكليني (وليس مذهب جعفر الصادق وأتحدى من يقول خلاف ذلك) الذي يمثله اليوم الولي الفقيه في طهران وقم. هذا الطرف في الصراع الجاري نظام ولاية الفقيه ، الذي جاء للسلطة بقطار أمريكي يقوده بريجنسكي وجورج سوليفان والجنرال هويزر بخيمة كارتر ، شب عن الطوق وخرج عن الطريق الذي رسمه له سيده في البيت الأبيض ، الى درجة وصلت حد التقاطع في محاولة لصنع مشروعهم القومي الفارسي مبرقع برداء الدين والولاء المشوه لآل البيت رضوان الله عليهم ، وهم أشد خطورة من الولايات المتحدة وإسرائيل على العرب والمسلمين لأنه يتجه في هدفه المعلن لتغيير الهوية العقائدية التي عهدها العرب والمسلمين منذ صدر الإسلام ، فهو لا يهددهم فيما يملكون من ثروات بل يهددهم في قلب عقيدتهم وجوهرها ، ولا يرضى مهما انبطحت له الأنظمة العربية بغير سيادته على الشعوب العربية والاسلامية عمليا وعقائديا ، ولا تجدي معهم سياسة الوجهين ومد اليد من تحت الطاولة وركوب الموجة المضادة ظاهريا كما تفعل بعض الأنظمة العربية والإسلامية مع الأسف وهي معروفة للقارئ الحذق ، أضافة لتيار الأخوان المسلمين في العراق وفلسطين وعموم المنطقة، وهو الاخر تيار ظلامي لا يقل خطورة عن ولاية الفقيه .
واذا كانت علامات استفهام عديدة تحيط مواقف بعض الأنظمة العربية التي تضع يد مع الشيطان ويد مع الرحمن ، فأن الغريب هو ارتباك مواقف النخب العربية ولاسيما القوميين العرب في مصر وليبيا وتونس وفي لبنان وفي سلطنة عمان بشكل محدود من الذين صدرت عنهم مواقف واراء بائسة لصالح عدو العرب وعموم المسلمين نظام ولاية الفقيه ، الذي أستخدم شعار فلسطين لتمرير أجندته الخاصة زورا على عموم شعوبنا المسلمة ، وترك غزة تذبح ولبنان تذبح في لحظة فارقة من التاريخ بعد احداث أكتوبر، ناهيك عن الحرب العدوانية التي شنها على العراق في 4 أيلول 1980 لثمان سنوات تحت شعار تصدير الثورة والتي ربما نسيتها ذاكرة هؤلاء القوميين العرب التي أشبهها بذاكرة السمكة ، أو تناستها عمدا بفعل عقدهم تجاه تميز وشموخ وعروبة النظام الوطني في العراق حينذاك ، الذي أدرك مبكرا دون غيره خطر الخميني وفكره الظلامي على العراق والعرب عموما ، وكان سدا منيعا للامة بوجه الشر والضلال الخميني ، الى تاريخ احتلال بغداد في نيسان عام 2003 ، حيث ذبح يوسف على يد أخوته عندما تعاونوا مع الصهاينة والامريكان لغزوه واحتلاله .
ويتناسى أولئك المزايدين المنافقين ممن يرفعون شعارات الوحدة العربية وفلسطين خطورة المشروع الخميني على الامة ، بعدما أسس دستوريا لتصدير ثورته الظلامية ونشرها في عموم العالم الإسلامي وباشر بتطبيقها منذ الأسابيع الأولى لتسلمه السلطة بدعوته الشعب العراقي للثورة على النظام الوطني العروبي كخطوة أولى لابد منها لتصدير الثورة الخمينية وتوسيع دائرتها شيئا فشيئا واني ادعوهم مجددا لقراءة التاريخ بحيادية والاطلاع على المادة 154 من الدستور الخميني التي تلزم ايران الجديدة بدعم المستضعفين وهو الاسم الناعم لتصدير الثورة .
نحن عروبيي العراق والمشرق العربي الثابتين على عقيدتنا ، عشنا وشهدنا خصوصا من كان منا في موضع المسؤولية او دوائرها المختصة ، التاريخ القريب بتفاصيله المرة ، ولمسنا مباشرة احداث الثورة الإيرانية الشعبية التي كان الثقل الأساسي في نجاحها لحزب توده وفدائيين خلق ومجاهدي خلق وانصار السيد مهدي بازركان أول رئيس وزراء لإيران الثورة والتي سطا عليها الخميني مستثمرا مشاعر بسطاء الناس وجماهير الثورة بخطابه الديني العاطفي. وانخدع بخطابه كبير الكتاب الناصريين في حينها السيد محمد حسنين هيكل عندما قابل الخميني المنتصر واصدر على ضوء ذلك كتابه الشهير مدافع آيات الله، واعتبر التغيير في ايران انتصارا لفلسطين ..... كما انخدع فيه أبو عمار ثم التحق مجددا في بيته العروبي في بغداد بعد أن كشف زيفهم.
لقد رصدنا وسمعنا تصريحاته العلنية وافعاله على الأرض منذ اليوم الأول لوصوله للسلطة وما زلنا شهود عصر بالوثائق وليس رجما بالغيب او تحليل أو استنباط لكيفية وصوله للسلطة ، وما فعلته ايران الخمينية بنا لليوم منذ حربها الظالمة التي شنها على العراق منذ الاسابيع الأولى لثورته اللعينة ، ذلك العدوان الذي اتخذ طابع الحرب النظامية منذ 4 أيلول 1980 ، ورد عليها العراق يوم 22 /9/1980 الى 8 آب 1988 ،وتصدى له بكل شجاعة وشرف ومنع تمدد مشروعه الظلامي الى تاريخ احتلال العراق في نيسان 2003 ، حيث قدمت الولايات المتحدة باحتلالها لبغداد العروبة والإسلام فرصة تاريخية لنظام ولاية الفقيه الذي أستأنف تصدير مشروعه الظلامي، وتمكن بتواطئ المحتل الأمريكي بتوافق المصالح وخصوصا في عهد المجرم باراك أوباما ، بأن يحول جزء من شعب العراق ، الى أتباع لمشروعه الظلامي ، وبنى أذرعه القذرة من بين هؤلاء الحثالة .
ووصل حال العراق الى انه تحول لمنصة للعدوان على اشقائه في دول الخليج العربي في المواجهة الامريكية الإسرائيلية الأخيرة مع ايران.
أما في لبنان فقد تباينت مواقف النخب المثقفة المحسوبة على التيار القومي العربي بين منبطح لحزب الله ذراع الولي الفقيه في لبنان وسوريا بالأمس قبل تحريرها من عصابات الأسد، وبين ثلة وقفوا في الخندق المقابل للضلال.
أما الأخوة القوميين العرب ونخبهم في مصر وشمال افريقيا من الناصريين واتباع الرئيس الراحل معمر القذافي فقد تلبسهم غواش عجيب وانحاز معظمهم لجانب الولي الفقيه بسبب فهمهم السطحي للصراع الخميني مع العرب بدأ بالعراق وصولا للخليج واليمن وعموم المشرق العربي، ووصل البعض منهم أن يتغنوا بانتصارات الولي الفقيه المزعومة ويرددوا أكاذيب طهران وأتباعها.
وبتقديري أن أسباب هذا الموقف الخاطئ الذي عبرت عنه نخب قومية مهمة، نكن لها كل الاحترام في مصر وشمال افريقيا يرجع الى عدة عوامل سأحاول ايجازها بعجالة:
أولا: عدم وجود تماس مباشر مع ايران، وأعني بلاد فارس على عكس العراق ودول الخليج العربي والجزيرة العربية والشام الكبير .
الثانية : هيمنة الإمبراطورية الساسانية ( نسبة الى قبيلة الساس السكيثية التي استمرت لأكثر من 4 قرون تحكم معظم المشرق العربي وتوقفت قبل الفتح الاسلامي عند حدود بصرى الشام وعموم العراق وساحل الخليج العربي الغربي وحكمت مصر لفترة وجيزة جدا ، خلال صراعها مع الإمبراطورية الرومانية واستمرت هذه الهيمنة لما يقارب 13 قرن لثلاث حقب وامبراطوريات متعاقبة اعتبارا من تاريخ كورش الأخميني ( حكم الأخمينيين من550 ق.م الى330 ق.م ) الى تاريخ الفتح الإسلامي ، باستثناء فترة اجتياح الاسكندر المقدوني للشرق بما فيه العراق وبلاد فارس ،حيث أسقط حكم الأخمينيين عندما هزم الفرس في معركة غوغميلا عام 331ق.م ، وبعدما توفي في قرية جنوب بغداد تسمى اليوم الإسكندرية في عام 323ق.م ، وخلفه السلوقيين اليونان الذين سيطروا على معظم الأراضي التي كانت تابعة للإمبراطورية الأخمينية ، ثم أطاح بحكم السلوقيين ما سمي فيما بعد بالإمبراطورية الفرثية/ البارثية التي أسسها ارسكاس الأول ، ودامت هذه الإمبراطورية الفارسية من 247 ق. م الى 224 ميلادية ، بعد ذلك تأسست الإمبراطورية الساسانية التي اعادت احياء امجاد فارس القديمة، وكان آخر ملوكها كسرى يزدجر الثالث الذي أطاحت جيوش الفتح الإسلامي وسقطت إمبراطوريتهم ، فانتهى حكمهم للأبد ولكن أحلامهم بقيت راسخة في العقل الجمعي للنخب الفارسية وخاصة الدهاقنة وورثتهم الذين دخلوا الإسلام تقية ورياء.
اما مصر وهي الجزء الشرقي من شمال افريقيا العربي فقد غزاها الفرس الساسانيون ، بعد ان هزموا الدولة البيزنطية بين سنة 618 – 621 م وطردوهم من العراق والشام الكبير ،ثم توجهوا لمصر حيث سقطت الاسكندرية عاصمة مصر الرومانية ، واستمر حكم الفرس لمصر 10 سنوات حيث استطاع الامبراطور الروماني هيركليوس ، هزيمة خسروا الفارسي الذي أمر القائد الفارسي شهرباراز بالانسحاب ، فرحلوا عن مصر في صيف 629 م ، لذا فأن تأثير الفرس على مصر وشمال افريقيا لم يكن ذا شأن ، عكس الحالة في المشرق العربي حيث كان وسيظل سببا مهما في حساسية العرب المشارقة تجاه فارس ، قياسا لأشقائهم عرب شمال أفريقيا وهذا أحد العوامل بتقديري التي لعبت دورها في ثقافتهم وموقفهم من العدوان الإيراني على دول الخليج العربي ومن قبل تجاه العدوان الإيراني على العراق في حرب الثمان سنوات الحرب التي شنها الخميني على العراق ،العراق الذي تمكن من وقف مشروع تصدير الثورة الخمينية العدوانية التوسعية بعد ان جرع الخميني السم الى تاريخ احتلال العراق في نيسان 2003 ليصفو الجو للخمينيين واتباعهم وعبيدهم ، بعد أن مهدت لهم الولايات المتحدة وإسرائيل الطريق لمشروعهم الظلامي فسيطروا تباعا على العراق هدف مشروع الثورة الظلامية الأول ولبنان وسوريا واليمن ،حتى انكسرت شوكتهم في لبنان وسوريا بعدما وصلت طموحاتهم الإمبراطورية الكسروية الى نقطة تقاطع المصالح مع الراعي الأول لتسلم الخميني السلطة ، مقابل نشر الثقافة الطائفية لتفكيك عرى المجتمعات العربية لصالح اسرائيل (أنموذجها الأشد خطرا العراق حاليا الذي شاعت لدى الطائفة الشيعية فيه حكاما ومحكومين بشكل عام نظرية الحاكمية الشيعية ، وأنهم اتباع الولي الفقيه ، وظله السيستاني الذي يحكم العراق منذ الاحتلال لليوم ، وهو رجل فارسي لا تربطه بالعراق ولا العروبة رابطة .)
النقطة أو العامل الثالث : رواسب أرث الدولة الفاطمية وهو العامل الأهم في ثقافة النخب العربية في شمال افريقيا، أذ حكمت الدولة الفاطمية الإسماعيلية شمال أفريقيا ومصر قرابة قرنين ونصف( 262) عاما ، وامتدت لتشمل الشام والحجاز وصقلية ، مذ أسسها عبيد الله المهدي في المهدية بتونس في 9-9 م 297 للهجرة وسماهما الفاطمية ، تأسيا باسم السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها باعتبارها جدة الامام السادس أسماعيل بن جعفر الصادق الذي تتقاطع الروايات في سبب موته حتى أن أحدهم يقول أن مقتله كان على يد أخيه موسى بن جعفر الطامع في ولاية والده ، وموسى بن جعفر كان صديقا ونديما لهارون الرشيد بن عمه العباسي الهاشمي ( وبالمناسبة الولاية بدعة فلا توجد بالإسلام ولاية لعائلة ولو كانت تنتسب لرسول الله ان تدعي الامامة لعموم المسلمين ونظرية الشيعة الاثني عشرية ماهي الا ضلاله صنعتها تلاقح الأفكار بين اليهود والفرس ولكن العامة لا تقرأ مع الأسف راجع نظرية الاسباط عند اليهود ال 12... ) .
وانتقلت الخلافة الى مصر عام 969 على يد القائد جوهر الصقلي، واتخذت الخلافة الفاطمية من المنصورية مقرا لها منذ عام 948 -973 ،حيث انتقلت الى القاهرة التي بناها واسسها القائد جوهر الصقلي بأمر من المعز لدين الله الفاطمي هي والجامع الازهر. وقد سقطت الدولة الفاطمية (التي شاب تاريخها انتشار البدع والضلال) على يد القائد المسلم صلاح الدين الايوبي رضي الله عنه، الذي الغى المذهب الإسماعيلي وعاددت شمال افريقيا الى سنيتها بفضل جهود صلاح الدين الايوبي محرر القدس من الصليبيين الذين تواطئا معهم حكام الدولة الفاطمية في احتلال بيت المقدس.
ومع أن الدولة الفاطمية تم القضاء عليها وعاد الناس الى اصل دينهم واهتدوا بمدرسة الشافعي ومالك بجهود علماء الشام من جديد ، الا ان كثير من رواسب الثقافة الفاطمية بقيت مترسبة في العقل الجمعي لسكان مصر وشمال افريقيا ، وحيث تنتشر الزوايا الصوفية القريبة من الفكر الفاطمي ، حتى ان الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي كان يطرح في بعض تجلياته الفكرية إمكانية إعادة بناء الدولة الفاطمية من جديد واعتمد من الناحية العملية رايتهم الخضراء راية لثورة الفاتح التي اوصلته للسلطة عام 1969 وهذه الرواسب اثرت في انجذابه نحو الخميني في السنوات الأولى من تحالفه رغم انه لم يلتقيه ابدا وكان رسله الى الخميني الشيخ مصطفى الخروبي والسفير سعد مجبر ،ووصل الامر أن تحالف معه في حربه على العراق وأنضم الى سوريا الأسد ، وزوده بالصواريخ رغم انه متهم باغتيال موسى الصدر احد قادة ومفكري الشيعة الاثني عشرية في لبنان، واستمر ذلك التحالف المشبوه غير المقدس مع نظام ولاية الفقيه لما بعد احتلال الفاو عام 1986 من قبل الخمينيين حتى بدأت مسيرة التقارب بين صدام ومعمر بجهود الخيرين بعدما أستفاق معمر من خطأ موقفه الداعم لخميني ونظامه الظلامي على وقع احتلال الفاو ولم تنفع محاولات حافظ الأسد لثنيه عن التغيير الجوهري الذي أحدثه احتلال الفاو في أعماق مشاعره القومية.
رابعا: هنالك عامل نفسي عند الناصريين ذو شقين ان معلمهم عبدالناصر متزوج من السيدة الفاضلة تحية محمد كاظم ، وهي من أصول إيرانية شيعية كما ان عبدالناصر كانت تربطه علاقات طيبة مع الخميني، وهو الذي توسط له واقنع الرئيس عبدالسلام عارف ،لقبول لجوئه للعراق واقامته بالنجف، بعدما كان يعيش في منفاه في مدينة بورصة التركية في أيلول سبتمبر عام 1965، لكننا نلتمس عذرا للزعيم العربي الراحل عبدالناصر كونه لم يكن على قيد الحياة ، ليشهد قباحة وعدوانية الخميني وحقده على العروبة والإسلام الصحيح وتبنيه مبدأ تصدير ثورته الكسروية اللعينة من خلال نظام ولاية الفقيه الذي أسس له في دستور ايران الجديد بعد تسلمه السلطة على انقاض دولة البهلوي
تقديري هذه العوامل والرواسب وتحالف القذافي مع الخميني خلال سنوات الحرب على العراق الى تاريخ احتلال الفاو عام 1986 (حيث بدأت رحلة التعافي في العلاقات العراقية – الليبية الى ان وصلت أوجها في قمة بغداد في نهاية مايس 1990) هذه العوامل مجتمعة، أسهمت في خلق هذا الوعي الزائف تجاه الثورة الخمينية وولاية الفقيه لدى أخوتنا نخب شمال افريقيا العربي. وأني أتوجه لهم وكثير منهم أصدقائي بالدعوة مخلصا لإعادة قراءة التاريخ ومراجعة رؤاهم المعتلة المصابة بالحول تجاه نظام ولاية الفقيه.
ملاحظات ختامية
أولا : لقد أبلت دول الخليج العربي التي تعرضت لعدوان نظام ولاية الفقيه عموما بلاء حسنا في دفاعها عن أوطانها عسكريا وسياسيا ، وتميزت الدفاعات الإماراتية بكفاءتها العالية واعتمادها على أبنائها أي على العنصر الوطني العالي التدريب والايمان بالوطن قيادة وشعبا ، وقد تحملت القسط الأكبر من صواريخ ومسيرات العدو تجاوزت بكثير عدد الصواريخ والمسيرات التي تعرضت لها إسرائيل ، مما يتطلب من إخواننا النخب العربية المثقفة المتعاطفين مع الولي الفقيه الذي أصبحت تسميته في الموروث الشعبي العراقي (الولي السفيه ) دون أدراك عميق لحقيقة شعاراته الكاذبة تجاه فلسطين ، أن يراجعوا مواقفهم بشكل موضوعي . ولا يسعني ألا أن الفت النظر للقيادة المتميزة الشجاعة والحكيمة ورؤيتها الواضحة دون غوش لأهداف العدو التي أبداها الشيخ محمد بن زايد رئيس الدولة وبمعاضدة أخيه الشيخ محمد بن راشد ولا شك أن تاريخ الرجلين كضباط أركان تدربوا في ارقى الكليات العسكرية بالعالم (سانت هيرست) وتعلموا السياسة والحكمة وبعد النظر، في مدرسة زايد وراشد الآباء المؤسسين. هذا التكوين برز واضحا في الدفاع عن الوطن وتطمين المواطن والمقيم بثقة عالية بالنفس كما لاحظنا ذلك بدقة فائقة. وذلك أمر يستحق كل الثناء والتقدير.
ثانيا : أن الدعامتين الرئيسيتين الأكثر متانة ورسوخ وتأثير لمجلس التعاون لدول الخليج العربي ، هما المملكة العربية السعودية بثقلها السكاني والاقتصادي والروحي للمسلمين ، والأمارات الصاعدة الى النجوم بثقلها السياسي على الصعيد الدولي وقدراتها الاقتصادية العالية وتجربتها التنموية والعلمية الرائدة في الوطن العربي، والوزن الدولي الكبير الذي احرزه الشيخ محمد بن زايد رئيس الدولة حيث فرض مكانته الرفيعة بين أهم كبار قادة العالم منذ ان كان وليا للعهد.
هذه المكانة الرئيسية للقطبين الاماراتي والعربي السعودي يجب أن تبقى بعيدا عن الحساسيات الشخصية والتنافس والخلافات التي يسعرها من لا يريدون خيرا للأمة خصوصا بعد الخلاف السعودي الاماراتي على الساحة اليمنية، وأن ترقى لمستوى الامل الذي يعقده احرار الامة على هاتين الدعامتين.
نعم أن سياسة العائلة الحاكمة في الرياض تستند الى وصية الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود لكل من يعتلي العرش من سلالته أن يضيف مزيدا من الأرض بالقضم من دول الجوار وهم جميعا أشقاء وتلعب هذه الوصية شيئا ما في صنع حالة من التمني النفسي لدى من يجلس على العرش غير أن الزمن قد تجاوزها بكل المقاييس وعلى المملكة أن ترتقي لمقام الشقيق الأكبر الذي يتكامل مع اشقائه في الامارات الذين اصبح تأثيرها لا يقل ابدا عن اللاعب السعودي على الملعب العربي والدولي ، بفعل تمكنهم من بناء وطن يزخر بكل عوامل القوة الحديثة وعمادها العلم والبناء .
أتمنى وادعو أن يكون التكامل السعودي الاماراتي فوق كل اعتبار وأن يكون دورها تكاملي مع بقية الأطراف كما فعل الملك فهد بدعمه العراق في دفاعه عن البوابة الشرقية للوطن العربي لثمان سنوات حتى أن الرئيس الراحل صدام حسين وصفه عند تدشين حفل أعادة بناء الفاو المحررة بأنه الشقيق والشريك في النصر ولكن الله قدر وما شاء فعل فكان غزو الكويت سببا لانهيار تحالف فهد وصدام وزايد . مثلما كان سببا في موت التحالف الاستراتيجي بين ليبيا والعراق الذي بدأت ملامحه تظهر بعد أيام قليلة من قمة بغداد في 28 مايس 1990
على الاشقاء في المملكة الذين نتمنى لهم كل خير ونحرص على امنهم ودورهم الذي نأمله في حماية الامة والمقدسات ، عليهم أن يدركوا أن عامل المساحة الجغرافية لم يعد الفاعل الرئيس في بناء القوة والقدرة على الفعل والتأثير بالمحيط فهذه أوكرانيا أعييت الدب الروسي أكبر دول العالم مساحة سنوات وهي تقارع بوتين الذي عجز عن أحراز نصر مؤزر الى اليوم ، وهذا السودان الشقيق من اكبر اقطار الوطن العربي مساحة وأوضاعه والصراع على وحدته ومستقبله في مهب الريح ، وكذلك ليبيا الفاشلة بعد معمر بما له وبما عليه ، وحتى الجزائر التي يتحكم فيها ويقف بوجه تقدمها نفر من الجنرالات الفاسدين المتحالفين مع رئيس متخلف أسمه تبون غير لائق بقيادة شعب مجاهد عريق وولده أحد زعماء مافيات الفساد ، في وقت كانت فيه ذات فعل وتأثير كبيرين على الصعد كافة في أفريقيا والوطن العربي الكبير والعالم عندما كان يقودها الراحل العظيم المجاهد هواري بومدين .
وعليه وانسجاما مع عنوان دراستنا بالقلم العريض نتمنى أن يأخذ الأمير الشاب الواعد والطموح الأمير محمد بن سلمان، المتغيرات الجوهرية التي حدثت في العالم والمنطقة وغيرت بشكل كبير عوامل القوة لكل دولة تبحث لها عن مكان بين الكبار . ومن هنا فأن المطلوب منه أن يستعين بصاحب الخبرة وصاحب العقل القيادي أخيه الشيخ محمد بن زايد الذي أصبحت له مكانة كبيرة بين كبار القادة اللاعبين في العالم وعلى الأمير محمد الذي نحبه ونتمنى أن يكون ذخر للأمة أن يستحضر العلاقة المصيرية بين عمه الملك فهد وعمه الشيخ زايد ، وتكامل المملكة والأمارات ليس ترفا ، وإنما ضرورة إستراتيجية ماسة لمستقبل وعروبة المنطقة وعزها ، في وجه التحديات الخطيرة التي تتعرض لها ومخاطر نظام ولاية الفقيه واحد من التحديات الخطيرة التي تتربص بكل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي والمشرق العربي ومصر، وهي المنطقة ذات التماس المباشر مع ولاية الفقيه من الشرق واتباعه من الشمال في العراق المختطف حيث أذرعه ، ويتوجب أن تتماسك هذه الكتلة وتعزز من قوتها وتسعى لاستعادة العراق لعروبته وتعافيه من الهيمنة الايرانية لتستكمل عوامل القوة بوجه أعداء الامة .
أن بناء القوة وتعزيزها هي طريق السلام الوحيد حيث يتحسب لك العدو الطامع الف حساب ، ومن هذا المنطلق يتوجب البناء على صياغة قواعد الامن الجماعي العربي ومؤسساته في عموم الوطن الكبير وفي مشرق الامة والخليج العربي ، بعد أن فشلت الجامعة العربية فشلا ذريعا وأصبحت أسما بلا مسمى .

ثالثا: استكمالا لما شخصنا أعلاه في الفقرة ثانيا سيرد علينا بعض الاخوة العروبيين من النخب ويذكرني بالدور الذي قامت به دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي وخصوصا المملكة والكويت في تدمير العراق واحتلاله الذي عاد بالضد من مقاصدهم ، وكشف ظهورهم امام الخطر الأكبر الذي يشكله نظام ولاية الفقيه على عروبة الخليج العربي ومستقبله حيث كان العراق الحارس الأمين للبوابة الشرقية للوطن العربي منذ اليوم الأول لتسلم الخميني السلطة الى تاريخ احتلال بغداد في نيسان 2003
وكذلك دورهم في تدمير ليبيا وتهشيمها ، الذي اضر بالأمة والشعب العربي الليبي فقد تحولت ليبيا الى كانتونات، وليس دولة فاشلة فحسب يتقاذفها اللصوص والعملاء ويتشارك في نكاحها الامريكان والاوربيين والروس والأتراك نتيجة خطيئة مؤامرة تدميرها بمشاركة مهمة من قبل بعض دول مجلس التعاون وفي مقدمتها قطر مع الاسف .
أقول للجميع نعم لقد شارك الاشقاء في ذبح يوسف (العراق) ، وتدمير ليبيا وذلك ماض اسود مؤلم. ولكن هل من الصحيح أن يعفينا الماضي الأسود الذي نتشاركه جميعا كعروبيين، نؤمن بأن الأمة واحدة من الخليج العربي الى المحيط الاطلسي امة في بطن امة أكبر هي أمة محمد أمة الإسلام عن دعم أمن وسيادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي أمام أطماع نظام ولاية الفقيه الذي يستهدف الهوية والعقيدة والأرض والانسان . أليس الموقف الصحيح أن نفتح صفحة جديدة ونتسامى على الجراح والماضي المخزي الذي اشترك الجميع في صنعه بما فيهم النظام الوطني قبل الاحتلال في العراق ونظام العقيد معمر القذافي وهنا أستحضر قول السيد المسيح عليه وعلى أخيه نبي الامة والبشرية محمد افضل الصلاة والتسليم ( من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر ) ولذلك فأني أستغرب من بعض الاخوة الكتاب القوميين عدم قدرتهم على تجاوز الضرر لتفادي ضرر أعظم يهدد الأمه جميعها في مقتل ،لاسيما وأن انهيار الوطن العربي واضح ولم يتبقى منه كتلة صلبة الى حد ما غير مجلس التعاون لدول الخليج العربي ومصر ، وربما سوريا مستقبلا أن لم يخذلها العرب المتمكنين . ولهذا يجب أن تكرس كل الجهود المخلصة الحريصة على مصالح ومستقبل هذه الامة العظيمة بإتجاه بناء قوة دفاع مشتركة وأليات مؤسسية ترقى لمهمة الدفاع عن الارض والعرض في عموم بلدننا وفي الخليج العربي تحديدا الذي يتعرض لخطر وجودي ما دام نظام ولاية الفقيه يحكم أيران ويتحكم في العراق واليمن .
ملاحظة أخيرة
لا شك أن الاخوة القطريين تميزوا منذ ما قبل احتلال العراق بعلاقات ونشاط ملحوظ واضطلعوا بأدوار أكبر بكثير مما يتوقعه العوام ، وبرز نشاطهم في كثير من الساحات لاسيما باحتضانهم حماس وتحويل الدوحة الى منصة تواصل بين القوى المتصارعة في فلسطين، وأفغانستان، وسوريا والعراق . وهنا لابد من التنبيه أن الدور القطري في العراق اليوم لا يقل شأنا عن الدور الإسرائيلي، بعد الفاعليين الرئيسين على الساحة وهما الولايات المتحدة الامريكية باعتبارها القوة المحتلة، ونظام ولاية الفقيه وكان سفيرهم زايد الخيرين يسمى قاسم سليماني القطري.
أنا لا أعترض على الدور القطري ما دام الأمريكي والفارسي والصهيوني يعبث بأمن العراق ومصيرة وعندي أيمان راسخ أن هذه فترة مؤقتة في تاريخ العراق العظيم وسينهض من كبوته حتما .
لا أعترض، ولكني أتمنى مخلصا أن يتم التنسيق مع المملكة والامارات بكل تفاصيل الدور القطري وعلى مستوى قادة الأجهزة الأمنية للوصول الى خطة عمل مشتركة تسهم في تخلص العراق من الدرن الذي أصابه وتعيده لعروبته، ولا تجعل الدور القطري الحالي الذي ظل الطريق في معظم الأحيان بفعل اعتماده على وكلاء توافه من سياسي الصدفة في العراق وجعل صورته في المشهد في موضع لا يتمناه له محب والحياة كما علمتنا جداتنا في طفولتنا قرضه ودين وأتمنى عليهم أن لا يخدموا أجندات خاصة بغيرهم .
عسى الله أن نكون قد نبهنا ونصحنا من أجل مصالح الامة جمعاء والله من وراء القصد.
بغداد الجريحة في السابع من مايو / مايس 2026

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

947 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع